الظاهر ، والذي يكون ظاهره انعكاساً لباطنه . . الرجل الذي يملك أعظم المهارات والكفاءات العلمية في هذا المجال . . إلى غير ذلك من مواصفات نص عليها الفقهاء في كتبهم المعدة لذلك .
< فهرس الموضوعات > الطب . . والفقيه :
< / فهرس الموضوعات > الطب . . والفقيه :
وهكذا . . وإذا كان الطب هو إحدى تلك المجالات الواسعة التي تخضع للأحكام والتشريعات الإسلامية بشكل مباشر أحياناً ، أو غير مباشر أحياناً أخرى . . فإن من الطبيعي أن يرجع الطبيب والمريض ، وغيرهما ممن له علاقة في هذا المجال - إلى الكتب التي ألفها الرجل الأعلم في التشريع الإسلامي للتعرف على الأحكام الشرعية باستمرار ، لأن ذلك يؤثر في أحيان كثيرة على مواقفهم وتصرفاتهم بشكل عام . .
< فهرس الموضوعات > الطب في الاعتبار الشرعي :
< / فهرس الموضوعات > الطب في الاعتبار الشرعي :
لا شك في أن الطب يعتبر وظيفة شرعية ، واجباً كفائياً ، يعاقب الكل على تركه ، ويسقط عنهم بقيام بعضهم به ، ويمكن أن يؤيد ذلك ب :
1 - ما روي عن الصادق ( عليه السلام ) ، قال : لا يستغني أهل كل بلد عن ثلاثة يفزع إليهم في أمر دنياهم ، وآخرتهم ؟ فإن عدموا ذلك كانوا همجا : فقيه عالم ورع ، وأمير خير مطاع ، وطبيب بصير ثقة[1].
2 - وما روي عن أبي عبد الله ( عليه السلام ) ، قال : كان المسيح ( عليه السلام ) يقول : أن التارك شفاء المجروح من جرحه شريك جارحه لا محالة ، وذلك أن الجارح أراد فساد المجروح ، والتارك لإشفائه لم يشأ صلاحه ؛ فإذا لم يشأ صلاحه ؛
[1]تحف العقول ص 238 ، والبحار ج 78 ص 235 ، وسفينة البحار ج 2 ص 78 .
فقد شاء فساده اضطراراً الخ[1].
هذا كله . . عدا عن أن الإسلام يعتبر المؤمنين أخوة ، يجب الاهتمام بأمورهم ، وقضاء حاجاتهم ، ومعونتهم ، وأن يعضد بعضهم بعضاً ، في مواقع الابتلاء ، وأن يفيد المؤمن أخاه ، وأن ينفس كربته إلى غير ذلك مما لا يمكن حصره . . ولا يمكن أن تكون الناحية الطبية مستثناة من ذلك في أي من الظروف والأحوال ، إن لم تكن من أجلى مصاديق الكثير من تلك الأوامر المتضافرة والمتواترة . .
أهمية الطب إسلامياً :
وعدا عن كون الطب مسؤولية دينية تصل إلى حد الوجوب الكفائي . .
فإنه يكفي للتدليل على الأهمية الخاصة لهذا العلم بنظر الإسلام ، أنه قد اعتبره وعلم الأديان - ومعهما غيرهما ، كما في بعض النصوص - هما العلمان اللذان ينبغي التوجه إليهما ، والعمل على سبيل الحصول عليهما ؛ فعن أمير المؤمنين ( عليه السلام ) :
العلم علمان : « علم الأديان ، وعلم الأبدان »[2].
وعنه ( عليه السلام ) : العلم ثلاثة : « الفقه للأديان ، والطب للأبدان ، والنحو للسان »[3]. .
[1]روضة الكافي ص 345 ، والفصول المهمة ص 404 ، والوسائل ج 2 ص 629 و ج 11 ص 401 .
[2]طب الإمام الصادق ( عليه السلام ) ص 17 وقضاء أمير المؤمنين ( عليه السلام ) للتستري ص 144 والبحار ج 1 ص 220 وميزان الحكمة ج 6 ص 527 .
[3]تحف العقول ص 144 ، وطب الإمام الصادق ( عليه السلام ) ص 17 والبحار ج 78 ص 45 .
وبلفظ الكراجكي في جواهره : العلوم أربعة : الفقه للأديان : والطب للأبدان ، والنحو للسان ، والنجوم لمعرفة الأزمان[1]. .
< فهرس الموضوعات > شمولية الطب ولزوم التداوي :
< / فهرس الموضوعات > شمولية الطب ولزوم التداوي :
وقد روي عن النبي ( صلى الله عليه وآله ) : « ما أنزل الله من داء إلا أنزل له شفاء »[2]. وعن علي ( عليه السلام ) : « لكل علة دواء »[3]وعنه ( صلى الله عليه وآله ) : « تداووا فإن الله تعالى لم يخلق داء إلا خلق له شفاء ، إلا السام . والسام : الموت »[4].
وفي لفظ آخر عنه ( صلى الله عليه وآله ) : « إن الله تعالى لم ينزل داء إلا أنزل له دواء علمه من علمه ، وجهله من جهله إلا السام » الخ[5].
وعن الصادق ( عليه السلام ) : « أن نبياً من الأنبياء مرض ، فقال : لا أتداوى ، حتى يكون الذي أمرضني هو الذي يشفيني . أوحى الله تعالى إليه : لا أشفيك حتى تتداوى ، فإن الشفاء مني »[6].
< فهرس الموضوعات > رسالية الطب :
< / فهرس الموضوعات > رسالية الطب :
وعدا عن كون الطب مسؤولية دينية ؛ فإنه أيضاً ضرورة اجتماعية إنسانية ، ورسالة أخلاقية ، ومسؤولية عقلية . . ف :
1 - هو ضرورة إنسانية اجتماعية ؛ حيث يفترض في الإنسان أن يساهم
[1]طب الإمام الصادق ص 17 وكنز الفوائد للكراجكي ص 240 والبحار ج 2 ص 218 .
[2]البحار ج 62 ص 68 وعنه في ميزان الحكمة ج 3 ص 362 .
[3]غرر الحكم ج 2 وميزان الحكمة ج 3 ص 362 عنه .
[4]ميزان الحكمة ج 3 ص 363 عن كنز العمال الحديث رقم 28090 .
[5]ميزان الحكمة ج 3 ص 362 عن كنز العمال الحديث رقم 28079 .
[6]البحار ج 62 ص 66 عن مكارم الأخلاق وميزان الحكمة ج 3 ص 362 عنه .
في دفع المسيرة الإنسانية نحو تحقيق أهدافها وتطلعاتها ، وآمالها بالسعادة والهناء ، وبالوصول إلى أعلى مراتب الكمال الإنساني المنشود ، حيث تختفي كل عوامل ومظاهر الشقاء ، والتعب والعناء . .
2 - وهو مسوؤلية عقلية ؛ حيث لا بد منه لإجراء بقاء النوع الإنساني ، وللتخفيف من شقاء وبلاء وآلام هذا الإنسان . .
3 - وهو بالتالي رسالة أخلاقية . . لا مجال للمراء أو التشكيك فيها ، حيث تعبر عن سمو وكمال نفسي يرضي النفوس ويطمئنها ويريحها . . ولأجل ذلك لا نجد أحداً يعذر الطبيب الذي يمتنع عن معالجة مريضه - إذا كان يقدر على ذلك إذا تعلل بعدم أو بقلة ما يبذل له من مال ، ونجد الناس كلهم يعتبرون ذلك الطبيب فاقداً للأخلاق النبيلة والفاضلة . .
الطب والتجارة :
وهكذا يتضح : أن الطب بنظر الإسلام ليس حرفة يهدف منها إلى جمع المال ، والحصول على حطام الدنيا وإنما هو رسالة إنسانية ومسؤولية شرعية بالدرجة الأولى . .
لأن الحرفة التي يهدف صاحبها إلى أن يستخدمها في الحصول على المال . . تجعل لصاحبها الخيار في أن يتعامل مع هذا أو مع ذاك ، إذا وجد أن تعامله هذا يدر عليه نفعاً يرضيه . . وأن لا يتعامل معه إذا شاء ، حينما لا يجد في تعامله ذلك ما يرضي جشعه ، ويشبع جوعه ونهمه . .
وليس ذلك للطبيب قطعاً ؛ فإن التارك لشفاء المجروح من جرحه شريك جارحه لا محالة كما تقدم . .
ولا يملك ان يتساهل أو أن يتعلل ، انتظاراً للأجرة أو لزيادتها ، أو لأي
سبب آخر . . كما أنه لا يجوز له أن يتساهل أو أن يتوانى في معالجته له . . كما سنرى إن شاء الله تعالى . .
الأجرة للطبيب :
ولكن ما قدمناه لا يعني : أن لا يأخذ الطبيب أجراً أصلاً ، فإن ذلك معناه أن يكون كثير من الأطباء عالة على الآخرين ، كما أن ذلك يستدعي عدم إقبال الناس على تعلم هذا العلم ، وإتقانه ، فضلاً عن النبوغ والإبداع فيه ، وهو بالتالي يحرم الإنسانية من عنصر هام ، بل هو من أهم عناصر راحتها وسعادتها ، بل وتقدمها في مختلف مدارج الكمال ، والعظمة والمجد .
ولأجل ذلك نجد : أن الإمام العسكري ( عليه السلام ) يعطي الطبيب الذي فصده تخت ثياب ، وخمسين ديناراً[1].
وأعطاه أيضاً في مرة أخرى - على الظاهر - ثلاثة دنانير ، وكان الطبيب نصرانياً[2].
وفي رواية عن علي ( عليه السلام ) : ما دون السمحاق[3]أجر الطبيب[4].
وعن ابن عباس : أن النبي ( صلى الله عليه وآله ) : احتجم وأعطى الحجّام أجره[5]. والروايات الدالة على جواز أخذ الحجّام للأجرة كثيرة جداً ، وهي موجودة في
[1]الوسائل ج 12 ص 75 عن الخرائج والجرائح .
[2]الوسائل ج 12 ص 74 وفي هامشه عن الخرائج والجرائح ص 213 وعن أصول الكافي ص 285 .
[3]السمحاق : قشرة رقيقة فوق عظم الرأس .
[4]التهذيب للطوسي ج 10 ص 293 ح 18 والوسائل ج 19 ص 294 و 304 والفائق ج 4 ص 67 عن الشعبي ، وعبر ب « الموضحة » بدل : السمحاق .
[5]الموطأ مع تنوير الحوالك ج 3 ص 141 والطب النبوي لابن القيم ص 41 وفي هامشه عن الترمذي ، وأبي داوود ، وابن ماجة ، والمصنف لعبد الرزاق ج 11 ص 30 وفي هامشه عن البخاري كتاب الإجارة 4 / 308 وعن مسلم أيضاً .
كثير من المصادر .
إلا أن ثمة رواية عن سماعة تخالف ذلك ، وقد حملها الشيخ على الكراهة[1].
وقال العلامة قدس سره في المنتهى : « . . يجوز الاستيجار للختان ، وخفض الجواري ، والمداواة ، وقطع السلع ، وأخذ الإجرى عليه . لا نعلم فيه خلافاً ؛ لأنه فعل مأذون فيه شرعاً ، يحتاج إليه ويضطر إلى فعله ؛ فجاز الاستيجار عليه كسائر الأفعال المباحة . وكذا عقد الاستيجار للكحل ، سواء كان الكحل من العليل أو الطبيب . وقال بعض الجمهور : إن شرط على الطبيب لم يجز »[2].
وأما بالنسبة للدواء ، فقد روى محمد بن مسلم ، عن أبي جعفر ( عليه السلام ) ، قال : سألته عن الرجل يعالج الدواء للناس : فيأخذ عليه جعلاً ؟ فقال : لا باس به[3].
التجارة . . والسطحية :
وواضح : أنه إذا أصبح الهدف من تعلم الطب هو الحصول على المال والنوال ، وخلا من الإحساس الإنساني ، والدفع العاطفي ، ومن المسؤولية
[1]راجع : قرب الإسناد ص 52 و 53 ، والاستبصار ج 3 ص 58 - 60 و 64 والوسائل ج 12 ص 71 - 74 وفي هوامشه عن : التهذيب ج 2 ص 107 و 109 وعن فروع الكافي ج 1 ص 360 وعن الفقيه ج 2 ص 52 و 56 وعن البحار ج 10 ص 267 وعن العلل ، وغير ذلك كثير . .
[2]البحار ج 62 ص 65 .
[3]من لا يحضره الفقيه ج 3 ص 107 والبحار ج 62 ص 72 والوسائل ج 1 .
الشرعية والأخلاقية . . فإنه عدا عن أن ذلك يمكن أن يجعل من هذا العلم - كما جعل من كثير غيره - وبالاً على الإنسان وعلى الإنسانية . . لا بد وأن تقل فيه نسبة الإبداع والعمق ، بحيث لا ينسجم ذلك مع حجم العمل والعاملين فيه . . ولا يبقى ثمة ما يؤهله لان يقدم للأمة وللأجيال المزيد من المعارف الدقيقة والهامة ، ويفتح أمامها آفاقاً جديدة في مجالاته المختلفة . . كما . . وتصبح المؤسسات الطبية مجرد حرف جافة لا تهتم بإسعاد هذا الإنسان بقدر ما تهتم بسلبه ونهب ثرواته ، ومن ثم بزيادة شقائه وبلائه . .
نعم . . وحينئذٍ تبدأ عملية العد العكسي لازدهار العلوم ، ويتجه المتعلمون - في الأكثر - إلى السطحية ، ثم إلى الجهل الذي يستتبع الكثير من التدليس والتزييف . . ثم أن يفقد الإنسان أخلاقياته وإنسانيته ، وليتحول إلى موجود خسيس ورذل ، ويكون كالبهيمة المربوطة ، همها علفها ، على حد تعبير أمير المؤمنين ( عليه السلام ) .
حبس الجهال من الأطباء :
ولأجل ما تقدم . . نجد أن الإسلام قد وقف في وجه هذه الظاهرة بقوة وحزم ، حتى لقد روي عن أمير المؤمنين ( عليه السلام ) قوله :
« يجب على الإمام أن يحبس الفساق من العلماء ، والجهال من الأطباء الخ . . »[1].
نعم . . يجب ذلك ؛ لأن ممارسة الجاهل لأعمال الطب ، كثيراً ما تزيد من آلام ومتاعب المريض ، وتعرض راحته ، ومستقبله - إن لم نقل تعرض حياة الكثيرين - للأخطار الجسام . . وكما أن فساق العلماء يفسدون الدين ،
[1]من لا يحضره الفقيه ج 3 ص 20 والتهذيب للشيخ ج 6 ص 319 والنهاية للشيخ أيضاً ص 62 ، والوسائل ج 18 ص 221 ، وقصار الجمل ج 1 ص 299 .
فإن جهال الأطباء يفسدون الأبدان ، ويسلبون الإنسان الراحة والسعادة في الدنيا ، فيجب ردعهم ، والوقوف في وجههم ، بكل قوة وشدة . .
ضمان الجاهل لما يفسده :
وانطلاقاً مما تقدم . . فإن الجهال إذا مارسوا الطب ، وأفسدوا ما يفترض فيهم أن يصلحوه ، فإنهم يكونون مسؤولين عن إفسادهم ذاك عقلاً ، وعرفاً ، وشرعاً ، لقاعدة : الضمان على كل متلف . . فإذا أدى ذلك إلى الموت : فإنه يضمن دية الخطاء ، كما هو معلوم .
وذلك أمر مفروغ عنه بين الفقهاء « بلا خلاف في ذلك » بل في التنقيح : « الطبيب القاصر المعرفة ضامن لما يتلفه بعلاجه اجماعاً »[1].
كما أن هذا الأمر مجمع عليه لدى أهل العلم من غير شيعة أهل البيت ( عليهم السلام )[2].
كما أنهم قد رووا عنه ( صلى الله عليه وآله ) : « من تطبب ولم يعلم منه الطب [ قبل ذلك ] فهو ضامن » . وبمعناه غيره[3].
وفي نص آخر : « من تطبب ولم يكن بالطب معروفاً ، فإذا أصاب نفساً
[1]راجع : الجواهر ج 43 ص 44 - 45 والمسالك كتاب الديات ، موجبات الضمان ، والرياض ج 2 ص 537 ومباني تكملة المنهاج ج 2 ص 222 ، وعن مجمع البرهان كتاب الديات ص 1 . فإن هؤلاء جميعاً قد نصوا على عدم الخلاف في ذلك ، أو نقلوا الاجماع عن التنقيح .
[2]الطب النبوي لابن القيم ص 109 .
[3]كنز العمال ج 10 ص 16 ، ورمز إلى : مستدرك الحاكم ، وسنن أبي داوود ، وابن ماجة ، والبيهقي ، والنسائي ، والطب النبوي لابن القيم ص 107 عن بعض من ذكر ، والتراتيب الإدارية ج 1 ص 466 عن الدارقطني وغيره ومعالم القربة ص 255 وسنن ابن ماجة الحديث رقم 3466 وميزان الحكمة ج 5 ص 533 عنه وعن كنز العمال .