ثمانية أذرع نودي : يا أفسق الفاسقين أين تريد ؟ . وبمعناه غيره »[1].
كما أن ذلك يوضح ضرورة بعد المستشفى عن الأماكن ، والشوارع المزدحمة بالناس وبالسيارات ، حيث العجيج والضجيج ، ويؤكد على لزوم كونه في مكان مطمئن وهادئ . . كما أنه لا يمكن السماح بأي نوع من أنواع الضجيج في داخل المستشفى ، ولا سيما في أوقات نوم المرضى ، فإن النوم راحة الجسد[2]؛ فلا بد من تمكين الجسد من التمتع بهذا القسط من الراحة .
4 - لا بد وأن تكون غرف المستشفى بحيث تتسع لأكثر من سرير واحد ، وذلك لورود النهي الأكيد عن نوم الإنسان منفرداً . . ولا بد وأن يتأكد ذلك النهي بالنسبة إلى المريض الذي يتعرض لحالات طارئة ، بسبب مضاعفات المرض غير المتوقعة في أحيان كثيرة . . الأمر الذي يحتم وجود آخرين معه من المرضى أنفسهم ، حيث لا يمكن السماح للأصحاء بالتواجد معه في كثير من الأحيان . .
كما أن الراحة النفسية للمريض تحتم سعة غرفته ، وسعة الساحة التي يشرف عليها ، هذا عدا عن أن الحث على عيادة المريض يفرض أن تكون الغرف بحيث تتسع لاستقبال زائريه ، من دون أن يضر ذلك بحالته ، أو يؤدي إلى اضجاره وإزعاجه بأي نحو كان . . كما لا بد للمريض من أن يشرف على فضاء أرحب ، وتكون الساحة الخارجية للمستشفى قادرة على تأمين ذلك بالإضافة إلى قدرتها على تأمين الاحتياجات الطبيعية لمؤسسة كهذه . . والروايات تهتم كثيراً بالتأكيد على لزوم السعة في المنزل ، وفي الساحة . .
5 - لا بد من رسم أوقات للعيادة ، بحيث تكون في كل ثلاثة أيام مرة ،
[1]المحاسن للبرقي ص 608 والوسائل ج 3 ص 565 و 566 .
[2]طب الصادق ص 77 عن أمالي الصدوق .
مع مراعاة عدم إطالة فترتها - وسنشير إلى الروايات المرتبطة بذلك في الفصل الآتي إن شاء الله .
6 - وبعد . . فقد ورد في الروايات التأكيد الشديد على النظافة ، واعتبرت من الإيمان . . وأن الله يكره من عباده القاذورة . . وقد ورد : أن غسل الثياب يذهب بالهم والحزن[1]وعن علي ( عليه السلام ) : « من نظف ثوبه قل همه »[2].
ومعلوم : أن هذا الامر - يعني الهم - سئ الأثر والعاقبة على المريض ؛ إذ أن الهم نصف الهرم ، كما عن علي ( عليه السلام )[3]. . وعن النبي ( صلى الله عليه وآله ) : « من كثر همّه سقم بدنه »[4]. . وعن الكاظم ( عليه السلام ) : « كثرة الهم يورث الهرم »[5].
نعم . . وقد أثبتت البحوث العلمية صحة هذا الامر ، فإن الهم يرهق الأعصاب ويترك أثراً كبيراً على نشاط الجسم وحيويته ، واستمرار ذلك يؤدي إلى السقم والمرض . . وتفصيل ذلك موكول إلى أهل الاختصاص في محله .
وأما بالنسبة لنظافة الغرفة ، وجميع ما فيها من وسائل ، وعدم إبقاء القمامة فيها ليلاً . . وكذلك نظافة الساحات والأفنية والمرافق ، فقد ورد التأكيد عليها في كلامهم ( عليهم السلام ) بالنسبة إلى بيت السكنى ، وواضح أن تأكد ذلك بالنسبة للمستشفيات والمستوصفات أكثر وضوحاً ، ما دام أن ذلك يمس سلامة
[1]البحار ج 76 ص 84 و 22 وفي هامشه عن الخصال ج 2 ص 156 و 160 .
[2]كنز الفوائد للكراجكي ص 283 والبحار ج 78 ص 93 عنه .
[3]كنز الفوائد للكراجكي ص 287 والخصال ج 2 ص 620 والبحار ج 78 ص 93 عن الأول .
[4]أمالي الطوسي ج 2 ص 125 والبحار ج 77 ص 126 .
[5]تحف العقول ص 301 والبحار ج 78 ص 326 عنه .
المريض النفسية ، هذا عدا عما له من آثار جسدية أيضاً بملاحظة : أن التساهل والاهمال في هذا الأمر لربما يكون له مضاعفات لا تحمد عقباها بالنسبة للمرضى الذين يفترض الاهتمام بمعالجتهم ، وبإبعاد كل ما يمكن أن يحمل ميكروباً عنهم ، لا بزيادة مشاكلهم ، ومتاعبهم وآلامهم . .
7 - وبعد هذا . . فإنه إذا كانت النار المتوقدة في الغرفة تساهم في تقليل كمية الأكسجين فيها ، فإن من الطبيعي أن يترك ذلك أثراً على تنفس المريض ، حيث تقل كمية الأكسيجين التي تصل إلى الجسم . ويمكن أن يترك ذلك أثراً سيئاً على الحالة الصحية العامة للمريض ، ويحدث له مشاكل ومضاعفات جديدة ، كان في غنى عنها ، ولعل هذا هو بعض السر في نهيهم ( عليهم السلام ) عن النوم في الغرفة التي فيها نار مشبوبة .
8 - وأما بالنسبة لكون المكان كثير العشب والشجر[1]. . فإن الأمر فيه واضح ، فعدا عن أن النظر إلى الخضرة من شأنه أن يبعث البهجة والارتياح في
[1]إن اهتمام الإسلام بالشجر والخضرة واضح جداً حتى لقد حرم على الحجاج قطع شجر الحرم ، وجعل عليهم الكفارة في ذلك . . كما أن النبي ( صلى الله عليه وآله ) كان يوصي المقاتلين بأن لا يقطعوا شجراً ، ولا يتلفوا زرعاً . . وفي وصية علي ( عليه السلام ) لولده : « وأن لا يبيع من أولاد نخيل هذه القرى ودية ، حتى تشكل أرضها غراساً » قال الرضي : « والمراد : أن الأرض يكثر فيها غراس النخل ، حتى يراها الناظر على غير تلك الصفة التي عرفها ، فيشكل عليه أمرها ، ويحسبها غيرها . . » راجع نهج البلاغة بشرح محمد عبده ج 3 ص 26 . وقال تعالى : ( لقد كان لسبأ في مسكنهم آية جنتان عن يمين وشمال كلوا من رزق ربكم واشكروا له بلدة طيبة ورب غفور ) سورة سبأ ، الآية : 15 . وهذا كثير جداً . . وهو يعطي حقيقة القيمة التي يعطيها الإسلام للشجرة حتى ليهتم بتعويد الناس على المحافظة على الشجر والزرع ولو عن طريق وضع العقاب على المخالفة في ذلك ، وحتى في حال الحرب مع العدو .
النفس ، ويجلو البصر . . فإن هذه الأشجار والأعشاب بالذات هي التي تجعل الهواء طرياً وصافياً ، بالإضافة إلى أنها تغنيه بمادة الأكسجين التي تفرزها ، والتي هي بمثابة الغذاء للجسم ، وتصل إليه عن طريق التنفس وعن طريق خلايا الجسم الظاهرة ، التي اهتم الإسلام بالمحافظة على قدرتها على القيام بوظيفتها عن طريق الأمر بالنظافة والغسل ، وغير ذلك من أمور ضرورية لذلك . .
9 - أما وضع الأسرة في المستشفى ، بحيث يكون المريض مستقبلاً للقبلة في مجلسه وفي حال نومه . . فإنه هام أيضاً ، حيث إن ذلك يمكّن الجسم - بسبب ملاحظة بعض التوازنات بالنسبة للدورة الدموية وللجاذبية وغيرها - من أن يحتفظ بذرات الحديد المتواجدة فيه في حالة متوازنة . وقد شرح ذلك المرحوم الشهيد الدكتور باك نجاد في كتابه أولين دانشگاه وآخرين پيامبر ، فراجع . .
وحسبنا ما ذكرناه هنا . . فإن استقصاء الكلام في تلك الخصوصيات يحتاج إلى وقت طويل وتأليف مستقل ، وغرضنا هنا هو الإشارة إلى بعض ذلك ، لا كله . . وللتوسع مجال آخر . .
علاقة الطبيب بالممرض :
وأما عن علاقة الممرض والطبيب ، فيجب أن تحكمها الروح الإسلامية والإنسانية . .
وعلى الطبيب أن لا يرهق الممرض ، ويجعله يتضايق نفسياً ، لأن ذلك يمكن أن يؤثر على معاملته واخلاقياته مع المريض ، وبالتالي على مستوى خدمته . له ونوعيتها .
كما أن على الممرض أن يحترم الطبيب ، ويسارع إلى تلبية طلباته ،
لأنها إنما تكون من أجل المريض وفي سبيله ، وليست طلبات شخصية له . .
وإذا كان كل من الطبيب والممرض يسعيان إلى هدف واحد ، وهو إنقاذ المريض ، والتخفيف من آلامه ، ثم الحصول عن طريق ذلك على رضا الله سبحانه ؛ فلماذا لا يتعاونان على الوصول إلى ذلك الهدف ، الذي يرضي الله ، والضمير ، والوجدان الإنساني ؟ ! .
الممرض في المستشفى :
وبعد كل ما تقدم . . فإن العلاقة بين الممرض والمريض تصبح واضحة ، وكذا السلوك العام للممرض في مختلف أحواله ومواقفه ، فإن كل ذلك يجب أن يكون إسلامياً بكل ما لهذه الكلمة من معنى ؛ وما ذلك إلا لأن المريض - كما قدمنا - قريب من الله ، ومن رحمته وغفرانه ، وهو مستجاب الدعوة ، وليس مرضه إلا كرامة ربانية ، ورحمة إلهية .
وإننا بملاحظة ما تقدم وغيره نستطيع أن نشير إلى النقاط التالية :
1 - إن على الممرض أن لا يزعج المريض ولا يغيظه ، بل يحافظ على مشاعره ، ويهتم براحته النفسية بكل ما أوتي من قوة وحول . . ولا يحق له ان يزجره أو ينتهره باي وجه . .
كما أن عليه أن لا يضجره كذلك . . وذلك عملاً بقول الصادق ( عليه السلام ) : « فلا تزعجوه ولا تضجروه » ، أو « ولا تزجروه » . . وعنه ( عليه السلام ) : « إسماع الأصم من غير تضجر صدقة هنيئة »[1]. وهذا يتأكد بالنسبة إلى الممرض الذي ربما ينفذ صبره أحياناً ، بسبب المتاعب التي يتعرض لها في عمله .
نعم . . وهذا هو ما تفرضه الأخلاق الإنسانية الفاضلة ، والتعاليم الإلهية
[1]البحار ج 74 ص 388 وثواب الأعمال ص 168 .
الكريمة السامية ، وتضافرت عليه النصوص والآثار بالنسبة لغير المريض أيضاً ، فكيف بالنسبة إليه .
2 - أن لا يكون ثمة تمييز بين الغني والفقير - سواء في قبول المستشفى لهما ، أم في العناية والخدمات التي يفترض بالمستشفى والممرض أن يقدمها لكل منهما ، وقد تقدم ما يشير إلى ذلك في الفصل السابق .
3 - أن يكون الممرض نظيفاً حسن المظهر ، بالإضافة إلى الاهتمام البالغ بالنظافة سواء بالنسبة للمريض ، أو المستشفى بصورة عامة ، ثم تصريفه لجميع الشؤون المطلوبة منه ، والتي يحتاج المستشفى إلى تصريفها بالسرعة الممكنة ، والاتقان والجد اللازمين .
4 - إنه لا بد للذين يشرفون على المريض من أن لا يديموا النظر إليه ، وأن لا يسمعوه الاستعاذة من البلاء فإن ذلك يجعله يلتفت إلى نفسه ، وما حاق بها من بلاء - ولا سيما إذا كان مبتلى بعاهة ظاهرة - ويعتبر أن هذا النظر إليه إنما هو ليتجلى للناظر ذلك النقص الذي يحب هو إخفاءه . ولا بد وأن يقايس هذا المبتلى بين النقص الذي يحيق به ، وبين كمال ذلك الناظر إليه ، وهنا لا بد وأن يتملكه حزن عميق ، وشعور قوي بالمرارة والكآبة . .
وقد « كان محمد بن علي لا يسمع المبتلى الاستعاذة من البلاء »[1]والمراد بمحمد بن علي الإمام الباقر ( عليه السلام ) .
وروي عن أبي عبد الله الصادق ( عليه السلام ) : « لا تنظروا إلى أهل البلاء ؛ فإن
[1]البيان والتبيين ج 3 ص 280 و 158 وعيون الأخبار ج 2 ص 208 .
ذلك يحزنهم »[1].
وفي نص آخر عن النبي ( صلى الله عليه وآله ) : « أقلوا النظر إلى أهل البلاء . . أو : لا تديموا النظر » الخ . .[2].
وفي حديث آخر عنه ( صلى الله عليه وآله ) : « لا تديموا النظر إلى المجذومين »[3]وواضح : أن هذا لا يختص بالمشرفين على شؤون المريض ، بل يعم كل ناظر إليه من غيرهم أيضاً . . وإن كان هؤلاء يتعرضون لهذا الأمر أكثر من غيرهم . .
5 - هذا . . ولا بد من توفر عنصر حسن القيام على المرضى ، وحسن معاملتهم ، كما أمر به علي ( عليه السلام ) مولاه قنبراً ، ثم الاهتمام بقضاء حوائجهم ، فلا يكلفون القيام إليها بأنفسهم . . وقد كان الإمام الباقر ( عليه السلام ) إذا اعتل جعل في ثوب ، وحمل لحاجته - يعني الوضوء - وذلك أنه كان يقول : إن المشي للمريض نكس ، كما تقدم .
وبعد . . فإن المبادرة إلى قضاء حاجات المريض تستدعي حصول الرضا منه ، والدعاء له منه ، وسيأتي : أن دعاء المريض مستجاب ، كدعاء الملائكة . . هذا كله عدا عن أن ذلك يوفر له الراحة والطمأنينة النفسية ، الأمر الذي يجعله أقوى على مواجهة المرض الذي يلم به . . كما هو معلوم . .
وإذا كان المريض من أهل بيته ؛ فإنه يكون أعظم قربة وأجراً عند الله
[1]مشكاة الأنوار ص 28 ، والبحار ج 75 ص 16 وطب الأئمة ص 106 وقصار الجمل ج 1 ص 146 .
[2]طب الأئمة ص 106 والبحار ج 75 ص 15 وج 62 ص 213 .
[3]الطب النبوي لابن قيم الجوزية ص 116 عن ابن ماجة وفي هامشه عن أحمد والطيالسي ، والطبراني والبيهقي ، وابن جرير والتراتيب الإدارية ج 2 ص 342 .
تعالى ؛ فعن النبي ( صلى الله عليه وآله ) : « من قام على مريض يوماً وليلة بعثه الله مع إبراهيم الخليل الرحمن ، فجاز على الصراط كالبرق اللامع »[1].
وروى علي بن إبراهيم في تفسيره ، في قوله تعالى : ( إنا نراك من المحسنين ) قال : كان يقوم على المريض[2].
وعن الصادق ( عليه السلام ) ، عن آبائه ، عن النبي ( صلى الله عليه وآله ) : « من سعى لمريض في حاجة ، قضاها ، أو لم يقضها ، خرج من ذنوبه كيوم ولدته أمه » . فقال رجل من الأنصار ، بأبي أنت وأمي يا رسول الله ، فإن كان المريض من أهل بيته ، أوليس ذلك أعظم أجراً إذا سعى في حاجة أهل بيته ؟ قال : نعم[3].
ومن الطبيعي : أن المريض يصير حساساً جداً ، نتيجة لإحساسه بالضعف ، وبحاجته إلى الآخرين ؛ فيتأثر ، ويشعر بالمرارة لأقل شيء . . كما ان الناس الذين يقومون عليه ، إنما يخدمونه وهم يرون فيه عبئاً ثقيلاً على كواهلهم . .
وأما أولئك الذين يكلفون بنظافته ، وإبعاد القذارات عنه ، فإن إحساسهم بالتبرم والتضجر منه يزيد ، وشعورهم بالقرف والاشمئزاز من حالته ينمو ويتعاظم . . هذا بالإضافة إلى انفعالاتهم النفسية ، تجاه معاناته للآلام والمصائب التي يرونها ، فمن يقوم على المريض يوماً وليلة ؛ فإنه لا بد وأن
[1]عقاب الأعمال ص 341 والوسائل ج 11 ص 565 ومستدرك الوسائل ج 1 ص 86 عن أعلام الديلمي ، والبحار ج 81 ص 225 وج 76 ص 368 .
[2]مستدرك الوسائل ج 2 ص 61 .
[3]أمالي الصدوق ص 387 ومن لا يحضره الفقيه ج 4 ص 10 وعقاب الأعمال ص 341 والوسائل ج 2 ص 643 وج 11 ص 565 والبحار ج 81 ص 217 وج 76 ص 368 و 335 / 336 .