مبدأ ظهور الطب:
أما متى و كيف كان ظهور علم الطب؟ ففيه اختلاف بين المؤرخين ...
فيرى البعض: أن سحرة اليمن هم الذين وضعوا أساس علم الطب.
و يرى آخرون: أنهم السحرة من فارس. و فرقة ثالثة: أنهم المصريون، و رابعة: الهنود، أو الصقالبة، أو قدماء اليونانيين، أو الكلدان، الذين نسب إليهم: أنهم كانوا يضعون مرضاهم في الأزقة، و معابر الطرق، حتى إذا مر بهم أحد قد أصيب بذلك الداء و شفي أعلمهم بسبب شفائه؛ فيكتبون ذلك على ألواح، يعلقونها في الهياكل، فلذلك كان التطبيب عندهم من جملة أعمال الكهنة و خصائصهم[1]. و قيل غير ذلك ...
و لكن إبن أبي أصيبعة يرى: أن اختراع هذا الفن لا يجوز نسبته إلى بلد خاص، أو مملكة معينة، أو قوم مخصوصين، إذ من الممكن وجوده عند أمة
[1]- راجع في كل ما تقدم: عيون الأنباء ص 12 و قبلها، و الفهرست لإبن النديم ص 412، و طب الإمام الصادق للخليلي ص 5- 6 و تاريخ التمدن الإسلامي، المجلد الثاني ص 22، و دائرة معارف القرن العشرين لوجدي ج 5 ص 661 إلى غير ذلك من المصادر الكثيرة.
قد انقرضت، و لم يبق من آثارها شيء، ثم ظهر عند قوم آخرين، ثم انحط عندهم حتى نسي، ثم ظهر على أساس هؤلاء لدى غيرهم؛ فنسب اليهم اختراعه، أو اكتشافه[1].
هذا ... و ثمة رأي آخر يقول: ان صناعة الطب مبدؤها الوحي و الإلهام، و قد قال الشيخ المفيد قدس اللّه نفسه الزكيّة:
«الطب صحيح، و العلم به ثابت، و طريقه الوحي، و انما أخذه العلماء به عن الأنبياء، و ذلك أنه لا طريق إلى علم حقيقة الداء إلّا بالسمع، و لا سبيل إلى معرفة الدواء إلّا بالتوفيق ... الخ»[2]... هذا ... و قد ذكروا لهذا القول دلائل و شواهد، لا مجال لإيرادها هنا؛ فمن أرادها فليراجعها في مظانها[3].
أما نحن ... فنرى: أن الطب قد وجد منذ وجد الإنسان على وجه هذه الأرض، فمنذ ذلك الحين عانى من الداء، فوفق بإلهام من اللّه إلى كثير من الامور الّتي يمكن أن تعتبر دواء ...
كما أننا نرى: أن كثيرا من المعالجات. و إن كانت قد جاءت عن طريق ارشادات الأنبياء (ع) السلام للناس إليها، كما قاله الشيخ المفيد ... الا أنه ليس كله كذلك، بل فيه ما جاء عن طريق التجرية أيضا، أو الصدفة، أو الفكر و الملاحظة، بعد الإطلاع على طبائع بعض الأشياء، كما هو مشاهد و ملموس ... و لعلنا يمكن أن نجد لدى إبن أبي أصيبعة بعض الميل إلى هذا
[1]- راجع عيون الأنباء ص 27 ط سنة 1965 و طب الإمام الصادق ص 5- 6.
[2]- البحار ج 62 ص 75.
[3]- راجع على سبيل المثال: عيون الأنباء ص 13، فما بعدها و البحار ج 62 ص 75 و طب الإمام الصادق، حديث الاهليلجة ص 43- 50 عن البحار ...
الرأي[1]، و إن كان قد عبر في أول كلامه عن صعوبة الجزم برأي ما، في هذا المجال ...
الصلة بين الطب، و السحر، و الكهانة:
ان الذي يراجع تاريخ الشعوب و الامم الخالية يجد: أنه قد كان ثمة صلة وثيقة جدا بين السحر و الطب، فقد كانوا يداوون مرضاهم بالسحر، و كان السّاحر طبيبا يداوي المريض بسحره: و كذلك كان الكهان يداوون المرضى ايضا.
نعم ... لقد كانوا يداوون مرضاهم بالرقى و التضرعات و التوسلات للآلهة. و لاجل ذلك كان الطب من جملة اختصاصات الكهان عموما في تلك الأزمنة[2].
و قد تقدمت الإشارة إلى أن الكثيرين ينسبون هذا العلم إلى كهنة بابل، أو كهنة الفرس، أو كهنة اليمن إلى آخر ما تقدم ... الأمر الذي يوضح الدور الهام لهذا الصنف من الناس ... و لسوف نجد فيما يأتي أيضا بعض ما يشير إلى هذا:
الطب عند الامم السالفة:
هذا ... و لا بأس بأن نذكر لمحة عن حالة الطب لدى الأمم السالفة، و ان كنا لا نرى تفاوتا كبيرا في نوعية المعالجات و التوجهات الطبية بين تلك الأمم، بحيث يجعل في الحديث عن كل واحدة على حده كبير فائدة أو جليل أثر.
[1]- راجع عيون الأنباء ص 17- 26. ط سنة 1965.
[2]- المفصل في تاريخ العرب قبل الإسلام ج 8 ص 380 عن ارشاد الساري ج 8 ص 360.
و تاريخ التمدن الإسلامي، المجلد الثاني ص 22، و غير ذلك من المصادر الكثيرة ...
و لكننا مع ذلك ... سنحاول أن نظهر بعض التوجهات الخاصة التي نلمحها لدى كل أمة بقدر الامكان، و ذلك على النحو التالي:
1- الطب عند المصريين:
لقد كانت الرقى و العزائم أساس الطب المصري القديم، لاعتقادهم أن الأمراض من الآلهة، فلا تشفيها إلا التوسلات لها، فكانوا يلجأون إلى الكهنة لقربهم منها[1].
و أول طبيب عرف باسمه من المصريين هو (ايمتحب) الذي عاش حوالي القرن الثلاثين قبل الميلاد[2].
و توجد أوراق من البردى- و هي سبع- و قد كتب بعضها في القرن السادس أو السابع عشر، و بعضها قبل ألفي سنة للميلاد، و فيها ما يرتبط بالطب[3].
و يذكر وجدي أنه من المعروف: أن أحد فراعنة مصر، و هو نيتي بن فينيس، قد ألف كتابا في علم التشريح. و اشتهر الملك (نيخور دفس) و هو من الاسرة الثالثة من الفراعنة بوضعه رسالة في الطب، كما أن قيروش ودار ملكي الفرس قد عينا في قصورهما أطباء من المصريين.
و يقول وجدي: «كان للاطباء المصريين امتيازات، مثل اعفائهم من الضرائب و كان الناس يحملون إليهم هدايا بدل الأجور، و كان منهم من هو
[1]- المفصل في تاريخ العرب قبل الإسلام ج 8 ص 381.
[2]- تاريخ العلم ج 1 ص 112 تأليف: جورج سارتون.
[3]- تاريخ العلم ج 1 ص 113 و راجع ص 196/ 197 و دائرة معارف القرن العشرين لوجدي ج 5 ص 659/ 660.
موظف عند الحكومة تنقده أجره في كل شهر، و كان الناس يستشيرونه بدون أجر»[1].
2- الطب عند الكلدان، و البابليين، و الاشوريين، و الاسرائيليين:
أما الكلدان فكان أطباؤهم من السحرة، و كان جل اهتمامهم موجها إلى معالجة المريض بالرقى، مع السماح له بتعاطي بعض الأعشاب، و كانت جميع الأمراض عندهم تعزى إلى الأرواح الشريرة.
كما أن الأشوريين و البابليين كانوا يعتمدون في معالجاتهم على الرقى و العزائم بصورة عامة .. و يعتمدون فيما عن البابليين على الوثائق التي وجدت في خزانة كتب الملك آشور بانيبال، و هي الآن في المتحف البريطاني، و يرجع حكم ذلك الملك إلى القرن السابع قبل الميلاد[2].
و قد تقدم: أن كهنة بابل كانوا يضعون مرضاهم في الأزقة، و معابر الطرق حتى إذا مرّ أحد كان قد اصيب بهذا المرض و شفي، أعلمهم بسبب شفائه، فيكتبون ذلك ... الخ.
و يوجد في قانون حمورابي الأشوري، الذي حكم حوالي القرن العشرين قبل الميلاد مواد قانونية خاصة بالطب الجراحي[3].
أما الإسرائيليون، فقد كان الطب عندهم بيد رجال الدين، و قد وجد في التلمود بعض ما يرتبط بالطب[4].
[1]- راجع: تاريخ العلم ج 1 ص 196، و راجع دائرة معارف القرن العشرين ج 5 ص 661.
[2]- راجع: تاريخ العلم ج 1 ص 196، و راجع دائرة معارف القرن العشرين ج 5 ص 661.
[3]- تاريخ العلم ج 1 ص 198/ 199.
[4]- دائرة معارف القرن العشرين ج 5 ص 661/ 662.
و لكن ليعلم: أن التلمود ليس له من القدم بحيث يعبر وجود ذلك فيه عن نبوغ خاص للإسرائيليين في علم الطب، بل هو قد وضع بعد أن قطع الطب شوطا كبيرا في كثير من مجالاته.
3- الطب عند الهنود:
و هو عندهم أيضا يعتمد على السحر و الرقى، و في كتابهم المسمى (ريجفيدا) الذي يتحدث عن خصائص أعشاب كثيرة تجد دعوات تتلى لكثير من الأمراض.
و «كان الطب عندهم بيد البراهمة، و قد عرف اليونانيون أيام مدنيتهم بأن الطب الهندي أرقى من طبهم، و لكنهم لم يفصلوا وجه هذا الرقى، فقد تكلم ابقراط كثيرا عن علاجاتهم، و كان تيوفراست يذكر أعشابا طبية أخذها عنهم»[1].
4- الطب عند الصينيين:
و يذكر وجدي ان الصينيين يزعمون: أنه كان لديهم حدائق لتربية النباتات الطبية قبل المسيح بثلاثة آلاف عام، و ينسبون إلى الملك (هوانج تي) كتابا في الطب ألفه- حوالي سنة 2600 قبل الميلاد، و هو باق عندهم إلى اليوم.
و قد استفاد منهم الاوروبيون في معارفهم الطبية، و يقال: ان العالم «بوردو» قد أخذ مباحثه في النبض عن الكتب الصينية، و المادة الطبية، كانت اهم ما شغلهم و يعتبر كتابهم المسمى (بنتاو) كنز المادة الطبية و فيه (1100) مادة يسرد خصائصها العلاجية.
[1]- المصدر السابق ج 5 ص 662.
و صناعة الطب عندهم حرة يتعاطاها من شاء، و كانت مدارسهم الطبية في المدن إلى القرن العاشر كثيرة، ثم إختفت إلا مدرسة في العاصمة[1].
5- الطب عند اليونان، و الرومان:
لقد رأينا في الإلياذة لهوميروس إشارات إلى كثير من المعلومات الطبية و لا سيما الجراحية[2].
و كان الطب موجودا لدى اليونان قبل ابقراط، لانه هو نفسه ينقل عن مؤلفات سابقة، و لكن ابقراط قد خلص هذا العلم مما علق به من الشعوذة و العقائد بالأرواح، و لم يقم ابقراط بما قام به إلا اعتمادا على الثروة الطبية الجيدة التي ورثها عن أسلافه[3].
و يذكر وجدي أيضا: أن الكتب الّتي سبقت ابقراط مفقودة، و ليس لدينا أقدم من كتبه الآن، و كان الطب عندهم سحريا يعتمد على الرقى و العزائم. ثم لما نبغ الفلاسفة أمثال أنكزيماندوا، و بارفيد، و هيراقليت و غيرهم تكلموا في الاهوية، و الاغذية، و الامراض، و غير ذلك. ثم جاء فيثاغورس فاشتغل بالطب و كتب امبيدو كل في الجنين و الحواس، و الوراثة و التوالد.
ثم ترقى الطب عندهم حتى أس بطليموس الأول و الثاني ملكا مصر مدرسة الإسكندرية، التي نبغ منها جالينوس، الذي عاش في القرن السادس قبل الهجرة.
و كان الطب الروماني مبنيا على الخرافات و الاوهام، و اليونان هم الذين
[1]- راجع: دائرة معارف القرن العشرين ج 5 ص 663.
[2]- تاريخ العلم ج 2 ص 215.
[3]- تاريخ العلم ج 2 ص 217 و دائرة معارف القرن العشرين ج 5 ص 664.
أدخلوا العلم الطبي إليهم من مدرسة الإسكندرية- التي استمرت- كما يقول البعض[1]إلى أواخر القرن الأول الهجري- و لعل أول طبيب يوناني دخل رومية هو أركاجانوس بن ليزانياس سنة 192 قبل المسيح، ثم سقط إلى الحضيض على أثر بعض أعماله الجراحية، ثم عاد فدخلها من العلماء اليونانيين من كان له أثر كبير في نشر هذا العلم هناك[2].
6- الطب عند الفرس:
قد تقدم أن البعض يقول: ان كهنة الفرس هم واضعوا علم الطب.
و يذكر وجدي: أن الطب كان عندهم مخلوطا من الرقى و التعزيم، و شيء من المبادىء الطبية العلمية. و ان تاريخ الطب عندهم يصعد إلى نحو القرن الرابع قبل المسيح (ع)، و أصوله الأولية مذكورة في كتابهم المقدس زندافستا في الفصل المعنون به «فنديد» و خصوصا تحت عنوان «فارجاد»، و هو أحدث تاريخا من كتب «الفيدا» الهندية المقدسة[3].
و كحصيلة لما تقدم، فان جورج سارتون يقول: ان في وسعنا أن نقرر:
ان القسم الأكبر من المعارف الطبية يرجع إلى الألف الثالث قبل الميلاد[4].
هذا ... و لا همية جامعة جند يشابور في النهضة الإسلامية، نرى أنه لا
[1]- تاريخ طب در إيران ج 2 ص 13.
[2]- دائرة معارف القرن العشرين ج 5 ص 664/ 665 و في تاريخ العلم ص 215- 320 بحث شامل عن الطب اليوناني الأبقراطي ... و لعل هذا التعمد في إظهار عظمة الطب اليوناني من أجل التقليل من أهمية النهضة الطبيّة الإسلامية العظمى الّتي أنست من قبلها و أعجزت من بعدها.
[3]- راجع: دائرة معارف القرن العشرين ج 5 ص 663.
[4]- تاريخ العلم ج 1 ص 197.