بل لقد رأينا الرسول الأكرم6: قد أمر أسرى المشركين في بدر، الّذين لا يجدون ما يفدون به أنفسهم: أن يعلم الواحد منهم عشرة من أطفال المسلمين القراءة و الكتابة، و يطلق6: «سراحهم في مقابل ذلك» ...[1]و لسنا بحاجة إلى التّعليق على هذه القضيّة، فانها بنفسها تعبر عن نفسها، و من أراد الإطلاع على بعض ما يمكن أن يقال في ذلك، فليراجع كتابنا: الصحيح من سيرة النبي6ج 2 ص 257/ 258.
القسم الإسلامي للطبيب:
و بعد أن يتخرج ذلك التلميذ، و يصير طبيبا حاذقا، فاننا نتصور شخصيا: أن من الراجح أن يقسم اليمين التالي، قبل أن يعطى إجازة للعمل في هذا المجال:
بسم اللّه الرحمن الرحيم:
و الحمد للّه رب العالمين، و الصلاة و السلام على محمّد و آله الطّاهرين، و اللعنة على أعدائهم أجمعين، إلى قيام يوم الدين ..
أقسم باللّه العلي العظيم، و بكل مقدساتي، و بكل الكتب السماوية: أن أبذل جهدي و طاقتي في معالجة المرضى، و لا أفرق بين غنيهم و فقيرهم، و لا
[1]- مسند أحمد بن حنبل ج 1 ص 247 و تاريخ الخميس ج 1 ص 395 و السيرة الحلبية ج 2 ص 193 و الروض الآنف ج 3 ص 84 و طبقات إبن سعد ج 2 قسم 1 ص 14 و التراتيب الإدارية ج 2 ص 348 و ج 1 ص 48/ 49 عن السهيلي، و عن المطالع النصرية في الأصول الخطية لابي الوفا نصر الدين الهوريني، و كتابنا: الصحيح من سيرة النبي ج 3 ص 257 عمن تقدم و عن الامتاع ص 101 و عن المقريزي ..
أغش، و لا أتساهل في ذلك، و أن أعاملهم بالأخلاق الإسلامية و الإنسانية الفاضلة، و أن ألتزم بالاحكام الشرعية في عملي هذا. و أن أعتبر ذلك أمانة في عنقي، يسألني اللّه عنها يوم ألقاه، و أن أعمل على أداء هذه الإمانة على أكمل وجه.
و أشهد اللّه تعالى على ذلك، و اللّه خير الشاهدين ..
الفصل الثالث: ماذا عن: الطبيب ... و العلاج
این صفحه در کتاب اصلی بدون متن است / هذه الصفحة فارغة في النسخة المطبوعة
الطبيب أمام الواجب
إن من الواضح. أن المريض لا يستطيع أن يعلق آماله فيما هو فيه على أحد، حتّى على أقرب النّاس إليه؛ حتّى ولده، و أبويه؛ لانه يعرف: أنهم لا يملكون لإنقاذه حيلة، و لا يجدون للتخفيف من آلامه سبيلا ..
و إنّما هو يتجه بأماله و توقعاته إلى ذلك الّذي أمره اللّه بمراجعته في حالات كهذه، ألا و هو الطبيب العارف ... فالطبيب هو الّذي يستطيع أن يقدم له معونة من نوع ما، و هو الّذي يمكنه أن يخفف من آلامه، و ينقذه مما هو فيه ...
و من البديهي: أن التداوي و الرجوع إلى الطبيب لا ينافي التوكل، كما لا ينافيه الأكل و الشرب لدفع الجوع، كما ذكروه[1].
و إذن ... فالطبيب يتحمل أعظم المسؤولية في هذه المجال ... سواء على صعيد تقديم العون المادي بالدواء و العلاج النافع ... أو على صعيد المعونة الروحية و النفسيّة، فهو الّذي يستطيع أن يبعث البهجة في نفس المريض، و ينعش فيه أملا، و يعيد إليه الثّقة بالحياة و بالمستقبل.
[1]- البحار ج 62 ص 77 و فتح الباري ج 10 ص 114 و الطب النبوي لإبن القيم ص 10.
و على هذا ... فقد كانت مسؤوليات و مواصفات الطبيب في نفسه، و بالنسبة لعلاقته بمن يفترض فيه أن يعالجه كثيرة و متنوعة من وجهة نظر إسلامية ... و نحن نجمل بعضها في هذا الفصل على النّحو التالي:
المبادرة إلى العلاج:
فلا يجوز للطبيب التّعلل بعدم الاجرة، أو بقلتها، فان التّارك شفاء المجروح من جرحه شريك جارحه لا محالة، لان جارحه أراد فساده، و هذا لم يرد صلاحه كما تقدم.
فالسلبية هنا لا تعني إلّا اتخاذ الموقف المضاد، لانها تعني فسح المجال لفتك المرض بصاحبه، و التّغلب على سائر ما يملكه من قدرات و مناعات، و بالتالي إلحاق أفدح الخسائر فيه.
و بعد ... فان المبادرة إلى العلاج هو ما تفرضه الأخلاق الفاضلة، و الإنسانية الرفيعة، و الفطرة السليمة و المستقيمة. و تنسجم مع أريحية الإنسان، و مع عواطفه النبيلة، و سجاياه الرضية الكريمة.
مداواة حكام الجور:
و بالنسبة لمداواة حكام الجور، فعدا عن أن ذلك يكون من قبيل تهيئة الفرصة لهم للاستمرار في بغيهم و ظلمهم، و ان لم يكن مساعدة مباشرة لهم على ذلك- عدا عن ذلك- فاننا نجد الإمام الحسين (ع) يقول:
«لا تصفن لملك دواء، فان نفعه لم يحمدك، و ان ضره اتهمك»[1].
و واضح: أن مراده (ع) هنا: هو ملوك الجور، لانهم هم الّذين يمتازون
[1]- البحار ج 78 ص 127 عن اعلام الدين و ج 75 ص 382 عنه و ميزان الحكمة ج 3 ص 367 عن البحار ج 75 ص 282 أيضا.
بهذه الصّفة غير الحسنة ... كما هو معلوم.
عدم التمييز بين الغني و الفقير:
أما لزوم عدم التمييز بين الغني و الفقير، فنحسب أنه لا يحتاج إلى بيان و لا إلى إقامة برهان، فان الوجوب الشرعي الكفائي، أو العيني أحيانا، لم يلاحظ فيه الغني دون الفقير، و لا الأبيض دون الأسود.
بل يمكن أن يقال: ان اهتمام الإسلام بالفقير يفوق كثيرا اهتمامه بالغني أضف إلى ذلك: ان الغني يقدر على الوصول إلى ما يريد، عن طريق بذل ماله دون الفقير.
و بعد ... فان الأوامر القاضية برجحان قضاء حاجة المريض، و الإهتمام بأمره، و ترتيب الثواب على ذلك- و هي متواترة- لم تخصص غنيا، و لا فقيرا و لا غيرهما بذلك.
و كذلك الحال بالنسبة للروايات القاضية بلزوم المبادرة إلى شفاء المجروح من جرحه ... بل جميع الروايات الّتي تتعلق بالطب، و هي تعد بالمئات، لا يمكن أن تلمح فيها أثرا لظاهرة التمييز هذه، مهما كان حجمه، و نوعه.
هذا ... و لا يجب أن ننسى تلك الروايات الّتي تذم من يحترم الغني، و يجعل له امتيازا من أجل غناه ... و يكفي أن نذكر هنا ما روي عن الإمام الرضا (ع): «من لقي فقيرا مسلما، فسلم عليه خلاف سلامه على الغني لقى اللّه عزّ و جلّ يوم القيامة و هو عليه غضبان»[1].
[1]- أمالي الصدوق ص 396، و سفينة البحار ج 2 ص 379، و الوسائل ج 8 ص 442 و في هامشه عن عيون أخبار الرضا ص 219 و عن الأمالي.
ثم هناك حكاية الرجل الّذي بنى قصرا، ثم صنع طعاما، فدعا إليه الأغنياء، و ترك الفقراء، فإذا جاء الفقير قيل له: ان هذا الطعام لم يصنع لك، و لا لاشباهك ... فجاء ملكان في زي الفقراء فمنعا، ثم جاءا في زي الأغنياء فسمح لهما بالدخول، فأمرهما اللّه بخسف المدينة بمن فيها[1].
و الروايات في مدح الفقراء، و محبة اللّه لهم، و أنه ينبغي الإهتمام بشأنهم و ملاحظة أحوالهم كثيرة.
و أخيرا ... فان حكم العقل، و الفطرة، و الأخلاق الفاضلة، لا يفرق بين غني، و فقير، و لا بين كبير و صغير ... هذا ... ان لم نقل أن إكرام الغني لغناه ليس فيه إكرام للإنسان و الإنسانية، بل هو يعبر عن رذالة في الطّبع، و خسة في النفس، و انحطاط أخلاقي مرعب و خطير.
و إذا كان الفقير يعاني في أحيان كثيرة من الآلام النفسيّة أكثر من الجسدية حيث أنه يشعر بعقدة الفقر الّذي ربما يتحول إلى حقد، ثم من عقدة الخوف من عدم تمكنه من الحصول على أدنى ما يجب الحصول عليه- إذا كان كذلك- فان القربة إلى اللّه تعالى تكون في مساعدته أكثر، و النّتيجة الّتي تترتب على هذه المساعدة أعظم و أكبر.
و قال علي بن العباس: أن على الطبيب: «أن يجدّ في معالجة المرضى، و لا سيّما الفقراء منهم، و لا يفكر في الإنتفاع المادي، و أخذ الاجرة من هذه الفئة، بل إذا إستطاع أن يقدم لهم الدواء من كيسه هو فليفعل، و إذا لم يفعل فليجدّ في معالجتهم ليلا و نهارا، و يحضر إلى معالجتهم في كل
[1]- سفينة البحار ج 2 ص 380.