ولكن الحقيقة هي : أن من يراجع كتب الموسوعات والتراجم يجد أسماء آلاف من الكتب الطبية فيها - وهم لم يذكروا إلا قسماً محدوداً منها - ولم يوجد لها في هذه الأيام عين ولا أثر ، فليراجع على سبيل المثال : كتاب : كشف الظنون ، وعيون الأنباء ، وتاريخ الحكماء ، والفهرست لابن النديم وغيرها ليجد أن معظم الكتب الطبية الإسلامية لا يعرف إلا أسماء عدد محدود منها .
بعض منجزات المسلمين الطبية :
إنه لا ريب في أن الطب كان يعتبر في شرق البلاد الإسلامية وغربها من أرفع العلوم شأناً ، وأسماها مقاماً ، كما أشار إليه البعض[1].
كما أنه لا ريب في أن للمسلمين بحوثاً عميقة في الطب ، وحصلوا على نتائج كبيرة فيه[2]وقد طوروا علم الطب ، وفن الجراحة إلى أعلى الدرجات[3].
وبقيت أوروبا تعتمد على تصانيفهم في الجراحة حتى الأزمنة المتأخرة ، وكذا استعمالهم البنج في الجراحة ، وغير ذلك كثير . . وقد اكتشفوا الكثير من المعالجات التي لا تزال متداولة إلى اليوم[4].
كما أن الرازي هو أول من استعمل السبيرتو ، والفتيلة ذات الطرفين في معالجة الجراح ، كما انه أول من استعمل الماء البارد في الحمى الدائمة[5].
[1]تاريخ الشعوب الإسلامية لبروكلمان ص 314 .
[2]تمدن إسلام وعرب ص 608 .
[3]مختصر تاريخ العرب ص 283 . وتمدن إسلام وعرب ص 616 .
[4]راجع : تمدن إسلام وعرب ص 616 .
[5]تمدن إسلام وعرب ص 609 .
قال محمد الخليلي عن الرازي : « هو أول من اكتشف زيت الزاج المسمى اليوم حامض الكبريتيك ، ويدعى في اللغة العربية الزاج الأخضر ، وكان قبلا يسمى زيت الرازي ، وقد استخرجه من كبريتات الحديد ، وطريقة استعماله لا تزال مستعملة كما هي ، وهو أول من استخرج الكحول « أي السبيرتو » ، واستحضرها من المواد النشوية والسكرية المختمرة : وهو أول من عرف الجدري وعزل المصابين به في مستشفاه ، وامر بعزلهم في البيوت . وهو أول من عرف الأمراض السارية ، وهو أول من اخترع الخلال المعروف عند أطباء العرب ، وهو أن يثقب الجلد ، ويمرر فيه خيط غليظ ليسيل الصديد من الدنبلة ، أو أي ورم آخر . . انتهى »[1].
وعلى كل حال فإن في اكتشاف الرازي للسبيرتو ، وأسيد السولفوريك يكون قد أسدى خدمة جلى للطب[2].
أما الفتائل ذات الطرفين ، والمشار إليها آنفاً ، فإنها كانت لا تزال مستعملة إلى أواسط النصف الأول من القرن الرابع عشر الهجري .
كما أن الرازي هو أول من شرح تشعبات الأعصاب في الرأس والرقبة بشكل واف وواضح ، وهو أول من أجرى عملية خياطة جرح المعدة بواسطة المصران المعوج في الغنم ، كما أنه أول من اكتشف الطب المفصلي ، واستعمل القطن[3].
ويقول فيليب حتى : « . . وقد ألف الرازي أقدم كتاب طبي يميز فيه سريرياً بين الحصبة والجدري ، ولسنا نعلم : أن الإغريق أو غيرهم من
[1]معجم أدباء الأطباء ج 2 ص 74 .
[2]تاريخ طب در إيران ج 2 ص 414 .
[3]راجع : تاريخ طب در إيران ج 2 ص 428 و 421 .
الشعوب توصل إلى هذه المعرفة قبل عهد الرازي »[1].
ويضيف : « إن علم الرازي وفضله على العلوم الطبية يرفعان من قدره ويجعلانه يحتل مرتبة بين عظماء المفكرين الخلاقين في أوروبا الوسيطة »[2].
ولست أدري أين هؤلاء العظماء الخلاقون في أوروبا الوسيطة ؟ ! وهل كان في أوروبا آنذاك عظيم ؟ ! أو ليست أوروبا لا تزال تعتمد على علم الرازي وأمثاله من علماء المسلمين حتى الأمس القريب ؟ ! . .
أو ليس يقولون ؟ إن محمد بن أحمد الحتاتي الذي نشأ في القاهرة ، والمتوفي سنة 1052 ه قد : « رحل إلى الروم ، ومكث بها مدة طويلة ، ولم يسعفه الدهر بما يروم ، فتنقل في المدارس حتى صار رئيس الأطباء في اسكى سرايا ثم رجع إلى القاهرة ؟ »[3].
ويدعي فيليب حتى : أن من مبتكرات كتاب الملكي لعلي بن العباس « إشارة إلى وجود الحركة الدموية الشعرية ، وإلى أن الطفل عند الولادة لا يخرج من تلقاء نفسه ، بل بفضل تقلصات عضلية الرحم »[4].
وقد فاته أن الحقيقة هي : أن الإمام الصادق ( عليه السلام ) هو أول من نبه إلى حقيقة الدورة الدموية وشرحها وأوضحها بشكل واف وكامل ، كما أثبته محمد الخليلي في كتابه : « طب الإمام الصادق ( عليه السلام ) »[5]وقرر أنه قد سبق هارفي ،
[1]موجز تاريخ الشرق الأدنى ص 192 ، وراجع تاريخ التمدن الإسلامي المجلد الثاني ص 203 .
[2]موجز تاريخ الشرق الأدنى ص 193 .
[3]معجم أدباء الأطباء ج 2 ص 55 تأليف محمد الخليلي .
[4]موجز تاريخ الشرق الأدنى ص 193 .
[5]طب الإمام الصادق ( عليه السلام ) ص 30 / 31 .
الذي لا يزال الكثيرون يهللون ويكبرون ويهتفون باسمه على أنه هو مكتشف الدورة الدموية ، وقد سبق بها غيره . .
المنجزات الطبية لابن سينا :
وعن ابن سينا وقانونه في الطب ، نجدهم يقولون : « إن من حسنات هذا الكتاب : أنه يميز بين التهاب المنصف الصدري « الحيزوم » وبين ذات الجنب ، وينص كذلك على أن السحاء ينتقل بالعدوى ، وأن عدوى الأمراض تسري بواسطة الماء والتراب »[1].
قال الأستاذ محمد الخليلي : « لقد امتاز الرئيس ابن سينا على أبقراط وأرسطو وجالينوس بدقته في مناقشة الحالات المرضية ، ومهارته في فن التشخيص ، ومبحث أسباب الأمراض .
فهو أول من وصف الالتهاب السحائي ، أي البرسام الحاد ، وميزه عن سائر الأمراض الحادة المصحوبة بالهذيان . وقد كان ذلك يشتبه على اليونانيين ، وهو أول من أوضح أن التهاب البلورا « ذات الجنب » ، والتهاب الرئة « ذات الرئة » قد تنتج عنهما أعراض سرسامية ، وأن التهاب السحايا في تلك الحالات يعتبر نذيراً بالموت .
وهو أول من أجاد في شرح امراض الجهاز التنفسي ، وأتقن وصف الأمراض العصبية . وله الفضل في ابتكار كثير من طرق العلاج النفساني .
وهو أول من اختص بالقول : بأن الحصبة أكثر ما تكون عدواها في الربيع والخريف ، وأنها أكثر وقوعاً في هذين الفصلين ، وأن الأطفال أكثر إصابة بهما . وهو أول من وصف علاج البواسير بالشق .
[1]موجز تاريخ الشرق الأدنى ص 194 .
وهو أول من اكتشف اندعام عضلات العين ، وأدخل من أنواع العقاقير الطبية في العلاج كثيراً لم يكن مستعملاً من ذي قبل .
وهو أول من اكتشف الطفيلية أي الدودة الموجودة في الإنسان المسماة اليوم في اصطلاح الطب الحديث « انكلستوما » وقد ذكرها في فصل ديدان المعدة ، من كتاب القانون . وقد أعاد اكتشافها « زوييني » الإيطالي في القرن التاسع عشر [ أي القرن الثالث عشر الهجري ] ، أي بعد اكتشاف ابن سينا بتسع قرون ، وقد أخذ جميع مؤلفي الغرب بهذا الرأي في مؤلفاتهم الحديثة سيما في مؤسسة « روكفلر » معترفين لابن سينا بالفضل في سبقه .
وهو أول من اكتشف الآلة المسماة اليوم « الوارنية » وهي الآلة المستعملة لقياس الأطوال بالدقة المتناهية .
وهو أول من شرح قلب الجنين ، وقسمه إلى الأقسام المعروفة عندنا اليوم ، ووصف الثقب الموجود في الجدار الفاصل بين الاذنين ، وقال : إن هذا الثقب يسد حالاً عندما يتنفس المولود لأول مرة ، وبذلك تبتدئ الدورة الدموية الرئوية . . »[1].
وما قاله ابن سينا في تشريح العين ، ووصف عضلات الحدقة مطابق تماماً لما توصل إليه الطب في هذه الأيام ، كما أنه قد أدرك أهمية عصب العين ، وهو أول من تنبه لذلك فيما نعلم . .
كما أن ما ذكره ابن سينا عن مرض السل ، ومرض آسم وهو « الربو » هو نفس ما توصل إليه أطباء اليوم[2].
[1]معجم أدباء الأطباء ج 1 ص 117 / 118 .
[2]تاريخ طب در إيران ج 2 ص 589 و 592 وفي ص 600 - 605 يذكر بعض ما ذكره ابن سينا مما لا يزال معترفاً به حتى الآن وأيدته التجارب الحديثة .
ويقول جُرجي زيدان وكذلك هم يقولون : « أما ما أحدثوه من عند أنفسهم رأساً ، فالإحاطة به من الأمور الشاقة التي يعسر تحقيقها ، فنذكر ما ثبت عندنا حدوثه على سبيل المثال :
من ذلك : أنهم أحدثوا في الطب آراء جديدة ، تخالف آراء القدماء في تدبير الأمراض ، وإن لم يصلنا إلا خبر القليل منها ، مثل نقلهم تدبير أكثر الأمراض التي كانت تعالج قديماً بالأدوية الحارة على اصطلاحهم إلى التدبير البارد كالفالج ، واللقوة ، والاسترخاء ، وغيرها . . والعرب[1]أول من استخدم المرقد « البنج » في الطب . . وهم أول من استخدم الخلال . . وقد وجد محققوا الإفرنج ، العرب[2]أول من استخدم الكاويات على نحو استخدامها اليوم ، وأنهم أول من وجه الفكر إلى شكل الأظافر في المصدورين ، ووصفوا علاج اليرقان ، والهواء الأصفر . واستعملوا الأفيون بمقادير كبيرة لمعالجة الجنون . ووصفوا صب الماء البارد لقطع النزف ، وعالجوا خلع الكتف بالطريقة المعروفة في الجراحة برد المقاومة الفجائي . ووصفوا إبرة الماء الأزرق ، وهو قدح العين ، وأشاروا إلى عملية تفتيت الحصاة »[3].
ويضيف گوستاف لوبون : أن المسلمين كانوا يقومون بعمليات جراحية لإخراج الماء من العين ، ويقومون بإخراج « جليدية » منها . . كما أن الزهراوي قد قدم شرحاً وافياً عن عملية تفتيت الحصاة ، واستعمال الماء البارد لقطع نزف
[1]
[2]لم يكن العرب أهل إبداع وعلم قبل الإسلام . . والإسلام هو الذي صنع منهم ومن غيرهم المعجزات ، والمسلمون هم اكتشفوا في مجال الطب وفي غيره ، وحققوا أعظم المنجزات . .
[3]تاريخ التمدن الإسلامي ، المجلد الثاني ص 202 / 203 .
الدم ، واستعمال المكويات والفتائل للجراح ، والكي بالنار .
وكان المسلمون يعتمدون على قوانين الوقاية الصحية كثيراً ومعرفتهم بها كانت كاملة ، ويستفيدون من الطبيعة أكثر ، ومسألة الحمية التي هي من التعاليم الأكيدة في الطب الحديث كانت أصلاً عندهم ، وكانوا موفقين جداً في ممارساتهم الطبية بالقياس إلى هذا العصر ، بل لم يكن الأطباء المسلمون في القرن العاشر الميلادي يقدمون من الضحايا بقدر ما يقدمه أطباء اليوم ، والأحكام القرآنية ، كالوضوء ، والغسل ، والتيمم ، وتحريم المسكرات ، وترجيح الأغذية النباتية على اللحوم في المناطق الحارة كانت حكيمة ونافعة جداً في الوقاية . كما أن التعاليم الصحية التي جاءت عن نفس النبي ( صلى الله عليه وآله ) قد كانت في غاية الدقة والمتانة ، ولا يمكن الاعتراض عليها ، وقد وردت على شكل كلمات قصار يسهل حفظها على كل أحد[1].
الصيدلة :
لقد نبغ المسلمون في الصيدلة ، واهتموا بالنباتات ، ومعرفة خواصها ، وممن نبغ منهم في علم النبات ، ابن الصوري ، وابن البيطار ، وابن أبي أصيبعة ، وغيرهم ، ويقولون أيضاً : إنهم هم الذين اخترعوا فن الصيدلة ، وأنشأوا حدائق نظامية لدراسة علم النبات والأعشاب في بغداد ، وغيرها من المدن[2]. وقد أدخل المسلمون في المادة الطبية كثيراً من أنواع الأعشاب والمعادن ، مما لم يكن معروفاً لغيرهم[3].
وكان رشيد الدين ابن الصوري ، المتوفي سنة 639 ، صاحب كتاب
[1]راجع : تمدن إسلام وعرب ص 616 و 615 و 614 بتصرف .
[2]مختصر تاريخ العرب ص 283 ، وراجع تاريخ التمدن الإسلامي المجلد الثاني .
[3]دائرة معارف القرن العشرين ج 5 ص 666 .
الأدوية المفردة الذي استقصى فيه ذكر الأدوية المفردة ، وذكر فيه أدوية اطلع على معرفتها ، ومنافعها لم يذكرها المتقدمون[1]- كان رشيد هذا - يخرج لدرس الحشائش في منابتها ، ويستصحب مصوراً معه الأصباغ والليق على اختلافها ، وتنوعها ، ويتوجه إلى المواضع التي بها النبات في جبل لبنان وغيره من المواضع ؛ فيشاهد النبات ويحققه ، ويريه المصور ؛ فيعتبر لونه ، ومقدار ورقه ، وأغصانه وأصوله ، ويصور بحسبها بالدقة .
ثم إنه سلك في تصوير النبات مسلكاً مفيداً ، وذلك أنه كان يري النبات للمصور في أبان نباته وطراوته فيصوره . ثم يريه إياه أيضاً ، وقت كماله وظهور بزره ، فيصوره تلو ذلك . ثم يريه إياه أيضاً في وقت ذواه ويبسه ، فيصوره فيكون الدواء الواحد شاهده الناظر إليه في الكتاب وهو على أنحاء ما يمكن ان يراه في الأرض ، فيكون تحقيقه له أتم ، ومعرفته له أبين[2]، قال زيدان : وذلك غاية ما يفعله الباحثون في هذا العلم اليوم[3].
ويقول ابن أبي أصيبعة : « واطلع رشيد الدين ابن الصوري أيضاً على كثير من خواص الأدوية المفردة ، حتى تميز على كثير من أربابها ، وأربى على سائر من حاولها ، واشتغل بها »[4].
والظاهر أن ابن الصوري كان من الشيعة ، لأنه من أهل صور في جبل عامل ، الذي كان شيعياً من قديم الأيام .
وعلى كل حال : . . فقد كان للمسلمين : فضل كبير في الصيدلة ، وقد
[1]عيون الأنباء ص 703 .
[2]عيون الأنباء ص 703 ، وراجع تاريخ التمدن الإسلامي ، المجلد الثاني ص 205 .
[3]تاريخ التمدن الإسلامي ، المجلد الثاني ص 205
[4]عيون الأنباء ص 700 .