بارگزاری ...
جستجو کنید
برای شروع جستجو، متن خود را وارد کنید.
صفحه 122

و على هذا ... فقد كانت مسؤوليات و مواصفات الطبيب في نفسه، و بالنسبة لعلاقته بمن يفترض فيه أن يعالجه كثيرة و متنوعة من وجهة نظر إسلامية ... و نحن نجمل بعضها في هذا الفصل على النّحو التالي:

المبادرة إلى العلاج:

فلا يجوز للطبيب التّعلل بعدم الاجرة، أو بقلتها، فان التّارك شفاء المجروح من جرحه شريك جارحه لا محالة، لان جارحه أراد فساده، و هذا لم يرد صلاحه كما تقدم.

فالسلبية هنا لا تعني إلّا اتخاذ الموقف المضاد، لانها تعني فسح المجال لفتك المرض بصاحبه، و التّغلب على سائر ما يملكه من قدرات و مناعات، و بالتالي إلحاق أفدح الخسائر فيه.

و بعد ... فان المبادرة إلى العلاج هو ما تفرضه الأخلاق الفاضلة، و الإنسانية الرفيعة، و الفطرة السليمة و المستقيمة. و تنسجم مع أريحية الإنسان، و مع عواطفه النبيلة، و سجاياه الرضية الكريمة.

مداواة حكام الجور:

و بالنسبة لمداواة حكام الجور، فعدا عن أن ذلك يكون من قبيل تهيئة الفرصة لهم للاستمرار في بغيهم و ظلمهم، و ان لم يكن مساعدة مباشرة لهم على ذلك- عدا عن ذلك- فاننا نجد الإمام الحسين (ع) يقول:

«لا تصفن لملك دواء، فان نفعه لم يحمدك، و ان ضره اتهمك»[1].

و واضح: أن مراده (ع) هنا: هو ملوك الجور، لانهم هم الّذين يمتازون‌

[1]- البحار ج 78 ص 127 عن اعلام الدين و ج 75 ص 382 عنه و ميزان الحكمة ج 3 ص 367 عن البحار ج 75 ص 282 أيضا.


صفحه 123

بهذه الصّفة غير الحسنة ... كما هو معلوم.

عدم التمييز بين الغني و الفقير:

أما لزوم عدم التمييز بين الغني و الفقير، فنحسب أنه لا يحتاج إلى بيان و لا إلى إقامة برهان، فان الوجوب الشرعي الكفائي، أو العيني أحيانا، لم يلاحظ فيه الغني دون الفقير، و لا الأبيض دون الأسود.

بل يمكن أن يقال: ان اهتمام الإسلام بالفقير يفوق كثيرا اهتمامه بالغني أضف إلى ذلك: ان الغني يقدر على الوصول إلى ما يريد، عن طريق بذل ماله دون الفقير.

و بعد ... فان الأوامر القاضية برجحان قضاء حاجة المريض، و الإهتمام بأمره، و ترتيب الثواب على ذلك- و هي متواترة- لم تخصص غنيا، و لا فقيرا و لا غيرهما بذلك.

و كذلك الحال بالنسبة للروايات القاضية بلزوم المبادرة إلى شفاء المجروح من جرحه ... بل جميع الروايات الّتي تتعلق بالطب، و هي تعد بالمئات، لا يمكن أن تلمح فيها أثرا لظاهرة التمييز هذه، مهما كان حجمه، و نوعه.

هذا ... و لا يجب أن ننسى تلك الروايات الّتي تذم من يحترم الغني، و يجعل له امتيازا من أجل غناه ... و يكفي أن نذكر هنا ما روي عن الإمام الرضا (ع): «من لقي فقيرا مسلما، فسلم عليه خلاف سلامه على الغني لقى اللّه عزّ و جلّ يوم القيامة و هو عليه غضبان»[1].

[1]- أمالي الصدوق ص 396، و سفينة البحار ج 2 ص 379، و الوسائل ج 8 ص 442 و في هامشه عن عيون أخبار الرضا ص 219 و عن الأمالي.


صفحه 124

ثم هناك حكاية الرجل الّذي بنى قصرا، ثم صنع طعاما، فدعا إليه الأغنياء، و ترك الفقراء، فإذا جاء الفقير قيل له: ان هذا الطعام لم يصنع لك، و لا لاشباهك ... فجاء ملكان في زي الفقراء فمنعا، ثم جاءا في زي الأغنياء فسمح لهما بالدخول، فأمرهما اللّه بخسف المدينة بمن فيها[1].

و الروايات في مدح الفقراء، و محبة اللّه لهم، و أنه ينبغي الإهتمام بشأنهم و ملاحظة أحوالهم كثيرة.

و أخيرا ... فان حكم العقل، و الفطرة، و الأخلاق الفاضلة، لا يفرق بين غني، و فقير، و لا بين كبير و صغير ... هذا ... ان لم نقل أن إكرام الغني لغناه ليس فيه إكرام للإنسان و الإنسانية، بل هو يعبر عن رذالة في الطّبع، و خسة في النفس، و انحطاط أخلاقي مرعب و خطير.

و إذا كان الفقير يعاني في أحيان كثيرة من الآلام النفسيّة أكثر من الجسدية حيث أنه يشعر بعقدة الفقر الّذي ربما يتحول إلى حقد، ثم من عقدة الخوف من عدم تمكنه من الحصول على أدنى ما يجب الحصول عليه- إذا كان كذلك- فان القربة إلى اللّه تعالى تكون في مساعدته أكثر، و النّتيجة الّتي تترتب على هذه المساعدة أعظم و أكبر.

و قال علي بن العباس: أن على الطبيب: «أن يجدّ في معالجة المرضى، و لا سيّما الفقراء منهم، و لا يفكر في الإنتفاع المادي، و أخذ الاجرة من هذه الفئة، بل إذا إستطاع أن يقدم لهم الدواء من كيسه هو فليفعل، و إذا لم يفعل فليجدّ في معالجتهم ليلا و نهارا، و يحضر إلى معالجتهم في كل‌

[1]- سفينة البحار ج 2 ص 380.


صفحه 125

وقت ... الخ»[1].

نعم ... و هذا هو ما يجعل الفقير يثق بنفسه و بمجتمعه، و يطمئن إلى مستقبله، و يجعله أكثر حيوية، و نشاطا، و تفاعلا مع سائر الفئات الفاعلة في المجتمع.

كما أنه يزرع الحب و الوفاء و الرجاء في نفسه، و يبعد الحقد، و الحسد و سائر الصفات الذميمة عن روحه و نفسه، و لا يعود يعاني من عقدة الاحتقار و المهانة، و الخوف، و ذلك واضح لا يحتاج إلى مزيد بيان.

اقدام الطبيب على ما يعرف:

و إذا كان الطبيب متخصصا في أمراض العين مثلا، فليس له أن يتصدى للنظر في أمراض القلب، و كذا العكس، لانه جاهل في حقيقة الأمراض الّتي تعرض من هذه الجهة، فيلحق بالجهال من الاطباء، الّذين على الإمام أن يحبسهم إذا أرادوا التصدي للتطبيب في مجال يجهلونه.

و كذلك فانه يكون من القول بغير علم، الّذي جاءت الآيات الكثيرة، و الأقوال المتواترة عن المعصومين في المنع و الردع عنه‌[2]، و ذلك واضح للعيان فلا يحتاج إلى مزيد بيان، و لا إلى إقامة برهان.

و عن زين العابدين (ع)، انه قال: «من لم يعرف داءه أفسد دواءه»[3].

و قد جاء في القسم المنسوب إلى أبقراط: «و احفظ نفسي في تدبيري‌

[1]- راجع كتاب: تاريخ طب در إيران ج 2 ص 457 عن كتاب: كامل الصناعة الطبيّة الملكي، الباب الثاني؛ المقالة الأولى.

[2]- راجع على سبيل المثال: البحار ج 2 من ص 111 حتى ص 124 و غيره من المصادر.

[3]- البحار ج 78 ص 160 و ميزان الحكمة ج 3 ص 367 عنه.


صفحه 126

و صناعتي على الزكاة و الطهارة، و لا أشق أيضا عما في مثانته حجارة، و لكن أترك ذلك إلى من كانت حرفته هذا العلم»[1].

1- الحذق 2- الأمانة 3- استجلاب الثقة:

1 و 2- فالطبيب الحاذق هو الّذي يستطيع أن يؤدي واجبه على النّحو الأكمل و الأفضل، و هو بالتالي الّذي يكون خطؤه أقل، و استفادة المريض من خبراته أتم، و منفعته أعم ... و هو أقدر على الحصول على ثقة المريض، و إعتماده عليه، و تسليمه له ... الأمر الّذي يسهّل عليه علاجه، كما أنه يسهل على المريض الإلتزام بنصائحه، و العمل بتوجيهاته.

بل ان على الطبيب نفسه أن يسعى للحصول على هذه الثقة، كما يشير إليه ما روي عن الصادق (ع): «كل ذي صناعة مضطر إلى ثلاث خصال يجتلب بها المكسب، و هو أن يكون حاذقا بعمله، مؤديا للأمانة فيه، مستميلا لمن استعمله»[2].

و قد لوحظ: أن النّبي6يتحرّى لمعالجة بعض من جرح من أصحابه أطبّ الرّجلين الّلذين دعيا لهذا الغرض‌[3].

نعم ... و هذا هو المنسجم مع الفطرة، و مع حكم العقل السليم، و النصيحة للمسلمين ... و من أولى منه6بذلك، و بغيره من مكارم الأخلاق و معاليها؟

و بعد ... فقد قيل: أن الطب معناه الحذق بالاشياء، و ان كان في غير

[1]- عيون الأنباء ص 45.

[2]- تحف العقول ص 238 و البحار ج 78 ص 236.

[3]- موطأ مالك المطبوع مع تنوير الحوالك ج 3 ص 121، و زاد المعاد ج 3 ص 107، و الطب النبوي لإبن القيم ص 105.


صفحه 127

علاج المريض، و رجل طبيب أي حاذق، سمي بذلك لحذقه‌[1].

3- و أما الأمانة و أداؤها في المجال الطبي، فهي من أوجب الأمور، لأن الطب- كما قدمنا- مسؤولية شرعية، عرفية، أخلاقية، إنسانية، و حتّى عقلية أيضا، هذا بالإضافة إلى ما أشار إليه الإمام (ع) من أن أداء الأمانة في الصنعة يوجب اجتلاب المكسب بها ... حيث يطمئن النّاس إليه، و يعتمدون عليه، و يقبلون إليه بكل رضا و اطمئنان، كما هو أوضح من أن يحتاج إلى بيان.

1- النصح 2- الاجتهاد 3- التقوى:

و عدا عن أن النصح، و الإجتهاد و تقوى اللّه وظائف إنسانية و أخلاقية، فانها وظيفة شرعية أيضا- و خصوصا في الطب- فعن علي (ع) انه قال: «من تطبب فليتق اللّه، و لينصح، و ليجتهد»[2].

و قال إبن إدريس: «و يجب على الطبيب أن يتقي اللّه سبحانه فيما يفعله بالمريض، و ينصح فيه»[3].

1- نعم ... لا بد من الإجتهاد في معالجة المريض، و لا يجوز التعلل و لا التساهل في ذلك على الإطلاق، و لا بد أيضا من النصح في ذلك، لأن الغش فيه معناه الجناية على نفس محترمة، و تعريضها للخطر الجسيم، الأمر الّذي يكشف عن نفس مريضة و حاقدة، لا تملك شيئا من الخلق الإنساني الرفيع، بل هي أقرب إلى النفس السبعية، الّتي لا تعرف إلّا الإعتداء، و الظلم و الشر، بل هي أكثر بشاعة و خطرا منها، حينما يمتزج الظلم بالخداع،

[1]- الطب النبوي لإبن القيم ص 107/ 108.

[2]- البحار ج 62 ص 74 عن الدعائم، و مستدرك الوسائل ج 3 ص 127.

[3]- البحار ج 62 ص 65 عن السرائر.


صفحه 128

و الإعتداء بالتدليس و تزييف البغيض المقيت.

2- و لا بد كذلك من تقوى اللّه في المريض، لأن بتقوى اللّه لا يبقى غش، و لا اعتداء، و لا تزيف، و لا يبقى أيضا تساهل، أو تعلل، و لا يبقى كذلك أي لون من ألوان الرذيلة في داخل الإنسان، و بتقوى اللّه يندفع الإنسان إلى القيام بواجباته الشرعية و الإنسانية على النحو الأكمل و الأفضل ... و لاجل ذلك نلاحظ أنه (ع) قد قدم الأمر بتقوى اللّه على الأمر بالنصح، و بذل الجهد و ليس ذلك عفويا، بل هو متعمد و مقصود، و لا سيّما في توجيه الطبيب الّذي بيده راحة المرضى، فهو إذن بأمس الحاجة إلى هذه التقوى: حتّى لا يفرط فيما جعله اللّه مسؤولا عنه.

3- و بعد ... فان «اللّه يحب عبدا إذا عمل عملا أحكمه» كما روي عنه6حينما لحد سعد بن معاذ[1]، كما أننا نجد في نصائح علي بن العباس: ان «على الطبيب أن يجد في معالجة المرضى، و حسن تدبيرهم، و معالجتهم، سواء بالغذاء أو بالدواء»[2].

النصح: حدوده و أبعاده:

و من الواضح: أن على الطّبيب أن يمتنع هو أولا عما يطلب من غيره الإمتناع عنه عند الحاجة، و ان يلتزم هو بالتوصيات قبل أن يطلب من غيره الإلتزام بها.

و إلّا ... فانه إذا لم يستطع أن يعالج نفسه قبل ان يعالج غيره، فانه يكون و لا شك غير ناصح لذلك الغير، بل هو اما يجري عليه بعض تجاربه الّتي‌

[1]- الفصول المهمة للحر العاملي ص 503.

[2]- تاريخ طب در إيران ج 2 ص 457.


صفحه 129

لم تصل بعد لديه إلى درجة النجاح، و اما أنه يعطيه دواءا يعلم هو أنه لا ينفعه، ان لم يكن فيه الكثير من الضرر له ... اما لاجل أن يحصل منه و من أمثاله على المال، أو من أجل الحفاظ على الشهرة الفارغة و الصيت الأجوف، أو لغير ذلك من أمور.

و لا أقل من أن يفكر المريض و المراجع له هذا التّفكير، الّذي يملك كل المبررات الموضوعية و الاخلاقية، يقول أبو الأسود الدؤلي:

يا أيها الرجل المعلم غيره‌

هلا لنفسك كان ذا التعليم‌

تصف الدواء لذي السقام و ذي الضنا

كيما يصح به و أنت سقيم‌

و أما إذا كان الطبيب يجر الداء إلى نفسه، فان من الواضح أنه سوف لن يكون ناصحا لغيره، لانه لن يحب غيره أكثر من محبته لنفسه، و لن يستطيع أن يضر نفسه و ينفع غيره، و من هنا فان من حق كل أحد أن يشير إليه بأصابع الإتهام و الشّك، و قد روي عن عيسى (ع) هذا المعنى، قال (ع) في حديث:

«فإذا رأيتم الطبيب يجر الداء إلى نفسه فاتهموه، و اعلموا: أنه غير ناصح لغيره»[1].

1- الرفق بالمريض 2- حسن القيام عليه:

و لا نرى أن ذلك يحتاج إلى بيان، و يكفي أن نذكر: أنه قد ورد في بعض النصوص التعبير عن الطبيب ب «الرّفيق» من الرفق، فعن علي (ع):

«كن كالطبيب الرفيق، الّذي يدع الدواء بحيث ينفع»[2].

و في رواية عن الرضا (ع) قال: «سمعت موسى بن جعفر (ع)، و قد

[1]- البحار ج 2 ص 107 ح 5 و ج 73 ص 140، و قصار الجمل ج 2 ص 65 و ج 1 ص 197 عنه.

[2]- البحار ج 2 ص 53 عن مصباح الشريعة، و قصار الجمل ج 2 ص 63 عن البحار.