ومن هنا . . فقد كان للإسلام مرونة خاصة بالنسبة لموقفه من الثقافات والعلوم التي تفيد المجتمع الإسلامي ، وبالنسبة لشؤون الإدارة الداخلية ، وشؤون الأمن في البلاد الإسلامية ، تبعاً للضرورات التي تفرضها الظروف والأحوال الطارئة والمتغيرة .
وقد أعطى ذلك للإسلام قدرة خاصة على استيعاب كل جديد ، وعلى أن يساير التطورات الحضارية المختلفة على مر العصور ، وعلى اتخاذ الموقف المناسب في الظروف والأحوال والمتغيرات باستمرار ، ولسوف يبقى محتفظاً بهذه القدرة مستقبلياً أيضاً . . فهو القانون الوحيد ، الذي يستطيع أن يكون إنسانياً ، وحضارياً وعالمياً ، وأبدياً .
الفقيه . . وغير الفقيه :
1 - أما وظيفة الفقيه فليست إلا الكشف عن الأحكام الإلهية الثابتة لموضوعاتها ، وتطبيق القواعد والكليات الثابتة على مصاديقها المتحولة المتغيرة فالفقيه لا يجعل الأحكام الشرعية ، وإنما هو يكشف عنها ، أو يطبق القاعدة على موردها .
2 - هذا . . ولا شك في أن الفطرة والعقل والعقلاء يحكمون على من ليس له قدرة الكشف والتطبيق هذه - حيث لا يمكن الاحتياط[1]ولا يمكن العمل به - بالرجوع إلى الذي يملك هذه القدرة ، ويمارسها فعلاً . . لأنه هو المتخصص في هذه الجهة ، وله خبرات تؤهله لأن يكون مرجعاً لمن يفقد هذه الخبرات تماماً . . كذلك الذي يراجع الطبيب أو المهندس في ما يرتبط بهما من أمور الطب والهندسة ، لأنه هو لا يملك خبرات في هذين المجالين .
3 - كما أن الإنسان يفضل بحسب فطرته وسجيته وعقله : الأمهر من
[1]كما في كثير من الموارد العامة : سياسية واجتماعية وإدارية . . وغيرها .
الأطباء وأصحاب الاختصاصات ، ولا يراجع غيره إلا إذا لم يقدر على الاستفادة منه .
وقد أمر الله تعالى إرشاداً إلى ذلك ، فقال : ( فاسألوا أهل الذكر إن كنتم لا تعلمون )[1]. . وقال تعالى أيضاً مشيراً إلى أن ذلك مرتكز في فطرة الإنسان وسجيته : ( هل يستوي الذين يعلمون والذين لا يعلمون )[2].
4 - ومن الجهة الثالثة : فإن فطرة الإنسان وسجيته ، تدفعه إلى أن يهتم بمراجعة من يثق بصدقه وإخلاصه من أهل الاختصاصات . . وكلما كان الأمر أهم ، كلما زاد اهتمام الشخص في أن يجد من يجمع أقصى الشروط الملائمة لإنجاح وسلامة العمل الذي يرمي إليه على النحو الأكمل والأفضل . .
5 - وإذا كان الشرع والدين هو أعظم قضية يمكن أن تواجه هذا الإنسان ؛ لأنها تمس كل شؤون حياته الفردية والاجتماعية ، ويتوقف عليها مصيره ومستقبله ، إن دنيا ، وإن آخرة . وكل خلل يطرأ ، أو تجاوز يحصل ، فسيؤثر مباشرة على حياة الإنسان ومصيره . .
- إذا كان كذلك - فإنه لا بد وأن يسعى هذا الإنسان إلى أن يوفر كل الشروط والضمانات التي تجعله يحصل على أعلى درجات الاطمئنان والثقة في من يفترض فيه أن يكون قائداً ومعلماً ومرشداً له في هذا السبيل . . سواء من الناحية العلمية ، أو السلوكية ، أو غيرها من النواحي ، التي لها مساس بالمهمة التي يريده لأجلها . .
وليس ذلك إلا الرجل المجتهد العادل ، الذي بنى نفسه من الداخل قبل
[1]سورة النحل ، الآية : 43 .
[2]سورة الزمر ، الآية : 9 .
الظاهر ، والذي يكون ظاهره انعكاساً لباطنه . . الرجل الذي يملك أعظم المهارات والكفاءات العلمية في هذا المجال . . إلى غير ذلك من مواصفات نص عليها الفقهاء في كتبهم المعدة لذلك .
< فهرس الموضوعات > الطب . . والفقيه :
< / فهرس الموضوعات > الطب . . والفقيه :
وهكذا . . وإذا كان الطب هو إحدى تلك المجالات الواسعة التي تخضع للأحكام والتشريعات الإسلامية بشكل مباشر أحياناً ، أو غير مباشر أحياناً أخرى . . فإن من الطبيعي أن يرجع الطبيب والمريض ، وغيرهما ممن له علاقة في هذا المجال - إلى الكتب التي ألفها الرجل الأعلم في التشريع الإسلامي للتعرف على الأحكام الشرعية باستمرار ، لأن ذلك يؤثر في أحيان كثيرة على مواقفهم وتصرفاتهم بشكل عام . .
< فهرس الموضوعات > الطب في الاعتبار الشرعي :
< / فهرس الموضوعات > الطب في الاعتبار الشرعي :
لا شك في أن الطب يعتبر وظيفة شرعية ، واجباً كفائياً ، يعاقب الكل على تركه ، ويسقط عنهم بقيام بعضهم به ، ويمكن أن يؤيد ذلك ب :
1 - ما روي عن الصادق ( عليه السلام ) ، قال : لا يستغني أهل كل بلد عن ثلاثة يفزع إليهم في أمر دنياهم ، وآخرتهم ؟ فإن عدموا ذلك كانوا همجا : فقيه عالم ورع ، وأمير خير مطاع ، وطبيب بصير ثقة[1].
2 - وما روي عن أبي عبد الله ( عليه السلام ) ، قال : كان المسيح ( عليه السلام ) يقول : أن التارك شفاء المجروح من جرحه شريك جارحه لا محالة ، وذلك أن الجارح أراد فساد المجروح ، والتارك لإشفائه لم يشأ صلاحه ؛ فإذا لم يشأ صلاحه ؛
[1]تحف العقول ص 238 ، والبحار ج 78 ص 235 ، وسفينة البحار ج 2 ص 78 .
فقد شاء فساده اضطراراً الخ[1].
هذا كله . . عدا عن أن الإسلام يعتبر المؤمنين أخوة ، يجب الاهتمام بأمورهم ، وقضاء حاجاتهم ، ومعونتهم ، وأن يعضد بعضهم بعضاً ، في مواقع الابتلاء ، وأن يفيد المؤمن أخاه ، وأن ينفس كربته إلى غير ذلك مما لا يمكن حصره . . ولا يمكن أن تكون الناحية الطبية مستثناة من ذلك في أي من الظروف والأحوال ، إن لم تكن من أجلى مصاديق الكثير من تلك الأوامر المتضافرة والمتواترة . .
أهمية الطب إسلامياً :
وعدا عن كون الطب مسؤولية دينية تصل إلى حد الوجوب الكفائي . .
فإنه يكفي للتدليل على الأهمية الخاصة لهذا العلم بنظر الإسلام ، أنه قد اعتبره وعلم الأديان - ومعهما غيرهما ، كما في بعض النصوص - هما العلمان اللذان ينبغي التوجه إليهما ، والعمل على سبيل الحصول عليهما ؛ فعن أمير المؤمنين ( عليه السلام ) :
العلم علمان : « علم الأديان ، وعلم الأبدان »[2].
وعنه ( عليه السلام ) : العلم ثلاثة : « الفقه للأديان ، والطب للأبدان ، والنحو للسان »[3]. .
[1]روضة الكافي ص 345 ، والفصول المهمة ص 404 ، والوسائل ج 2 ص 629 و ج 11 ص 401 .
[2]طب الإمام الصادق ( عليه السلام ) ص 17 وقضاء أمير المؤمنين ( عليه السلام ) للتستري ص 144 والبحار ج 1 ص 220 وميزان الحكمة ج 6 ص 527 .
[3]تحف العقول ص 144 ، وطب الإمام الصادق ( عليه السلام ) ص 17 والبحار ج 78 ص 45 .
وبلفظ الكراجكي في جواهره : العلوم أربعة : الفقه للأديان : والطب للأبدان ، والنحو للسان ، والنجوم لمعرفة الأزمان[1]. .
< فهرس الموضوعات > شمولية الطب ولزوم التداوي :
< / فهرس الموضوعات > شمولية الطب ولزوم التداوي :
وقد روي عن النبي ( صلى الله عليه وآله ) : « ما أنزل الله من داء إلا أنزل له شفاء »[2]. وعن علي ( عليه السلام ) : « لكل علة دواء »[3]وعنه ( صلى الله عليه وآله ) : « تداووا فإن الله تعالى لم يخلق داء إلا خلق له شفاء ، إلا السام . والسام : الموت »[4].
وفي لفظ آخر عنه ( صلى الله عليه وآله ) : « إن الله تعالى لم ينزل داء إلا أنزل له دواء علمه من علمه ، وجهله من جهله إلا السام » الخ[5].
وعن الصادق ( عليه السلام ) : « أن نبياً من الأنبياء مرض ، فقال : لا أتداوى ، حتى يكون الذي أمرضني هو الذي يشفيني . أوحى الله تعالى إليه : لا أشفيك حتى تتداوى ، فإن الشفاء مني »[6].
< فهرس الموضوعات > رسالية الطب :
< / فهرس الموضوعات > رسالية الطب :
وعدا عن كون الطب مسؤولية دينية ؛ فإنه أيضاً ضرورة اجتماعية إنسانية ، ورسالة أخلاقية ، ومسؤولية عقلية . . ف :
1 - هو ضرورة إنسانية اجتماعية ؛ حيث يفترض في الإنسان أن يساهم
[1]طب الإمام الصادق ص 17 وكنز الفوائد للكراجكي ص 240 والبحار ج 2 ص 218 .
[2]البحار ج 62 ص 68 وعنه في ميزان الحكمة ج 3 ص 362 .
[3]غرر الحكم ج 2 وميزان الحكمة ج 3 ص 362 عنه .
[4]ميزان الحكمة ج 3 ص 363 عن كنز العمال الحديث رقم 28090 .
[5]ميزان الحكمة ج 3 ص 362 عن كنز العمال الحديث رقم 28079 .
[6]البحار ج 62 ص 66 عن مكارم الأخلاق وميزان الحكمة ج 3 ص 362 عنه .
في دفع المسيرة الإنسانية نحو تحقيق أهدافها وتطلعاتها ، وآمالها بالسعادة والهناء ، وبالوصول إلى أعلى مراتب الكمال الإنساني المنشود ، حيث تختفي كل عوامل ومظاهر الشقاء ، والتعب والعناء . .
2 - وهو مسوؤلية عقلية ؛ حيث لا بد منه لإجراء بقاء النوع الإنساني ، وللتخفيف من شقاء وبلاء وآلام هذا الإنسان . .
3 - وهو بالتالي رسالة أخلاقية . . لا مجال للمراء أو التشكيك فيها ، حيث تعبر عن سمو وكمال نفسي يرضي النفوس ويطمئنها ويريحها . . ولأجل ذلك لا نجد أحداً يعذر الطبيب الذي يمتنع عن معالجة مريضه - إذا كان يقدر على ذلك إذا تعلل بعدم أو بقلة ما يبذل له من مال ، ونجد الناس كلهم يعتبرون ذلك الطبيب فاقداً للأخلاق النبيلة والفاضلة . .
الطب والتجارة :
وهكذا يتضح : أن الطب بنظر الإسلام ليس حرفة يهدف منها إلى جمع المال ، والحصول على حطام الدنيا وإنما هو رسالة إنسانية ومسؤولية شرعية بالدرجة الأولى . .
لأن الحرفة التي يهدف صاحبها إلى أن يستخدمها في الحصول على المال . . تجعل لصاحبها الخيار في أن يتعامل مع هذا أو مع ذاك ، إذا وجد أن تعامله هذا يدر عليه نفعاً يرضيه . . وأن لا يتعامل معه إذا شاء ، حينما لا يجد في تعامله ذلك ما يرضي جشعه ، ويشبع جوعه ونهمه . .
وليس ذلك للطبيب قطعاً ؛ فإن التارك لشفاء المجروح من جرحه شريك جارحه لا محالة كما تقدم . .
ولا يملك ان يتساهل أو أن يتعلل ، انتظاراً للأجرة أو لزيادتها ، أو لأي
سبب آخر . . كما أنه لا يجوز له أن يتساهل أو أن يتوانى في معالجته له . . كما سنرى إن شاء الله تعالى . .
الأجرة للطبيب :
ولكن ما قدمناه لا يعني : أن لا يأخذ الطبيب أجراً أصلاً ، فإن ذلك معناه أن يكون كثير من الأطباء عالة على الآخرين ، كما أن ذلك يستدعي عدم إقبال الناس على تعلم هذا العلم ، وإتقانه ، فضلاً عن النبوغ والإبداع فيه ، وهو بالتالي يحرم الإنسانية من عنصر هام ، بل هو من أهم عناصر راحتها وسعادتها ، بل وتقدمها في مختلف مدارج الكمال ، والعظمة والمجد .
ولأجل ذلك نجد : أن الإمام العسكري ( عليه السلام ) يعطي الطبيب الذي فصده تخت ثياب ، وخمسين ديناراً[1].
وأعطاه أيضاً في مرة أخرى - على الظاهر - ثلاثة دنانير ، وكان الطبيب نصرانياً[2].
وفي رواية عن علي ( عليه السلام ) : ما دون السمحاق[3]أجر الطبيب[4].
وعن ابن عباس : أن النبي ( صلى الله عليه وآله ) : احتجم وأعطى الحجّام أجره[5]. والروايات الدالة على جواز أخذ الحجّام للأجرة كثيرة جداً ، وهي موجودة في
[1]الوسائل ج 12 ص 75 عن الخرائج والجرائح .
[2]الوسائل ج 12 ص 74 وفي هامشه عن الخرائج والجرائح ص 213 وعن أصول الكافي ص 285 .
[3]السمحاق : قشرة رقيقة فوق عظم الرأس .
[4]التهذيب للطوسي ج 10 ص 293 ح 18 والوسائل ج 19 ص 294 و 304 والفائق ج 4 ص 67 عن الشعبي ، وعبر ب « الموضحة » بدل : السمحاق .
[5]الموطأ مع تنوير الحوالك ج 3 ص 141 والطب النبوي لابن القيم ص 41 وفي هامشه عن الترمذي ، وأبي داوود ، وابن ماجة ، والمصنف لعبد الرزاق ج 11 ص 30 وفي هامشه عن البخاري كتاب الإجارة 4 / 308 وعن مسلم أيضاً .
كثير من المصادر .
إلا أن ثمة رواية عن سماعة تخالف ذلك ، وقد حملها الشيخ على الكراهة[1].
وقال العلامة قدس سره في المنتهى : « . . يجوز الاستيجار للختان ، وخفض الجواري ، والمداواة ، وقطع السلع ، وأخذ الإجرى عليه . لا نعلم فيه خلافاً ؛ لأنه فعل مأذون فيه شرعاً ، يحتاج إليه ويضطر إلى فعله ؛ فجاز الاستيجار عليه كسائر الأفعال المباحة . وكذا عقد الاستيجار للكحل ، سواء كان الكحل من العليل أو الطبيب . وقال بعض الجمهور : إن شرط على الطبيب لم يجز »[2].
وأما بالنسبة للدواء ، فقد روى محمد بن مسلم ، عن أبي جعفر ( عليه السلام ) ، قال : سألته عن الرجل يعالج الدواء للناس : فيأخذ عليه جعلاً ؟ فقال : لا باس به[3].
التجارة . . والسطحية :
وواضح : أنه إذا أصبح الهدف من تعلم الطب هو الحصول على المال والنوال ، وخلا من الإحساس الإنساني ، والدفع العاطفي ، ومن المسؤولية
[1]راجع : قرب الإسناد ص 52 و 53 ، والاستبصار ج 3 ص 58 - 60 و 64 والوسائل ج 12 ص 71 - 74 وفي هوامشه عن : التهذيب ج 2 ص 107 و 109 وعن فروع الكافي ج 1 ص 360 وعن الفقيه ج 2 ص 52 و 56 وعن البحار ج 10 ص 267 وعن العلل ، وغير ذلك كثير . .
[2]البحار ج 62 ص 65 .
[3]من لا يحضره الفقيه ج 3 ص 107 والبحار ج 62 ص 72 والوسائل ج 1 .