النظافة من مجالها العام :
لقد اهتم الإسلام بالنظافة الجسدية اهتماماً بالغاً ، يفوق حد التصور ، ولا يستطيع أي دين أن يدعي : أنه اهتم بذلك ولو بمقدار معشار اهتمام الإسلام هذا . .
ويكفي أن نذكر : أنه قد جعل الوضوء ، والغسل في أحيان كثيرة من الواجبات التي يعاقب تاركها ؛ بل ولا تتم كثير من أعماله العبادية الهامة جداً بدونها . . كما هو الحال في الصلاة التي هي عمود الدين ، ومعراج المؤمن ، وغيرها . .
بل لقد جعل ذلك من العبادات التي تقرب إلى الله ، ويستحق فاعلها الثواب الجزيل ، والأجر الجميل . .
وعدا عن ذلك كله ، فقد اعتبر الإيمان شطر الوضوء ؛ واعتبرت النظافة من الإيمان ، والإيمان مع صاحبه في الجنة . .
إلى غير ذلك مما يعبر عن مدى اهتمام الإسلام البالغ في هذا المجال . . سواء في ذلك ما ورد ليؤكد على النظافة ، أو الوضوء أو الغسل في مورده
الجزئي الخاص ، أو ما ورد في مقام الحث على ذلك بصورة عامة .
أمثلة على ما تقدم :
وكأمثلة على ما تقدم نشير إلى رشحة هي غيض من فيض مما ورد عن المعصومين ( عليهم السلام ) من الأمر بالنظافة بصورة عامة . .
فقد تقدم في أوائل القسم الثاني الإشارة إلى قوله : « إن الله ليبغض من عباده القاذورة » : « وأن النظافة من الإيمان والإيمان مع صاحبه في الجنة » .
وقال الكراجكي : « وفيما صح عندنا من اجتهاد رسول الله ( صلى الله عليه وآله ) في النظافة ، وكثرة استعماله للطيب على ما أتت به الرواية »[1].
وعن الرضا ( عليه السلام ) : « من أخلاق الأنبياء التنظيف »[2].
وعن أمير المؤمنين ( عليه السلام ) : « تنظوا بالماء من الريح المنتن ، الذي يتأذى به ، وتعهدوا أنفسكم ، فإن الله ليبغض من عباده القاذورة ، الذي يتأنف به من جلس إليه »[3].
وجاء في رواية عن الباقر والصادق ( عليهما السلام ) يذكر فيها : « أن دواء العرب في خمسة وعدّ منها الحمام »[4]. وعن النبي ( صلى الله عليه وآله ) : « أتاني جبرائيل ( عليه السلام ) فقال : يا محمد ، كيف ننزل عليكم ؟ ! ، لا تستاكون ، ولا تستنجون بالماء ، ولا
[1]البحار ج 80 ص 106 عن كنز الفوائد . .
[2]تحف العقول ص 330 ، والبحار ج 78 ص 335 عنه .
[3]الخصال ج 2 ص 620 حديث الأربعماءة والبحار ج 76 ص 84 ، وتحف العقول ص 73 وراجع المصادر المتقدمة في أول القسم الثاني .
[4]طب الأئمة ص 55 والبحار ج 62 ص 263 وراجع الوسائل ج 1 ص 361 عن الفقيه ج 1 ص 37 وغير ذلك .
تغسلون براجمكم »[1].
قال ابن الأثير : « فيه : من الفطرة غسل البراجم ، وهي العقد التي في ظهور الأصابع ، يجتمع فيها الوسخ الواحدة : برجمة »[2].
وقد نص القرآن على أن الله تعالى : ( يحب التوابين ويحب المتطهرين )[3]. وقال تعالى مخاطباً المسلمين في مناسبة بدر : ( وينزل عليكم من السماء ماء ليطهركم به ويذهب عنكم رجز الشيطان )[4]. وقال تعالى : ( فيه رجال يحبون أن يتطهروا والله يحب المتطهرين )[5].
قال المجلسي : « قيل : ربما دلت هذه الآية على استحباب المبالغة في الاجتناب عن النجاسات ، ولا يبعد فهم استحباب النورة وأمثالها ، بل استحباب الكون على طهارة وتأييد له ، لا بل الأغسال المستحبة »[6].
وقال تعالى : ( إنه لقرآن كريم ، في كتاب مكنون ، لا يمسه إلا المطهرون )[7].
إلى غير ذلك من الآيات التي تتمدح التطهر ، وتحث عليه تصريحاً ، أو تلويحاً . وقد ورد عنهم ( عليهم السلام ) : أن « الطهر نصف الإيمان »[8]. وعن
[1]البحار ج 80 ص 210 عن نوادر الراوندي .
[2]النهاية لابن الأثير ج 1 ص 113 والبحار ج 80 ص 210 عنه .
[3]سورة البقرة ، الآية : 222 .
[4]سورة الأنفال ، الآية 11 .
[5]سورة براءة ، الآية 108 .
[6]البحار ج 80 ص 5 .
[7]سورة الواقعة ، الآية : 77 - 79 .
[8]البحار ج 80 ص 237 وفي هامشه عن الدعائم ج 1 ص 100 .
النبي ( صلى الله عليه وآله ) وعلي ( عليه السلام ) : « الوضوء شطر الإيمان »[1].
وعن أمير المؤمنين ( عليه السلام ) : « من أحسن الطهور ثم مشى إلى المسجد فهو في صلاة ما لم يحدث »[2].
وعن النبي ( صلى الله عليه وآله ) : « يا علي ، على الناس في كل سبعة أيام الغسل ، فاغتسل في كل جمعة ، ولو أنك تشتري الماء بقوت يومك وتطويه ، فإنه ليس شيء من التطوع أعظم »[3].
وعن الصادق ( عليه السلام ) : « ليتزين أحدكم يوم الجمعة ، يغتسل ، ويتطيب »[4]. . الخبر .
وعن أمير المؤمنين ( عليه السلام ) : « غسل الأعياد طهور لمن أراد طلب الحوائج ، واتّباع للسنة »[5].
بل يكفي أن نذكر : أن الأغسال المستحبة ، قد أنهاها بعضهم إلى أربعين غسلاً تقريباً ، كما أن بعض الروايات قد عدت منها ومن الواجبات ثلاثة وعشرين غسلاً في مناسبات مختلفة . . ومن يراجع الروايات في باب علل الأغسال وثوابها في البحار ج 81 ص 3 و 22 و 23 و 24 يخرج بحقيقة : أن
[1]أمالي الطوسي ج 1 ص 29 وفيه : « نصف » بدل كلمة « شطر » والبحار ج 80 ص 237 و 234 و 266 وفي هوامشه عن الأول وعن : أمالي المفيد ص 146 وعن نوادر الراوندي ص 40 .
[2]البحار ج 80 ص 237 وفي هامشه عن الدعائم ج 1 ص 100 .
[3]البحار ج 81 ص 129 عن جمال الأسبوع .
[4]المصدر السابق عنه .
[5]تحف العقول ص 66 والبحار ج 81 ص 15 و 22 و 27 عنه وعن اختيارات ابن الباقي ، في حديث الأربعماءة ، وليراجع في الخصال ، والبحار ، والمواعظ العددية وغير ذلك . .
الغسل مستحب أو واجب في أكثر من تلك الموارد التي ذكرها ذلك البعض .
نعم . . وهذا غيض من فيض مما ورد عنهم ( عليهم السلام ) في هذا المجال . . وأما ما ورد عنهم ( عليهم السلام ) في الموارد الخاصة والعامة مما يدل على مطلوبية النظافة ، فإنه لا يكاد يحصر لكثرته ، ولا نرى أننا بحاجة إلى التعرض له . . ولربما نشير في المواضع المختلفة إلى رشحات منه إن شاء الله تعالى . .
ولنبدأ الآن في البحث حول السواك والخلال ، وبعض ما يرتبط بنظافة الفم . . ف :
إلى الفصل التالي . .
< فهرس الموضوعات > الفصل الثاني :
< / فهرس الموضوعات > الفصل الثاني :
< فهرس الموضوعات > السواك . . والخلال . .
< / فهرس الموضوعات > السواك . . والخلال . .