بارگزاری ...
جستجو کنید
برای شروع جستجو، متن خود را وارد کنید.
صفحه 58


الذي لا يزال الكثيرون يهللون ويكبرون ويهتفون باسمه على أنه هو مكتشف الدورة الدموية ، وقد سبق بها غيره . .
المنجزات الطبية لابن سينا :
وعن ابن سينا وقانونه في الطب ، نجدهم يقولون : « إن من حسنات هذا الكتاب : أنه يميز بين التهاب المنصف الصدري « الحيزوم » وبين ذات الجنب ، وينص كذلك على أن السحاء ينتقل بالعدوى ، وأن عدوى الأمراض تسري بواسطة الماء والتراب »[1].
قال الأستاذ محمد الخليلي : « لقد امتاز الرئيس ابن سينا على أبقراط وأرسطو وجالينوس بدقته في مناقشة الحالات المرضية ، ومهارته في فن التشخيص ، ومبحث أسباب الأمراض .
فهو أول من وصف الالتهاب السحائي ، أي البرسام الحاد ، وميزه عن سائر الأمراض الحادة المصحوبة بالهذيان . وقد كان ذلك يشتبه على اليونانيين ، وهو أول من أوضح أن التهاب البلورا « ذات الجنب » ، والتهاب الرئة « ذات الرئة » قد تنتج عنهما أعراض سرسامية ، وأن التهاب السحايا في تلك الحالات يعتبر نذيراً بالموت .
وهو أول من أجاد في شرح امراض الجهاز التنفسي ، وأتقن وصف الأمراض العصبية . وله الفضل في ابتكار كثير من طرق العلاج النفساني .
وهو أول من اختص بالقول : بأن الحصبة أكثر ما تكون عدواها في الربيع والخريف ، وأنها أكثر وقوعاً في هذين الفصلين ، وأن الأطفال أكثر إصابة بهما . وهو أول من وصف علاج البواسير بالشق .


[1]موجز تاريخ الشرق الأدنى ص 194 .


صفحه 59


وهو أول من اكتشف اندعام عضلات العين ، وأدخل من أنواع العقاقير الطبية في العلاج كثيراً لم يكن مستعملاً من ذي قبل .
وهو أول من اكتشف الطفيلية أي الدودة الموجودة في الإنسان المسماة اليوم في اصطلاح الطب الحديث « انكلستوما » وقد ذكرها في فصل ديدان المعدة ، من كتاب القانون . وقد أعاد اكتشافها « زوييني » الإيطالي في القرن التاسع عشر [ أي القرن الثالث عشر الهجري ] ، أي بعد اكتشاف ابن سينا بتسع قرون ، وقد أخذ جميع مؤلفي الغرب بهذا الرأي في مؤلفاتهم الحديثة سيما في مؤسسة « روكفلر » معترفين لابن سينا بالفضل في سبقه .
وهو أول من اكتشف الآلة المسماة اليوم « الوارنية » وهي الآلة المستعملة لقياس الأطوال بالدقة المتناهية .
وهو أول من شرح قلب الجنين ، وقسمه إلى الأقسام المعروفة عندنا اليوم ، ووصف الثقب الموجود في الجدار الفاصل بين الاذنين ، وقال : إن هذا الثقب يسد حالاً عندما يتنفس المولود لأول مرة ، وبذلك تبتدئ الدورة الدموية الرئوية . . »[1].
وما قاله ابن سينا في تشريح العين ، ووصف عضلات الحدقة مطابق تماماً لما توصل إليه الطب في هذه الأيام ، كما أنه قد أدرك أهمية عصب العين ، وهو أول من تنبه لذلك فيما نعلم . .
كما أن ما ذكره ابن سينا عن مرض السل ، ومرض آسم وهو « الربو » هو نفس ما توصل إليه أطباء اليوم[2].


[1]معجم أدباء الأطباء ج 1 ص 117 / 118 .
[2]تاريخ طب در إيران ج 2 ص 589 و 592 وفي ص 600 - 605 يذكر بعض ما ذكره ابن سينا مما لا يزال معترفاً به حتى الآن وأيدته التجارب الحديثة .


صفحه 60


ويقول جُرجي زيدان وكذلك هم يقولون : « أما ما أحدثوه من عند أنفسهم رأساً ، فالإحاطة به من الأمور الشاقة التي يعسر تحقيقها ، فنذكر ما ثبت عندنا حدوثه على سبيل المثال :
من ذلك : أنهم أحدثوا في الطب آراء جديدة ، تخالف آراء القدماء في تدبير الأمراض ، وإن لم يصلنا إلا خبر القليل منها ، مثل نقلهم تدبير أكثر الأمراض التي كانت تعالج قديماً بالأدوية الحارة على اصطلاحهم إلى التدبير البارد كالفالج ، واللقوة ، والاسترخاء ، وغيرها . . والعرب[1]أول من استخدم المرقد « البنج » في الطب . . وهم أول من استخدم الخلال . . وقد وجد محققوا الإفرنج ، العرب[2]أول من استخدم الكاويات على نحو استخدامها اليوم ، وأنهم أول من وجه الفكر إلى شكل الأظافر في المصدورين ، ووصفوا علاج اليرقان ، والهواء الأصفر . واستعملوا الأفيون بمقادير كبيرة لمعالجة الجنون . ووصفوا صب الماء البارد لقطع النزف ، وعالجوا خلع الكتف بالطريقة المعروفة في الجراحة برد المقاومة الفجائي . ووصفوا إبرة الماء الأزرق ، وهو قدح العين ، وأشاروا إلى عملية تفتيت الحصاة »[3].
ويضيف گوستاف لوبون : أن المسلمين كانوا يقومون بعمليات جراحية لإخراج الماء من العين ، ويقومون بإخراج « جليدية » منها . . كما أن الزهراوي قد قدم شرحاً وافياً عن عملية تفتيت الحصاة ، واستعمال الماء البارد لقطع نزف


[1]
[2]لم يكن العرب أهل إبداع وعلم قبل الإسلام . . والإسلام هو الذي صنع منهم ومن غيرهم المعجزات ، والمسلمون هم اكتشفوا في مجال الطب وفي غيره ، وحققوا أعظم المنجزات . .
[3]تاريخ التمدن الإسلامي ، المجلد الثاني ص 202 / 203 .


صفحه 61


الدم ، واستعمال المكويات والفتائل للجراح ، والكي بالنار .
وكان المسلمون يعتمدون على قوانين الوقاية الصحية كثيراً ومعرفتهم بها كانت كاملة ، ويستفيدون من الطبيعة أكثر ، ومسألة الحمية التي هي من التعاليم الأكيدة في الطب الحديث كانت أصلاً عندهم ، وكانوا موفقين جداً في ممارساتهم الطبية بالقياس إلى هذا العصر ، بل لم يكن الأطباء المسلمون في القرن العاشر الميلادي يقدمون من الضحايا بقدر ما يقدمه أطباء اليوم ، والأحكام القرآنية ، كالوضوء ، والغسل ، والتيمم ، وتحريم المسكرات ، وترجيح الأغذية النباتية على اللحوم في المناطق الحارة كانت حكيمة ونافعة جداً في الوقاية . كما أن التعاليم الصحية التي جاءت عن نفس النبي ( صلى الله عليه وآله ) قد كانت في غاية الدقة والمتانة ، ولا يمكن الاعتراض عليها ، وقد وردت على شكل كلمات قصار يسهل حفظها على كل أحد[1].
الصيدلة :
لقد نبغ المسلمون في الصيدلة ، واهتموا بالنباتات ، ومعرفة خواصها ، وممن نبغ منهم في علم النبات ، ابن الصوري ، وابن البيطار ، وابن أبي أصيبعة ، وغيرهم ، ويقولون أيضاً : إنهم هم الذين اخترعوا فن الصيدلة ، وأنشأوا حدائق نظامية لدراسة علم النبات والأعشاب في بغداد ، وغيرها من المدن[2]. وقد أدخل المسلمون في المادة الطبية كثيراً من أنواع الأعشاب والمعادن ، مما لم يكن معروفاً لغيرهم[3].
وكان رشيد الدين ابن الصوري ، المتوفي سنة 639 ، صاحب كتاب


[1]راجع : تمدن إسلام وعرب ص 616 و 615 و 614 بتصرف .
[2]مختصر تاريخ العرب ص 283 ، وراجع تاريخ التمدن الإسلامي المجلد الثاني .
[3]دائرة معارف القرن العشرين ج 5 ص 666 .


صفحه 62


الأدوية المفردة الذي استقصى فيه ذكر الأدوية المفردة ، وذكر فيه أدوية اطلع على معرفتها ، ومنافعها لم يذكرها المتقدمون[1]- كان رشيد هذا - يخرج لدرس الحشائش في منابتها ، ويستصحب مصوراً معه الأصباغ والليق على اختلافها ، وتنوعها ، ويتوجه إلى المواضع التي بها النبات في جبل لبنان وغيره من المواضع ؛ فيشاهد النبات ويحققه ، ويريه المصور ؛ فيعتبر لونه ، ومقدار ورقه ، وأغصانه وأصوله ، ويصور بحسبها بالدقة .
ثم إنه سلك في تصوير النبات مسلكاً مفيداً ، وذلك أنه كان يري النبات للمصور في أبان نباته وطراوته فيصوره . ثم يريه إياه أيضاً ، وقت كماله وظهور بزره ، فيصوره تلو ذلك . ثم يريه إياه أيضاً في وقت ذواه ويبسه ، فيصوره فيكون الدواء الواحد شاهده الناظر إليه في الكتاب وهو على أنحاء ما يمكن ان يراه في الأرض ، فيكون تحقيقه له أتم ، ومعرفته له أبين[2]، قال زيدان : وذلك غاية ما يفعله الباحثون في هذا العلم اليوم[3].
ويقول ابن أبي أصيبعة : « واطلع رشيد الدين ابن الصوري أيضاً على كثير من خواص الأدوية المفردة ، حتى تميز على كثير من أربابها ، وأربى على سائر من حاولها ، واشتغل بها »[4].
والظاهر أن ابن الصوري كان من الشيعة ، لأنه من أهل صور في جبل عامل ، الذي كان شيعياً من قديم الأيام .
وعلى كل حال : . . فقد كان للمسلمين : فضل كبير في الصيدلة ، وقد


[1]عيون الأنباء ص 703 .
[2]عيون الأنباء ص 703 ، وراجع تاريخ التمدن الإسلامي ، المجلد الثاني ص 205 .
[3]تاريخ التمدن الإسلامي ، المجلد الثاني ص 205
[4]عيون الأنباء ص 700 .


صفحه 63


بذلوا الجهد في استجلاب العقاقير من الهند وغيرها ، منذ أيام يحيى بن خالد البرمكي . وهم واضعو أسس فن الصيدلة ، وهم أول من اشتغل في تحضير الأدوية والعقاقير ، فضلاً عما استنبطوه من الأدوية الجديدة ، وهم أول من ألف الاقرباذين[1].
وكانوا يعتمدون أولاً على اقرباذين سابور بن سهل المتوفي سنة 255 ه‌ حتى ظهر أقرباذين أمين الدولة ابن التلميذ ، المتوفي ببغداد سنة 560 ه‌[2].
وفي حقل النبات لا بد وأن نذكر هنا ابن البيطار الذي راح يقوم هو بذاته بدارسة النبات في إسبانيا ، وشمال أفريقيا ، ومصر ، وسورية ، وآسيا الصغرى ، وقد ذكر في كتابه 1400 نبتة ، منها مئتان جديدة ، لا عهد للناس بها من قبل[3].
وعلى كتاب ابن البيطار المالقي في النبات ، والفريد في بابه كان معول أهل أوروبا في نهضتهم الحديثة ، كما يقوله جرجي زيدان .
كما أنه يقول : إن أسماء العقاقير التي أخذها الإفرنج عن العرب لا تزال عندهم بأسمائها العربية ، أو الفارسية ، أو الهندية ، كما أخذوها عن العربية[4].
بل : « إن أعظم العلماء والنباتيين في بولندا يعتمدون في مؤلفاتهم بشكل كامل على مؤلفات ابن سينا ، مثل : شيمون لونج ، عالم النبات البولندي


[1]عن طبقات الأطباء ج 1 ص 183 .
[2]عيون الأنباء ص 371 ، وتاريخ الحكماء ص 207 ، والكلام قد كان هنا لجرجي زيدان في تاريخ التمدن الإسلامي المجلد الثاني ص 203 .
[3]موجز تاريخ الشرق الأدنى ص 194 / 195 .
[4]تاريخ التمدن الإسلامي المجلد الثاني ص 203 .


صفحه 64


الكبير . . كما أن البروفسور آنانباج زايا جوفسكي أستاذ جامعة وارشو ، ورئيس اتحاد الشرق الأوسط في بولندا له تحقيقات قيمة حول كتب ابن سينا وخصوصاً النباتات الطبية في كتاب القانون »[1].
كما أن گوستاف لوبون يقول : « الرقي الطبي عند العرب كان في فن الجراحة ، وعلائم الأمراض ، وأقرباذين الأدوية أكثر منه في غيره ، وقد اكتشفوا الكثير من المعالجات التي لا تزال متداولة إلى اليوم ، كما ان أكثر الأدوية التي ركبوها لا تزال مستعملة حتى اليوم ، وكذا فإن لهم اكتشافات في كيفية استعمال الأدوية ، وبعضها يعد - غلطاً - من المكتشفات الحديثة . . الخ »[2].
وأخيراً . . فإنهم يقولون : أن المسلمين هم أول من أنشأ حوانيت الصيدلة على هذه الصورة[3]، كما أن الشيخ الرئيس ابن سينا قد ذكر الكثير من المواد الطبية ، التي لم تكن معروفة للقدماء ، وهي من مكتشفات ابن سينا نفسه ، والقسم المربوط بالنباتات الطبية المستعملة في أمراض الكبد ممتاز جداً ، وهو مطابق تماماً مع الطب اليوم ، كما أن آثار الأدوية في الطب من حيث وظائف الأعضاء وأقرباذين الأدوية صحيحة جداً[4].
كما أن الصيدلة تعتمد كثيراً على صناعة الكيمياء ، وقد قطع المسلمون شوطاً كبيراً في هذا المجال ، الأمر الذي مكنهم من اختراع الكثير من الأدوية التي لا تزال مستعملة حتى اليوم .


[1]تاريخ طب در إيران ج 2 ص 605 .
[2]تمدن إسلام وعرب ص 616 باختصار .
[3]تاريخ التمدن الإسلامي ، المجلد الثاني ص 203 .
[4]تاريخ طب در إيران ج 2 ص 571 و 587 .


صفحه 65


امتحان الصيدلة :
ولقد كان الصيادلة كثاراً ، وشاع الغش منهم في الأدوية ، فدعت الضرورة إلى امتحانهم ، وإعطاء الإجازات أو المنشورات إلى من تثبت أهليته وأمانته وحرمان الآخرين ، ومنعهم من مزاولة هذه الصنعة .
وقد التفتوا إلى هذا الأمر في وقت مبكر ، أي من زمن المأمون ، الذي كتب اسماً لا يعرف ولا واقع له ، وأرسله إلى الصيادلة ليبتاع منهم ، فكلهم ذكر : أن هذا الدواء عنده ، وأخذ الدواء وأعطاه شيئاً من حانوته ، فصاروا إلى المأمون بأشياء مختلفة ، فمنهم من أتى ببعض البزور ، ومنهم من أتى بقطعة من حجر ، ومنهم من أتى بوبر .
وفي زمن المعتصم قال الافشين لزكريا الطيفوري : « يا زكريا ضبط هؤلاء الصيادلة عندي أولى ما تقدم فيه ، فامتحنهم ، حتى نعرف الناصح منهم من غيره ، ومن له دين ، ومن لا دين له » .
فامتحنهم الأفشين بمحنة المأمون ، فوقعوا فيما وقعوا فيه أولاً ، فكانت النتيجة أن نفى الأفشين من وقع في الفخ عن العسكر ، ونادى المنادي بنفيهم وبإباحة دم من وجد منهم في عسكره[1].


[1]راجع : عيون الأنباء ص 224 / 225 ، وتاريخ الحكماء ص 188 / 189 ، وتاريخ التمدن الإسلامي ، المجلد الثاني ص 201 عن ابن العبري ، وراجع مختصر تاريخ الدول ص 140 / 141 .