قال : نعم ، إن شاء ، ليشدها بعد ان تكون ذكية . . وعن الحلبي ، عنه ( عليه السلام ) مثله[1]. وعن زرارة ، عن أبي عبد الله ( عليه السلام ) ، قال : سأله أبي وأنا حاضر ، عن الرجل يسقط سنه ، فيأخذ من أسنان ميت فيجعله مكانه ، قال : لا بأس[2].
وعن عبد الله بن عبد الله بن أبي : أنه أصيبت سنته يوم أحد ، فأمره رسول الله ( صلى الله عليه وآله ) أن يتخذ ثنيةً من ذهب[3].
وحكم ابن حيان ، على هذا الحديث بأنه مكذوب ، وقال : « وكيف يأمر المصطفى باتخاذ الثنية من ذهب ، وقد قال : إن الذهب والحرير محرمان على ذكور أمتي وحل لإناثهم الخ »[4].
ونقول : لقد غلط ابن حيان هنا ؛ فإن الذهب والحرير ، إنما يحرمان لو كان لأجل التزين بهما ، لا لأجل ضرورة العلاج كما هو ظاهر .
وقد تقدم حين الكلام على الطب الجاهلي : أنه ( صلى الله عليه وآله ) قد أمر الضحاك الذي تقدم الاختلاف في اسمه بأن يتخذ أنفاً من ذهب . . وتقدم : أن الحارث بن كلدة - وقد اختلف في إسلامه - قد ألف كتاباً في الطب .
وفيما عدا ذلك ، فإننا لا نجد في القرن الأول الهجري ، بل . . وحتى مطلع الدولة العباسية أي نشاط طبي عند المسلمين - إلا ما يذكر عن النبي ( صلى الله عليه وآله ) ، والأئمة المعصومين ( عليهم السلام ) - وإلا أسماء بعض أطباء عاشوا في الجاهلية ، وصدر الإسلام مثل : ابن أبي رمثة ، والحارث بن كلدة ، والنضر بن الحارث ، وغيرهم ممن قدمنا ويذكر أيضاً : أنه لما ضرب أمير المؤمنين
[1]البحار ج 66 ص 51 / 52 عن مكارم الأخلاق ص 109 .
[2]المحاسن للبرقي ص 644 والبحار ج 66 ص 50 و 540 عنه وعن مكارم الأخلاق ص 109 .
[3]المجروحون ج 1 ص 99 ، ولسان الميزان ج 1 ص 21 / 22 وميزان الاعتدال ج 1 ص 7 .
[4]المجروحون ج 1 ص 99 .
علي ( عليه السلام ) جمع له الأطباء ، وكان أبصرهم بالطب ابن عمريا ، أثير بن عمرو السكوني . وكان صاحب كرسي يتطبب[1]كما أن الذي جيء به لعلاج عمر حينما طعن كان من الأنصار من بني معاوية[2].
أما في عهد بني أمية ، فنجد أن الحكام كانوا يعتمدون على بعض الأطباء من أهل الملل الأخرى ، كابن أثال النصراني ، وأبي الحكم النصراني ، وثياذوق ، وابن أبجر المسيحي[3]طبيب عمر بن عبد العزيز ، وإن كان البعض يحاول أن يدعي : أن خالد بن يزيد كان ماهراً في الطب أيضاً[4]، ولكن ذلك لا يمكن الاعتماد عليه ، نعم يمكن أن يكون قد شجع على ترجمة بعض الكتب الطبية كما سيأتي وإذا كان حقاً له بصر بهذا العلم فإنه ولا شك لم يتعد المجال النظري ، فلم يمارسه في يوم من الأيام . والمشتهر عنه هو ميله إلى صناعة الكيمياء ، أما اتقانه لعلم الطب فلم نجده إلا عند ابن خلكان .
ونجد أيضاً في جملة من يعد ممن له معرفة بالطب ، بعض النساء اللواتي عشن في زمنه ( صلى الله عليه وآله ) ، مثل : رفيدة ، التي كان لها خيمة في مسجد الرسول لمداواة المرضى والجرحى ، وامرأة من عذرة ، وليلى الغفارية ، وأم سليم وأم عطية ، وربيع بنت معوذ ، وغيرهن . . ممن سنذكرهن مع المصادر في الفصل الخامس من القسم الثاني من هذا الكتاب ، حين الكلام على معالجة وتمريض المرأة للرجل . . فإلى هناك .
[1]معجم البلدان ج 1 ص 93 والجوهرة في نسب علي بن أبي طالب وآله للتلمساني البري ص 115 / 116 وتيسير المطالب ص 79 .
[2]تاريخ عمر لابن الجوزي ص 245 .
[3]راجع بعض الهوامش المتقدمة عن قريب ، حول دور هؤلاء الأطباء في الاغتيالات التي كان ينفذها الحكام على أيديهم ضد خصومهم السياسيين .
[4]وفيات الأعيان ج 1 ص 168 والتراتيب الإدارية ج 2 ص 263 عنه .
وكانت أم جميلة تعالج من الكلف ، وقد سألت عائشة عن ذلك ، فأمرتها بالاستمرار على ذلك[1].
وفي عهد بني أمية ، كانت زينب الأودية تتطبب ، وتعالج العين والجراح[2]وأخيراً . . فإننا لا نجد في تتبع الحركة الطبية في هذه الفترة كبير فائدة ، لأنها كانت ضعيفة جداً ، بل تكاد تكون معدومة .
استدراك : ويذكر في الأطباء في القرن الأول : مرة بن شراحيل الطبيب كما عند البلاذري في أنساب الأشراف ج 2 ص 357 ، كما أن رواية ابن سنان الآنفة تدخل في نشاط القرن الثاني ، اما رواية زرارة فيحتمل فيها ذلك .
الطب في كلمات المعصومين :
نعم . . لا بد من التوفر الكامل على دراسة الثروة الطبية الهائلة ، التي أتحفنا بها النبي ( صلى الله عليه وآله ) ، وأهل بيته الكرام ( عليهم السلام ) حيث إنهم قد تكلموا في مختلف الشؤون الطبية بشكل واسع وشامل ، حتى في فترة الركود الفكري والعلمي في زمن الأمويين وغيرهم ، حسبما تقدمت الإشارة إليه .
وهذا ما يحتم التوفر التام على دراسة تلك الثروة ، لاستخلاص الكنوز الرائعة ، والحقائق الجليلة ، التي تضمنتها كلماتهم ، وحوتها تعاليمهم الفذة .
وإننا لعلى يقين من أنه لو أوليت هذه النصوص ما تستحقه من عناية واهتمام لأمكن الخروج بنتائج يمكن أن تكون على درجة كبيرة من الأهمية حتى
[1]كنز العمال ج 10 ص 45 والتراتيب الإدارية ج 1 ص 463 كلاهما عن ابن جرير .
[2]عيون الأنباء ص 181 ، والمفصل في تاريخ العرب قبل الإسلام ج 8 ص 387 وتاريخ التمدن الإسلامي ، المجلد الثاني ص 201 .
بالنسبة للحياة الطبية الحاضرة .
هذا . . ولا يسعنا هنا إلا أن نعبر عن أسفنا العميق ، لأننا رأينا : أن المسلمين الذين عاصروا النبي ( صلى الله عليه وآله ) ، والأئمة ( عليهم السلام ) . . لا يهتمون - حتى شيعتهم - إلا ببعض العلوم الدينية ، التي كرسوا لها كل أوقاتهم وجهودهم واهتماماتهم ، وأهملوا ما عداها . . حتى إننا لنجد الأئمة ( عليهم السلام ) يحاولون توجيههم نحو البحث عن العلل والأسباب ، فنجد الإمام الباقر ( عليه السلام ) يأمر أصحابه إذا أفتاهم بفتوى : أن يسألوه عن مخرج الفتوى ومأخذها من القرآن الكريم . . ولكن الملاحظ : هو أن ذلك التوجيه والتحريض لم يكن له الأثر المرجو والمطلوب ، حيث نجد : أنهم - مع ذلك - كانوا يكتفون منه بالجواب عن المسألة فقط ! ! .
ولعل عدم اهتمامهم هذا يفسر لنا ما نلاحظه من عدم وجود سند صحيح - غالباً - للروايات الواردة في الطب ، والمأكولات ، والأدوية ونحوها ، ولا اهتم أرباب الجرح والتعديل بنقد أسانيدها وتصحيحها .
وعلى كل حال . . فأما بالنسبة إلى الطب فيما بعد القرن الأول الهجري فلا بد من إيجاز القول فيه على النحو التالي :
المسلمون . . والطب :
ويحاول كثيرون ، ولأهداف لا تخفى ! ! ان يعطوا المنجزات الطبية ، وكل تقدم علمي صفة قومية بالدرجة الأولى ، فهذا يركز على :
اليونان . .
وهذا على المصريين . .
وذاك على الفرس . .
وذاك على العرب . .
وهكذا . .
ونقول لكل هؤلاء : لماذا لم تستطع تلك الأمم في كل تاريخها الطويل الذي يعد بألوف السنين ، الذي عاشته قبل ظهور الإسلام أن تحقق تقدماً يوازي أو حتى يداني التقدم الذي حققته في هذه الفترة الوجيزة التي عاشتها في ظل الإسلام ؟ ! .
بل إن كل منجزاتها بدون الإسلام ليس شيئاً يستحق الذكر إذا ما قورنت بمنجزاتها في هذه الفترة المحدودة .
مع أن تلك الأمم قد كانت تمتلك - قبل الإسلام - الدولة القوية ، والموارد المادية الضخمة ، والمعنويات العالية ، والطموحات البعيدة ، حسبما يدعون ، أو حسبما يريدون الإيحاء به للبسطاء والسذج من الناس .
وهكذا . . فإنه يجب أن يعزى ما حققه المسلمون على اختلاف أجناسهم إلى الإسلام نفسه ، واعتباره العامل الرئيسي في تفجير الطاقات ، وتحقيق الطموحات .
بل إننا نجد الآخرين الذين لم يعتنقوا الإسلام ، رغم أنهم كانوا المعلمين الأول للمسلمين في علم الطب ، وهم أهل جند يشابور وغيرهم من أتباع الأديان المختلفة ، قد بدأ يتقلص ظلهم ، ويأفل نجمهم ، كلما زاد تألق شمس المعارف الطبية في العالم الإسلامي[1]والذي كان يتم بسرعة مذهلة .
[1]ولا يختص ذلك في علم الطب ، بل ينسحب على غيره من مختلف العلوم والمعارف كما يظهر لكل باحث ، فراجع .
نعم . . لقد تقلص ظلهم ، وأفل نجمهم ، مع أنه قد كان لخلفاء المسلمين وحكامهم عناية فائقة بهم ، واهتماماً لا نظير له بشؤونهم .
وحسبنا ما ذكرناه هنا ، ولننقل الكلام إلى عصر النهضة العلمية لدى المسلمين . . والذي يستدعي منا الحديث في نقاط عديدة ، منها :
1 - حركة الترجمة في العلوم الطبية وغيرها .
2 - حركة التأليف ، وازدهار الطب عند المسلمين .
3 - بعض المنجزات العلمية للمسلمين ، وأثر المسلمين في النهضة الطبية الحديثة .
4 - أثر المسلمين في الصيدلة .
5 - إشارة إلى بعض الخدمات الطبية ، كبناء المستشفيات ونحوها .
إلى غير ذلك من الأمور التي يقتضيها البحث : والتي ربما لا يمكن تجاهلها فإلى المطالب التالية :
حركة الترجمة :
لقد بدأت الترجمة في الحقيقة في القرن الأول الهجري ، ولكن بشكل محدود جداً ، ونشطت في مطلع الدولة العباسية [ التي أسست سنة 132 ه ] وانتعشت أكثر في زمن هارون ، الذي توفي سنة 193 ه - . وبلغت ذروتها في زمن المأمون المتوفي سنة 218 . ه وبنشاط حركة التأليف والإبداع لدى المسلمين . . بدأت حركة الترجمة بالتراجع ، فلم يعد لها في أواسط القرن الثالث فما بعده رونق يميزها عن غيرها من النشاطات ، إن لم نقل : إنها لم يعد لها رونق أصلاً . .
بل يرى البعض : أن أكثر الترجمات قد كانت ما بين أواسط النصف الأول من القرن الثاني ، وحتى النصف الأول من القرن
الثالث[1].
وعلى كل حال . . فقد كان غير المسلمين هم الذين يقومون بأمر الترجمة بصورة عامة ، سواء في ذلك النصارى ، أو اليهود ، أو غيرهم . . فهم رواد هذه الحركة ، وعليهم كان الاعتماد فيها . . ولكننا لا يجب أن ننسى هنا دور النوبختيين في الترجمة ، وهم من الفرس ، المسلمين الشيعة ، فإنهم قد أسدوا خدمات جلى في هذا السبيل .
ويقول گوستاف لوبون : إن أول كتاب طبي ترجم إلى العربية قد ترجمه هارون سنة 685 م[2]. . ونحن نعتقد : أنه قد غلط في ذلك ، ف :
أولاً : إن الكتاب هو كناش « أي مجموعة فيها قواعد وفوائد طبية » من مؤلفات [ أهرن ] ، وقد ترجمه ماسر جويه ، إما في زمن عمر بن عبد العزيز ، أو أنه ترجمه في زمن مروان بن الحكم ، وبقي في خزائن الكتب حتى أخرجه ابن عبد العزيز إلى الناس[3].
وثانياً : إننا نجدهم يقولون : إن ابن أثال طبيب معاوية - الذي قتل في زمنه - قد سبق إلى ترجمة كتاب في الأدوية المفردة من اليونانية إلى العربية[4]. . وبمثل ذلك يرد على من زعم ان خالد بن يزيد كان أول من
[1]تاريخ طب در إيران ج 2 ص 194 .
[2]تمدن إسلام وعرب ص 609 .
[3]عيون الأنباء ص 232 عن ابن جلجل ، وتاريخ الحكماء ص 324 / 325 وتاريخ طب در إيران ج 2 ص 194 وراجع ص 215 ، وتاريخ الأطباء والحكماء لابن جلجل ص 133 الترجمة الفارسية وهوامشه ، والتراتيب الإدارية ج 2 ص 269 / 270 عن تاريخ آداب اللغة العربية ج 1 ص 233 .
[4]تاريخ طب در إيران ج 2 ص 141 .
ترجم كتب النجوم والطب . . الخ[1]، ويقول وجدي : إن ابن وحشية قد ترجم عن الكلدان كتاباً في السموم وذلك في سنة 170 م[2].
وهو غلط أيضاً ، فإن ابن وحشية قد عاش في أواخر القرن الثالث ، وفي مطلع القرن الرابع الهجري[3]، ومما ذكرنا نعرف عدم صحة قولهم : إن جورجس هو أول من ابتدأ في نقل الكتب الطبية إلى العربية عندما استدعاه المنصور[4].
وعلى كل حال . . فإنهم يقولون : إن الخليفة العباسي هارون قد أرسل إلى روما من جلب له الكتب الخطية الطبية . . كما أنه هو نفسه قد جلب معه مخطوطات من أنقرة ، وعمورية وغيرها من بلاد الروم ، وطلب من يوحنا بن ماسويه ، أن يترجمها من اليونانية إلى العربية[5].
أما في زمن المأمون فقد بلغ هذا الأمر ذروته ، حتى ليذكرون ، أنه كان يعطي وزن ما يترجم له ذهباً[6]، بل لقد ذكر وجدي : أن المأمون قد جعل بعض شروط الصلح مع اليونانيين إعطاءه نسخة من كتاب نادر الوجود[7].
[1]البيان والتبيين ج 1 ص 328 ، وشرح نهج البلاغة ج 15 ص 258 ، والتراتيب الإدارية ج 2 ص 268 / 269 عنهما وعن أوائل السيوطي أنه أول من ترجمت له كتب الطب راجع محاضرة الأوائل ص 71 ، والأوائل للعسكري ج 2 ص 145 .
[2]دائرة معارف القرن العشرين ج 5 ص 665 .
[3]تاريخ طب در إيران ج 2 ص 294 .
[4]عيون الأنباء ص 279 .
[5]تاريخ الحكماء للقفطي ص 380 ، وعيون الأنباء ص 246 ، وتاريخ طب در إيران ج 2 ص 207 / 208 .
[6]عيون الأنباء ص 260 ، وتاريخ طب در إيران ج 2 ص 242 .
[7]دائرة معارف القرن العشرين ج 5 ص 665 .