وبهذا المعنى روايات كثيرة لا مجال لاستقصائها وتتبعها . .[1]بل إننا نستطيع أن نقول : بما أن المريض في المساء يأخذه الملل ، ويتوقع قدوم الليل الذي يراه طويلاً عليه . . فزيارته في هذا الوقت لها فائدة أيضاً ، لأنها تخفف عنه وحشته ، وترفع عنه حالة الملل ، والانتظار التي يعيشها ، ولعله لأجل هذا نجد الإمام الحسن ( عليه السلام ) يقتصر على ذكر العيادة في المساء ، فيقول لأبي موسى حينما جاءه عائداً : « ما من رجل يعود مريضاً ممسياً إلا خرج معه سبعون ألف ملك يستغفرون له حتى يصبح ، وكان له خريف في الجنة »[2]أو لعله لأجل أن أبا موسى قد زاره ممسياً فكان من المناسب ذكر هذا القسم من الحديث له ، فلا يدل على الاختصاص : هذا ولكن الرواية قد رويت أيضاً بين علي وأبي موسى حينما جاء عائداً للحسن ( عليه السلام ) . وروي ما يشبه ذلك بين علي ( عليه السلام ) ، وبين عمرو بن حريث ، وفي كليهما ذكر العيادة في الصباح والمساء معاً[3]. . ولا مانع من تكرر الحادثة في الجميع . .
العيادة لمن ؟ !
وقد ورد أنه لا عيادة ل :
[1]راجع جميع المصادر المتقدمة وغيرها في الصفحات المذكورة وما قبلها وما بعدها ، ومجمع الزوائد ج 2 ص 296 عن أبي يعلى .
[2]أمالي الطوسي ج 2 ص 17 وسفينة البحار ج 2 ص 285 ، والوسائل ج 2 ص 637 والبحار ج 81 ص 215 و 216 .
[3]أمالي الطوسي ج 2 ص 249 ، والبحار ج 81 ص 221 و 228 وعن دعائم الإسلام ج 1 ص 218 ، ومستدرك الوسائل ج 1 ص 83 عن الأول وعن الدعائم ، وسفينة البحار ج 2 ص 285 ، 534 وسنن البيهقي ج 3 ص 380 / 381 ، ومستدرك الحاكم ج 1 ص 349 و 350 ، وتلخيصه للذهبي بهامش نفس الصفحة ، وصحيح الترمذي ج 3 ص 300 / 301 وسنن أبي داود ج 3 ص 185 / 186 ، وراجع : سنن ابن ماجة ج 1 ص 462 ، والترغيب والترهيب ج 4 ص 320 عن غير واحد والمصنف لعبد الرزاق ج 3 ص 594 ، والمنتقى لابن تيمية ج 2 ص 66 وهامشه عن غير واحد .
1 - شارب الخمر ، فعن الرضا ( عليه السلام ) ، عن آبائه ( عليهم السلام ) : أن رسول الله ( صلى الله عليه وآله ) قال : « شارب الخمر إن مرض فلا تعودوه . . » الخبر[1].
2 - أهل الذمة ، فقد روي عنه ( صلى الله عليه وآله ) : « لا تعودوا مريضهم ، ولا تشيعوا جنائزهم »[2].
ولكن قد روي في الجعفريات بسنده : أن النبي ( صلى الله عليه وآله ) عاد يهودياً في مرضه[3].
والذي يبدو لنا هو : أنه إذا كان ثمة مصلحة في عيادتهم ، فلا مانع منها ، كما فعله النبي ( صلى الله عليه وآله ) ، إذ الظاهر : أن مرادهم بذلك اليهودي هو ذلك الغلام الذي مرض ، فعاده ( صلى الله عليه وآله ) ، فكانت النتيجة هي أنه قد أسلم نتيجة لذلك . . كما روي[4]. .
أما حيث لا مصلحة ، فلا يعادون ، كما هو ظاهر الرواية الأولى . .
وأما بالنسبة لعيادة غير الشيعي ، فقد ورد الامر بها ، لأن ذلك يوجب توثيق عرى المودة بين المسلمين وشد أزرهم على عدوهم ، وتقريب القلوب فيما بينهم ، كما أنه يعكس الأخلاق الرفيعة ، والإنسانية الفاضلة .
[1]أمالي الصدوق ص 374 ، والبحار ج 81 ص 267 عن دعوات الراوندي ، ومستدرك الوسائل ج 1 ص 96 . والوسائل ج 14 ص 53 وفي الهامش عن الفروع ج 2 ص 190 وغير ذلك .
[2]البحار ج 81 ص 224 عن دعوات الراوندي ، ومستدرك الوسائل ج 1 ص 95 .
[3]مستدرك الوسائل ج 1 ص 83 .
[4]راجع سنن أبي داود ج 3 ص 185 وسنن البيهقي ج 3 ص 383 والتراتيب الإدارية ج 1 ص 30 و 391 عن غير واحد ، والبحار ج 81 ص 234 وفي هامشه عن أمالي الصدوق ص 239 .
فعن الصادق ( عليه السلام ) : إياكم أن تعملوا عملاً نعيّر به . . إلى أن قال : صلوا في عشائرهم ، وعودوا مرضاهم ، واشهدوا جنائزهم ، ولا يسبقونكم إلى شيء من الخير الخ[1]. .
3 - 4 - 5 - عن النبي ( صلى الله عليه وآله ) : « ثلاثة لا يعادون : صاحب الدمل ، والضرس ، والرمد »[2].
6 - وجع العين . . فقد ورد عن الصادق ( عليه السلام ) : « لا عيادة في وجع العين »[3].
ولكن قد ورد : أن رسول الله ( صلى الله عليه وآله ) قد عاد علياً ( عليه السلام ) في وجع عينه[4]إلا أنه يقال : إن قول الصادق المتقدم يحمل على نفي تأكيد الاستحباب ، وما فعله ( صلى الله عليه وآله ) يحمل على الرجحان في الجملة . . أو على خصوصية لأمير المؤمنين ( عليه السلام ) في ذلك . .
[1]الوسائل ج 11 ص 471 وفي الهامش عن الأصول ص 419 وراجع البحار ج 78 ص 372 عن تحف العقول ص 486 ومستدرك الوسائل ج 2 ص 374 عن دعائم الإسلام والبحار ج 75 ص 420 و 431 وج 74 ص 161 و 167 وأمالي الطوسي ج 2 ص 280 وعن الكافي ، وعن المحاسن ص 18 ، وعن العياشي ج 1 ص 48 وعن صفات الشيعة ، وقصار الجمل ج 1 ص 73 .
[2]البحار ج 81 ص 224 عن الجواهر للكراجكي ، ومستدرك الوسائل ج 1 ص 84 ومجمع الزوائد ج 2 ص 300 عن الطبراني في الأوسط .
[3]راجع هامش الحديث الأول الذي مر تحت عنوان : العيادة كل ثلاثة أيام .
[4]الكافي ج 3 ص 253 ، والوسائل ج 2 ص 638 ، ومستدرك الوسائل ج 1 ص 84 عن الجعفريات . وقد روي في سنن أبي داود ج 3 ص 186 ، أنه ( صلى الله عليه وآله ) عاد أنساً في وجع كان بعينه وكذا في المنتقى ج 2 ص 66 وفي هامشه عن المنذري والحاكم وغيرهما وسنن البيهقي ج 3 ص 358 ومستدرك الحاكم ج 1 ص 342 وتلخيصه للذهبي بهامش نفس الصفحة .
< فهرس الموضوعات > عيادة الرجل للمرأة :
< / فهرس الموضوعات > عيادة الرجل للمرأة :
وقد ورد : انه ( صلى الله عليه وآله ) قد عاد بعض النساء ، كأم العلاء ، وعاد أيضاً امرأة من الأنصار في مرض ألم بها[1]. .
< فهرس الموضوعات > عيادة بني هاشم :
< / فهرس الموضوعات > عيادة بني هاشم :
وإن إكرام من ينتسب إلى رسول الله ( صلى الله عليه وآله ) يكون إكراماً للرسول نفسه ، إذا كان المكرم قاصداً لذلك . . ومن أولى من الرسول بالتعظيم والتكريم ؟ ! . .
كما أن إكرام بني هاشم ، الذين يتعرضون إلى مختلف أنواع الاضطهاد والتنكيل ، ويتحملون المصاعب والمصائب بسبب ارتباطهم بالرسول ( صلى الله عليه وآله ) ، وانتسابهم إليه ، هذا الإكرام يكون من أقرب القربات ، ولعل هذا يفسر لنا ما روي عن الإمام الكاظم عن آبائه ( عليهم السلام ) ، عنه ( صلى الله عليه وآله ) :
« عيادة بني هاشم فريضة ، وزيارتهم سنة »[2].
< فهرس الموضوعات > عيادة الأقارب :
< / فهرس الموضوعات > عيادة الأقارب :
وقد ورد في وصية أمير المؤمنين ( عليه السلام ) لولده : « وأكرم عشيرتك فإنهم جناحك . . إلى أن قال : وأكرم كريمهم ، وعد سقيمهم »[3].
< فهرس الموضوعات > استحباب الهدية للمريض :
< / فهرس الموضوعات > استحباب الهدية للمريض :
ولأن المريض يحتاج إلى إظهار المحبة والعطف ، ولأن ذلك يربط على
[1]راجع : الترغيب والترهيب ج 4 ص 293 عن أبي داود وص 298 عنه وعن الطبراني والمصنف ج 11 ص 195 / 196 ومجمع الزوائد ج 2 ص 307 وتيسير المطالب في أمالي الإمام أبي طالب ص 427 .
[2]مستدرك الوسائل ج 1 ص 83 عن البحار ، عن كتاب الإمامة والتبصرة .
[3]كشف المحجة ص 173 ، والبحار ج 77 ص 218 عنه .
قلبه ، ويجعله يطمئن إلى محبة الآخرين له ، فإن الهدية له تكون تعبيراً عن هذا الحب ، وهذا العطف .
وقد روى بعض موالي الإمام الصادق ( عليه السلام ) قال : مرض بعض مواليه ، فخرجنا إليه نعوده . ونحن عدة من موالي جعفر ، فاستقبلنا جعفر في بعض الطريق ، فقال لنا : أين تريدون ؟ فقلنا : نريد فلاناً نعوده ، فقال قفوا ، فوقفنا . .
فقال : مع أحدكم تفاحة ، أو سفرجلة ، أو أترجة ، أو لعقة من طيب ، أو قطعة من عود بخور ؟
فقلنا ، ما معنا شيء من هذا .
فقال : أما تعلمون أن المريض يستريح إلى كل ما أدخل به عليه ؟[1].
عدم شكوى المريض إلى عواده :
لقد ورد في كثير من النصوص الدعوة إلى كتمان المرض ، واعتبار ذلك من كنوز البر[2]، وإن من كتم وجعاً أصابه ثلاثة أيام من الناس ، وشكا إلى الله
[1]الوسائل ج 2 ص 643 والكافي ج 3 ص 118 ومكارم الأخلاق ص 236 ، والبحار ج 81 ص 227 عنه .
[2]أمالي المفيد ص 4 ، والمواعظ العددية ص 6 ، وتحف العقول ص 216 . والبحار ج 82 ص 103 وج 81 ص 208 وج 78 ص 175 ، وص 36 / 37 و 137 لكنه عبر بكتمان المصيبة هنا وج 77 ص 423 عن المصادر التالية : دعوات الراوندي ، وشهاب الأخبار ، وإرشاد المفيد ص 140 وبعض من تقدم . وغرر الحكم ج 1 ص 364 . وراجع : دستور معالم الحكم ص 22 / 23 ومستدرك الوسائل ج 1 ص 81 وميزان الحكمة ج 9 ص 124 عنه .
عز وجل كان حقاً على الله أن يعافيه منه[1]، وإن من مرض ليلة ولم يشك ما أصابه فيها إلى أحد كتب الله له عبادة ستين سنة[2]، وإن المريض في سجن الله ما لم يشك إلى عواده[3].
وقد مدح أمير المؤمنين ( عليه السلام ) رجلاً ، فكان مما قال : « وكان لا يشكو وجعاً إلا عند برئه »[4].
وعن علي ( عليه السلام ) : « إخفاء الفاقة والأمراض من المروءة »[5].
وهناك مضامين أخرى في هذا المجال ، لا مجال لتتبعها ، فلتراجع في مظانها[6].
[1]الوسائل ج 2 ص 628 وفي هامشه عن الخصال ج 2 ص 166 والبحار كتاب الإيمان والكفر باب 12 حديث 54 وبمعناه غيره وج 81 ص 211 و 302 وج 62 ص 287 عن الشهيد ( رحمه الله ) وعن معاني الأخبار والخصال وغرر الحكم ج 2 ص 646 ومستدرك الوسائل ج 1 ص 81 وميزان الحكمة ج 9 ص 125 .
[2]مشكاة الأنوار ص 281 والكافي ج 1 ص 115 و 116 والوسائل ج 2 ص 627 وراجع البحار ج 81 ص 215 عن ثواب الأعمال ص 175 .
[3]مستدرك الوسائل ج 1 ص 81 / 82 عن الدعائم والبحار ج 81 ص 211 وفي الهامش عن الدعائم ص 217 وعن النهج وبمعناه غيره فراجع البحار ، فصل : عيادة المريض .
[4]نهج البلاغة ، قسم الحكم ، الحكمة برقم 289 والبحار ج 81 ص 204 / 205 .
[5]غرر الحكم ج 1 ص 39 .
[6]المحاسن للبرقي ص 9 ، والبحار ج 76 ص 335 وج 81 ص 203 و 208 و 206 و 177 عنه وعن دعوات الراوندي ، ومجالس الصدوق ص 258 / 259 ، ومستدرك الوسائل ج 1 ص 81 ، والوسائل ج 2 ص 628 و 627 ومن لا يحضره الفقيه ج 4 ص 9 / 10 والكافي ج 1 ص 116 و 115 ومجمع الزوائد ج 2 ص 295 عن الطبراني ، والأوسط ، ومستدرك الحاكم ج 1 ص 349 وتلخيصه للذهبي ، بهامش نفس الصفحة ، والترغيب والترهيب ج 4 ص 292 وغرر الحكم ج 2 ص 662 .
ونريد أن نشير هنا : إلى أن هذه النصوص ناظرة إلى الكتمان الذي يكون من أجل الاعتماد على كرم الله سبحانه ، وألطافه ، ويعطي المريض دفعة روحية قوية ، تكون ثمرتها القرب من درجة المتوكلين ، التي هي من أعظم الدرجات . والتي يفوز من وصل إليها ، ويرتاح ويسعد من حصل عليها . .
وأكثر من ذلك ، فإن الإنسان يصير مقتنعاً تماماً بأن الله وحده هو الذي يملك النفع والضرر . وهو الشفاء ، ومنه الشفاء ، وبه الشفاء . وأن كل من سواه لا يستطيعون بدونه حيلة ، ولا يهتدون سبيلاً .
نعم . . يمكن أن يكونوا واسطة لإفاضة الخير من قبل الله تعالى ، مالك كل شيء وخالقه . .
ولعل إلى هذا يشير ما ورد في النصوص المتقدمة من التأكيد على لزوم كون الشكوى إلى الله سبحانه لا إلى غيره . .
فإن ذلك ليس إلا من أجل أن يمر هذا الإنسان بالتجربة الروحية التي تصهره في بوتقتها ، وتنفي كل خبث عنه ، وليخرج بعد ذلك طاهراً مطهراً نقياً . .
وما أحلى التجربة ، وما أنجحها وأنجعها في هذا الوقت الذي يشعر فيه الإنسان بالضعف وبالحاجة ، ويبقى ثلاثة أيام يعيش في الأجواء الإلهية ؛ مع الله الغني والقوي والمالك لكل شيء . . وتكون ظروفه الخاصة هذه ، وهذه الأجواء التي يعيشها سبباً في أن يخرج من مرضه هذا بروحية جديدة ، تؤثر على كل حالاته ، ومجمل سلوكه تأثيراً قوياً وبعيداً وشاملاً في أحيان كثيرة . ولربما يعادل الرُّقي الروحي والإنساني الذي يحصل عليه خلال ليلة واحدة فقط ما يحصل عليه من عبادة ستين سنة ، كما جاء في الرواية . .
وبملاحظة النصوص التي وردت في هذا المجال نعرف : أن الشكوى التي ورد الترغيب في الابتعاد عنها هي الشكوى التي تستبطن استدرار عطف المشكو إليه ، نتيجة لشعوره بضعف الشاكي وعجزه ، والله لا يريد لعبده أن يكون ضعيفاً وعاجزاً إلا أمام الله عز وجل . .
ومن الجهة الأخرى ، فإن الله تعالى لا يريد لعبده أن يعتقد بأن غير الله تعالى يملك له شيئاً من النفع أو الضر ، فإن هذا أمر مرغوب عنه ومرفوض ، لأن الله وحده هو مالك كل شيء ، وبيده النفع والضرر ، وهو الكبير المتعال . .
وكذلك . . فإن الشكوى التي تستبطن استعظام الأمر الذي نزل بالشاكي واعتباره أن ذلك ينافي عدل الله سبحانه وتعالى ولطفه ورحمته . . إن هذه الشكوى مرغوب عنها شرعاً ، ومرفوضة جملة وتفصيلاً ، بل لا بد من الصبر والتسليم ، فعن الصادق ( عليه السلام ) : « من اشتكى ليلة فقبلها بقبولها ، وأدى إلى الله شكرها كانت له كفارة ستين سنة ، قال : قلت : وما قبلها بقبولها ؟ قال صبر على ما كان فيها »[1]. .
وعنه ( عليه السلام ) : « أيما رجل اشتكى ، فصبر واحتسب ، كتب الله له من الأجر أجر ألف شهيد »[2]. . وعن النبي ( صلى الله عليه وآله ) ، أنه قال : « يكتب أنين المريض حسنات ما صبر ، فإن جزع كتب هلوعاً »[3].
وورد : أن الصادق ( عليه السلام ) سئل عن حد الشكاية للمريض ، فقال : « إن الرجل يقول : حممت اليوم ، وسهرت البارحة ، وقد صدق ، وليس هذا
[1]البحار ج 81 ص 205 وفي الهامش عن ثواب الأعمال ص 175 .
[2]طب الأئمة ص 17 والبحار ج 81 ص 206 عنه وعن أعلام الدين .
[3]البحار ج 81 ص 211 وفي هامشه عن الدعائم ص 217 .