وصناعة الطب عندهم حرة يتعاطاها من شاء ، وكانت مدارسهم الطبية في المدن إلى القرن العاشر كثيرة ، ثم اختفت إلا مدرسة في العاصمة[1].
5 - الطب عند اليونان ، والرومان :
لقد رأينا في الإلياذة لهوميروس إشارات إلى كثير من المعلومات الطبية ولا سيما الجراحية[2].
وكان الطب موجوداً لدى اليونان قبل أبقراط ، لأنه هو نفسه ينقل عن مؤلفات سابقة ، ولكن أبقراط قد خلص هذا العلم مما علق به من الشعوذة والعقائد بالأرواح ، ولم يقم أبقراط بما قام به إلا اعتماداً على الثروة الطبية الجيدة التي ورثها عن أسلافه[3].
ويذكر وجدي أيضاً : أن الكتب التي سبقت أبقراط مفقودة ، وليس لدينا أقدم من كتبه الآن ، وكان الطب عندهم سحرياً يعتمد على الرقى والعزائم . ثم لما نبغ الفلاسفة أمثال أنكزيماندوا ، وبارفيد ، وهيراقليت وغيرهم تكلموا في الأهوية ، والأغذية ، والأمراض ، وغير ذلك . ثم جاء فيثاغورس فاشتغل بالطب وكتب أمبيدو كل في الجنين والحواس ، والوراثة والتوالد .
ثم ترقى الطب عندهم حتى أس بطليموس الأول والثاني ملكا مصر مدرسة الإسكندرية ، التي نبغ منها جالينوس ، الذي عاش في القرن السادس قبل الهجرة .
وكان الطب الروماني مبنياً على الخرافات والأوهام ، واليونان هم الذين
[1]راجع : دائرة معارف القرن العشرين ج 5 ص 663 .
[2]تاريخ العلم ج 2 ص 215 .
[3]تاريخ العلم ج 2 ص 217 ودائرة معارف القرن العشرين ج 5 ص 664 .
أدخلوا العلم الطبي إليهم من مدرسة الإسكندرية - التي استمرت - كما يقول البعض[1]إلى أواخر القرن الأول الهجري - ولعل أول طبيب يوناني دخل رومية هو أركاجانوس بن ليزانياس سنة 192 قبل المسيح ، ثم سقط إلى الحضيض على إثر بعض أعماله الجراحية ، ثم عاد فدخلها من العلماء اليونانيين من كان له أثر كبير في نشر هذا العلم هناك[2].
6 - الطب عند الفرس :
قد تقدم أن البعض يقول : إن كهنة الفرس هم واضعو علم الطب .
ويذكر وجدي : أن الطب كان عندهم مخلوطاً من الرقى والتعزيم ، وشئ من المبادئ الطبية العلمية . وإن تاريخ الطب عندهم يصعد إلى نحو القرن الرابع قبل المسيح ( عليه السلام ) ، وأصوله الأولية مذكورة في كتابهم المقدس زندافستا في الفصل المعنون به « فنديد » وخصوصاً تحت عنوان « فارجاد » ، وهو أحدث تاريخاً من كتب « الفيدا » الهندية المقدسة[3].
وكحصيلة لما تقدم ، فإن جورج سارتون يقول : إن في وسعنا أن نقرر : أن القسم الأكبر من المعارف الطبية يرجع إلى الألف الثالث قبل الميلاد[4].
هذا . . ولأهمية جامعة جند يشابور في النهضة الإسلامية ، نرى أنه لا
[1]تاريخ طب در إيران ج 2 ص 13 .
[2]دائرة معارف القرن العشرين ج 5 ص 664 / 665 وفي تاريخ العلم ص 215 - 320 بحث شامل عن الطب اليوناني الأبقراطي . . ولعل هذا التعمد في إظهار عظمة الطب اليوناني من أجل التقليل من أهمية النهضة الطبية الإسلامية العظمى التي أنست من قبلها وأعجزت من بعدها .
[3]راجع : دائرة معارف القرن العشرين ج 5 ص 663 .
[4]تاريخ العلم ج 1 ص 197 .
بد من إعطاء لمحة عن هذه الجامعة الشهيرة ، فنقول :
جامعة جند يشابور :
تقع مدينة جند يشابور بين شوشتر وخرابات شوش في خوزستان[1].
ويظهر من كلام القفطي : أنها كانت مركزاً طبياً شهيراً من عهد شابور الأول ، وأن الطب قد انتقل إليها من الروم[2].
ويحتمل البعض أن مدرسة الطب فيها كانت قبل القرن الرابع أو الخامس الميلادي[3].
يقول القفطي : إنه بعد أن انتقل إليها بعض الأطباء الروم مع ابنة ملكهم « ولما أقاموا بها بدأوا يعلمون أحداثاً من أهلها ، ولم يزل أمرهم يقوى في العلم ، ويتزايدون فيه ، ويرتبون قوانين العلاج على مقتضى أمزجة بلدانهم حتى برزوا في الفضائل . وجماعة يفضلون علاجهم وطريقتهم على اليونانيين والهند ؛ لأنهم أخذوا فضائل كل فرقة ؛ فزادوا عليها بما استخرجوه من قبل نفوسهم ! فرتبوا لهم دساتير وقوانين ، وكتباً جمعوا فيها كل حسنة ، حتى إن في سنة عشرين من ملك كسرى اجتمع أطباء من جند يشابور بأمر الملك ، وجرى بينهم مسائل وأجوبتها . وأثبتت عنهم . وكان أمراً مشهوراً . وكان واسطة المجلس : جبرائيل درستباذ ؛ لأنه كان طبيب كسرى . والثاني : السوفسطائي وأصحابه . ويوحنا ، وجماعة من الأطباء . .
[1]راجع مقالاً للدكتور محمد محمدي في مجلة الهادي سنة 2 عدد 2 بعنوان : جامعة جند يشابور وكتاب تاريخ طب در إيران ، ومعجم البلدان للحموي ، وغير ذلك .
[2]تاريخ الحكماء ص 133 .
[3]هو الدكتور محمد محمدي في مقال له في مجلة الهادي سنة 2 عدد 2 ص 51 وهو بعنوان : جامعة جند يشابور .
وجرى لهم من المسائل والتعريفات ما إذا تأملها القارئ لها استدل على فضلهم وغزارة علمهم . .[1].
ويقال : إن خسرو أنوشروان قد أرسل برزويه الطبيب ، والمشرف على أمور الطب جند يشابور - أرسله - مع هيئة خاصة إلى مختلف البلدان لجلب الكتب الطبية[2].
ويرى البعض : أن الطب في جند يشابور مزيج من طب اليونان ، والهند ، وإيران ومدرسة مرو[3].
7 - الطب عند العرب قبل الإسلام :
وقبل البدء في الحديث عن طب العرب في الجاهلية . . نشير إلى أننا قد تعمدنا بعض التفصيل في هذا المجال ، من أجل إظهار حقيقة الوضع الذي كان سائداً في المنطقة التي ظهر فيها الإسلام ، الذي بعث أعظم ثورة ثقافية وإنسانية عرفها التاريخ . . والذي شهد عالم الطب في ظله تطوراً هائلاً وأسطورياً ، كما سنرى ، ولأجل ذلك نقول :
أما الطب عند العرب ، فيقول وجدي : إنه كان مقتبساً عن اليوناني ، والهندي ، ولم يزد العرب عليه شيئاً إلا فيما يتعلق بالمادة الطبية[4].
فإذا كان وجدي يقصد بذلك : الطب في فترة ما قبل الإسلام ؛ فيمكن أن يكون له وجه . . وإن كنا نرجح : أنه ليس إلا نتيجة لتجارب شخصية
[1]تاريخ الحكماء ص 133 .
[2]راجع مقالاً للدكتور محمد محمدي بعنوان : جامعة جند يشابور ، في مجلة الهادي سنة 2 عدد 2 ص 52 .
[3]تاريخ طب در إيران ج 2 ص 73 .
[4]دائرة معارف القرن العشرين ج 5 ص 666 .
محدودة ، أو مأخذوة من أطباء جند يشابور ، أو من أي من البلاد التي تحيط بهم .
وأما إذا كان يقصد بطب ما بعد ظهور الإسلام ، فلا ريب في عدم صحة هذا الكلام ، كما سنرى فيما يأتي . . ويؤيد أنه يقصد هذا الثاني : قوله : إنه كان قبل الإسلام منقولاً إليهم من السوريين[1].
فالظاهر : أنه قد تأثر بمزخرفات المستشرقين الذين يحاولون تعظيم وتضخيم دور أي من الأمم التي سبقت الإسلام بهدف التخفيف من عظمة البعث الإسلامي ، في مختلف المجالات ، وذلك لأهداف حقيرة لا تخفى . .
وعلى كل حال . . فإن مطالعة معالم النهضة الإسلامية الطبية لخير دليل على كذب هذا الادعاء ، ولسوف يأتي بعض ما يشير إلى ذلك كما قلنا .
أما الدكتور فيليب حتى فيقول : « أنشأ الطب العربي العلمي عن الطب السوري الفارسي ، الذي كان يقوم بدوره على أسس من الطب الإغريقي . وقد أشرنا سابقاً إلى ان الطب الإغريقي ذاته قد استقى كثيراً من الطب الشعبي القديم الذي كان معروفاً في الشرق الأدنى ، ولا سيما الطب المصري »[2].
ولكن ما ذكرناه نحن آنفاً هو الأكثر دقة في هذا المجال . . فإن الطب قد كان عند جميع الأمم ولكن بمستويات مختلفة ومتفاوتة ، وقد استطاعت جند يشابور أن تحتوي معظم نتاج الأمم السابقة ، ثم تصدر ما حصلت عليه إلى سائر الشعوب التي كانت بحاجة إلى مادة كهذه ومنها العرب ، وإن كان العرب
[1]دائرة معارف القرن العشرين ج 5 ص 655 .
[2]موجز تاريخ الشرق الأدنى ص 191 .
قد اقتبسوا أيضاً من آخرين ممن حولهم ، كالسوريين ، أو غيرهم . . وأضافوه إلى ما كان عندهم عن الكلدان وغيرهم ، ومما حصلوا عليه من تجاربهم ، وإن كانت محدودة جداً .
أما جامعة جند يشابور نفسها ؛ فقد انتقل الطب إليها على يد الرومان ، الذين تلقوا معارفهم عن اليونانيين ، الذين قدموا إليهم من مدرسة الإسكندرية .
الطب الجاهلي :
ويقولون : إن المعالجات في الجاهلية كانت تعتمد على بعض النباتات ، وبالعسل وحده ، أو مع مواد أخرى : شرباً تارة ، وعجائن ولصقات أخرى . وبالحجامة ، والفصد ، والكي ، وبتر الأعضاء بالشفرة المحماة بالنار . . هذا بالإضافة إلى معالجاتهم بالرقى والعزائم ، والأذكار التي تطرد الجن والأرواح الشريرة .
ويقول البعض : إنهم كانوا يعالجون الجراح المتعفنة والدماميل بمواد ضد العفونة ، ويعالجون الأمراض المسرية بالحجر الصحي ، ويعالجون الجراح بالفتائل والتضميد[1].
ويقول الدكتور جواد علي[2]: « وقد عرف الجاهليون أيضاً طريقة تغطية بعض العيوب ، أو الإصابات التي تلحق بأعضاء الجسم بالوسائل الصناعية ، فشدوا الأسنان ، وقووها بالذهب ، وذلك بصنع أسلاك منه تربط الإنسان ، أو
[1]تاريخ طب در إيران ج 2 ص 118 .
[2]المفصل في تاريخ العرب قبل الإسلام ج 8 ص 415 .
بوضع لوح منه في محل الأسنان الساقطة[1]واتخذوا أنوفاً من ذهب لتغطية الأنف المقطوع ، كالذي روي عن عرفجة بن أسعد[2]من أنه اتخذ أنفاً من ذهب[3]. وكان قد أصيب أنفه يوم الطلاب في الجاهلية » انتهى . ولعل هذه القضية من الأمور المسلمة تاريخياً كما يعلم من مراجعة كتب الحديث والتاريخ[4]. . وإن كان البعض يرى : أن ذلك لا يرتبط بالطب ، وإنما بفن الصياغة . . ولكنه على أي حال يعبر عن تطور ما في توجهات الناس آنئذ حتى ليفكرون بتغطية بعض العيوب بطرق ، ووسائل كهذه . .
وقد عرف الجاهليون الطب البيطري أيضاً ، فكانوا يعالجون الحيوان بالكي بالنار ، وجب سنام الإبل ، إذا أصيب بالدبرة ، وقد كان العاص بن وائل بيطاراً كما يقولون[5].
وكانوا ينقون رحم الفرس أو الناقة من النطف ، ويخرجون الولد من بطن الفرس ، أو الناقة ، ويعبَّر عن ذلك بلفظ « مسي »[6].
وأما عن الأمراض التي كانوا يعرفونها ، والنباتات التي كانوا يستعملونها ،
[1]المعارف لابن قتيبة : ص 82 ونزيد نحن : مسند أحمد ج 1 ص 73 والتراتيب الإدارية ج 2 ص 65 و 69 عن الترمذي وسنن أبي داوود .
[2]أو الضحاك بن عرفجة أو طرفة بن عرفجة ، كما يظهر من مراجعة المصادر الآتية .
[3]بأمر من النبي ( صلى الله عليه وآله ) .
[4]مسند أحمد ج 5 ص 23 . وسنن أبي داوود ج 4 ص 92 وسنن الترمذي ج 4 ص 240 ، وسنن النسائي ج 8 ص 164 وطبقات ابن سعد ج 7 ص 30 ، والعقد الفريد ج 6 ص 354 ، والإصابة ج 2 ص 223 و ج 3 ص 207 و 474 عن ابن مندة والتراتيب الإدارية ج 2 ص 65 .
[5]المعارف لابن قتيبة ص 250 ، وتاريخ التمدن الإسلامي المجلد الثاني ص 24 والمفصل في تاريخ العرب قبل الإسلام ج 8 ص 417 .
[6]المفصل في تاريخ العرب ج 8 ص 417 عن تاج العروس 342 .
فهي كثيرة ، ولسنا في صدد استقصائها . وقد ذكر أسعد علي في كتابه : « المفصل في تاريخ العرب قبل الإسلام » نبذة عن تلك الأمراض ومعالجاتها ، فليراجعها من أراد . .[1].
ثم إن هذا الذي ذكرناه إنما هو بالنسبة للطب عند الحضريين ، أما طب البادية فقد كان تقليدياً موروثاً عن مشايخ الحي وعجائزه . .
< فهرس الموضوعات > منزلة الطب في الجاهلية :
< / فهرس الموضوعات > منزلة الطب في الجاهلية :
وقد ذكر أبو حاتم : أنه قد كان في زهير بن جناب عشر خصال لم يجتمعن في غيره ، من أهل زمانه : كان سيد قومه ، وشريفهم ، وخطيبهم ، وشاعرهم ، ووافدهم إلى الملوك ، وطبيبهم - والطب عندهم شرف - وحازي قومه - والحزاة الكهان - وكان فارس قومه ، وله البيت فيهم ، والعدد منهم . .[2].
< فهرس الموضوعات > أطباء العرب في الجاهلية :
< / فهرس الموضوعات > أطباء العرب في الجاهلية :
لم يكن في العرب قبل ظهور الإسلام توجه أو اندفاع نحو الطب ، ولذلك ، فإنه لم يكن لهم حضارة طبية ذات قيمة تذكر ، نعم قد ظهر فيهم عدد محصور من الأطباء لم يكن لهم نبوغ مميز ، ولا اشتهر عنهم ابداعات أو منجزات تذكر في هذا المجال . .
وقد عرف من هؤلاء الأطباء ، الذين عاش بعضهم إلى ما بعد ظهور الإسلام .
[1]المفصل في تاريخ العرب قبل الإسلام ج 8 ص 389 .
[2]أمالي السيد المرتضى ج 1 ص 238 ، ومعجم أدباء الأطباء ج 1 ص 178 وص 175 ، والمفصل في تاريخ العرب قبل الإسلام ج 8 ص 380 / 381 كلاهما عن السيد المرتضى ونقله أيضاً عيسى بن دأب في كتابه المناقب [ المخطوط ] .