دائه»[1]فعبّر بالتّلطف لما ذكرناه.
رفع معنويات المريض:
و إذا كان ضعف الإنسان و انهزامه نفسيا أمام المرض في بادىء الأمر يكون أمرا طبيعيا، بسبب شعوره بآلام و متاعب يجد نفسه عاجزا عن دفعها، و مواجهتها- إذا كان كذلك- فان من الطبيعي، أن يكون لرفع معنويات المريض، و بعث الثّقة في نفسه بالشّفاء أكبر الأثر في تقوّيه و سيطرته على المرض، و بالتّالي في شفائه منه، و التخلص من آثاره.
و أما الإنهزام النفسي أمام المرض، فانه يعود بأسوأ الأثار عليه، و يجعل من الصعب عليه التغلب على المرض، و مواجهة عوارضه، لان الإنهيار النّفسي يتبعه الإنهيار الجسدي المريع و الخطير دون شك.
و لذلك نلاحظ: أن الإسلام يهتم في تطييب نفس المريض بل يكون دور العلاج الجسدي بالنسبة للعلاج النفسي ثانويا للغاية، و مما يوضح لنا هذه الحقيقة الهامة: أننا نجد في بعض النصوص بعد محاولة ربط المريض باللّه تعالى، و افهامه أنه هو الشافي له و ليس سواه يشير إلى أن دور الطبيب هو أن يطيب نفس المريض، و يبعث الأمل في نفسه، فقد ورد: أن المعالج يسمى بالطبيب لانه يطيب بذلك أنفسهم[2].
بل لقد جاء أنه حتّى الّذي يقومون بعيادة المريض ينبغي لهم: أن يفسحوا له في الأجل، كما سيأتي.
[1]- غرر الحكم ج 2 ص 718.
[2]- العلل للصدوق ص 525، و روضة الكافي ص 88، و الوسائل ج 17 ص 176 عنهما، و البحار ج 62 ص 62 و 75 عنهما أيضا و عن الدعائم، و الفصول المهمة ص 400، و طب الإمام الصادق( ع) ص 75 و ميزان الحكمة ج 5 ص 532 من البحار.
يتقي اللّه، و يغض بصره عن المحارم:
و لعل أكثر النّاس ابتلاء بالنّظر إلى ما يحرم في الأحوال العادية النّظر إليه، هم الأطباء ... و واضح: أن الأمر بغض البصر عما يحرم النّظر إليه يبقى واجب الإمتثال حتّى تحكم الضرورة، فيجوز حينئذ النّظر بمقدار ما ترتفع به الضرورة.
فلو استطاع أن يعالج المريض علاجا صحيحا، استنادا إلى وصف المريض له ما يعانيه من اعراض، فانه يجب الإقتصار على ذلك، و لا يجوز النظر ... و إذا استطاع أن يعالج بالنّظر إلى دائرة أضيق لم يجز له التعدي إلى ما زاد.
بل أنه إذا تمكن من المعالجة بواسطة النّظر في المرآة لم يجز التعدي إلى النّظر المباشر، و قد امرهم أمير المؤمنين بذلك بالنسبة للنظر إلى الخنثى كما سيأتي في الفصل التالي.
و بعد ... فانه إذا استطاع أن يعالجه استنادا إلى النّظر لم يجز له التعدي إلى اللمس ... و هكذا يقال بالنسبة إلى التعدي من اللمس القليل إلى الكثير هذا ان لم يمكن اللمس بواسطة.
و من هنا نجده (ع) يأمر الطبيب أول ما يأمره بتقوى اللّه، ثم بأن ينصح و يجتهد، فعن علي (ع): «من تطبب فليتق اللّه، و لينصح، و ليجتهد».
و لسوف نتحدث عن هذا الأمر أيضا في الفصل التالي إن شاء اللّه تعالى.
و أخيرا ... فقد جاء في نصائح علي بن العباس: «و أن لا ينظر إلى النساء بريبة، سواء كان النّظر للسيدة، أم للخادمة، و لا يدخل إلى منازلهن إلا
للمداواة» و قال: «و عليه أن يكون رحيما، بريء النظرة»[1].
و جاء في قسم أبقراط: «و أحفظ نفسي في تدبيري على الزّكاة و الطهارة» إلى أن قال: «و كل المنازل الّتي أدخلها، إنّما أدخل إليها لمنفعة المرضى، و أنا بحال خارجة عن كل جور و ظلم، و فساد إرادي مقصود إليه في سائر الأشياء، و في الجماع للنساء و الرجال، الأحرار منهم و العبيد»[2].
تجويز الافطار للصائم و نحو ذلك:
و نجد بعض الأطباء، إذا جاءهم المريض في شهر رمضان مثلا، و كان صائما فانهم يبادرون إلى تجويز الافطار له، بل انهم يوجبون عليه ذلك في كثير من الأحيان مع عدم وجود ضرورة تقتضي ذلك ... بل قد لا يكون هناك ضرورة أصلا ... و مثل ذلك أمرهم له بالصّلاة من جلوس مع قدرته على القيام، و عدم الضرر فيه عليه، و ما أشبه ذلك.
و نحن لا بد و أن نشير هنا: إلى أن الطبيب يتحمل مسؤولية في ذلك أمام اللّه تعالى و لاجل ذلك، فان عليه أن يتروى فيه، و يحققه قبل أن يقدم عليه فلا يجوّز له الافطار أو الصلاة من جلوس مثلا لأسباب تافهة لا تقتضي ذلك إلّا إذا احتمل الحاجة إلى ذلك احتمالا قويا، لأن المريض إنّما يجوز له ان يأخذ بقوله و يستند إليه على إعتبار أنه من أهل الخبرة، فلا بد و أن يستعمل خبرته في اكتشاف السبب الّذي يحتم عليه ذلك، و الّذي يعتمد عليه المكلف في عملية اكتشافه، و تشخيصه.
[1]- راجع: تاريخ طب در إيران ج 2 ص 457 عن كتاب كامل الصناعة الطبيّة الملكي.
[2]- عيون الأنباء ص 45.
من وصايا الأهوازي:
و قال علي بن العباس الأهوازي: «على الطبيب أن يكون نظيفا، يخاف اللّه، عذب اللسان، حسن السلوك، و أن يبعد عن كل سوء، و كل مشين، و ان لا ينظر إلى النساء ... الخ»[1].
و قد تقدمت مواصفات طالب العلم الطبي في الفصل السابق، فلا نعيد.
الدواء ... و العلاج:
و أما بالنّسبة للدواء و العلاج، فيمكن أن يستفاد من النصوص: أنه كلما أمكن أن لا يتداوى الإنسان كلما كان ذلك أصلح له ... و ذلك مثل ما روي عن أبي عبد اللّه (ع): «من ظهرت صحته على سقمه، فيعالج نفسه فمات، فأنا إلى اللّه منه بريء»[2].
و كتلك الروايات الّتي تؤكد على عدم تناول الدواء ما احتمل البدن الداء أو مع عدم الحاجة إلى الدواء[3].
[1]- تاريخ طب در إيران ج 2 ص 457 عن كتاب كامل الصناعة الطبية الملكي.
[2]- الخصال ص 26 ج 1 و الفصول المهمة ص 404. و سفينة البحار ج 2 ص 78 و الوسائل ج 2 ص 629 و طب الأئمة ص 61 و البحار ج 81 ص 207 و ج 62 ص 64 و 65 عن الخصال و عن علل الشرايع ج 2 ص 151 و 150.
[3]- الكافي ج 6 ص 382، و المحاسن للبرقي ص 571، و مستدرك الوسائل ج 1 ص 82 و الفصول المهمة ص 404 و 442، و طب الإمام الصادق ص 75 عنه، و سفينة البحار ج 2 ص 78، و الوسائل ج 2 ص 630 و ج 17 ص 190، عن العلل و مكارم الأخلاق و غيرهما، و مجمع الزوائد ج 5 ص 86 عن الطبراني، و البحار ج 81 ص 207 و 211 و ج 62 ص 63 و 64 و 65 و 66 و 260 و 269 و 287 و ج 66 ص 456 و في هامشه عن كثير ممن تقدم و عن الدعوات للراوندي، و مكارم الأخلاق ص 418 و عن فقه الرضا ص 46 و عن الشهيد رحمه اللّه و غير ذلك.
و كذلك الروايات الّتي تنهى عن الاضطجاع مع وجود القدرة على القيام[1].
و الّتي تقول: امش بدائك ما مشى بك[2].
و الّتي تقول: ليس من دواء إلّا و يهيج داء و ليس في البدن أنفع من امساك اليد إلّا عما يحتاج إليه[3].
و عن الكاظم (ع): «ادفعوا معالجة الأطباء ما اندفع الداء عنكم فإنه بمنزلة البناء قليله يجر إلى كثيره»[4].
و الّتي تقول: لا يتداوى المسلم حتّى يغلب مرضه على صحّته[5].
و الّتي تقول: شرب الدواء للجسد كالصابون للثوب، ينقّيه، و لكن يخلقه[6].
[1]- البحار ج 81 ص 204 و مستدرك الوسائل ج 1 ص 82 عن النهج.
[2]- نهج البلاغة قسم الحكم رقم 26 و الوسائل ج 2 ص 630 و 629 عنه و البحار ج 62 ص 68 و ج 81 ص 204 و الفصول المهمة ص 404 و سفينة البحار ج 2 ص 78. و غرر الحكم ج 1 ص 112.
[3]- روضة الكافي ص 273 و البحار ج 62 ص 142 و 68 و ميزان الحكمة ج 3 ص 363 و 364 و الوسائل ج 2 ص 629، و سفينة البحار ج 2 ص 78، و مقدمة طب الأئمة للخرسان ص 4.
[4]- البحار ج 62 ص 63 ج 81 ص 207 و في هامشه عن علل الشرايع ج 2 ص 151 و 150 و علل الشرايع ص 465 و ميزان الحكمة ج 3 ص 363.
[5]- راجع: طب الإمام الصادق( ع) ص 75 عن الفصول المهمة، و مستدرك الوسائل ج 1 ص 82، و الوسائل ج 17 ص 17 و في هامشه عن الخصال ج 2 ص 153 فصاعدا و البحار ج 62 ص 70 و ج 81 ص 203 عن الخصال أيضا ص 161، و تحف العقول ص 73 ح 400.
[6]- شرح نهج البلاغة للمعتزلي ج 20 ص 300 و قصار الجمل ج 1 ص 209 عنه.
و أما شرب الدواء من غير علة، فلا ريب في أنه غير صالح، و أنه يعقب مكروها كما ورد في بعض النصوص، فعن الصّادق (ع): «ثلاثة تعقب مكروها: حملة البطل في الحرب في غير فرصة، و ان رزق الظفر، و شرب الدواء من غير علّة، و ان سلم منه ... الخ»[1]، كما أنه قد ورد عنه (ع) قوله: «ثلاثة لا ينبغي للمرء الحازم أن يقدم عليها: شرب السم للتجربة، و ان نجا منه و إفشاء السر إلى القرابة ... الخ»[2].
لا اسراف في الدواء:
و من الجهة الاخرى، فإن على الطبيب: أن لا يحاذر في إعطاء الدواء للمريض من أن ذلك قد يعدّ اسرافا، إذا وجد للدواء موضعا، كما ورد في بعض النصوص[3]مهما كان ذلك الدواء كثيرا، أو ثمنه غاليا، فان صحة الإنسان و سلامته أغلى من ذلك مهما بلغ ... أما إذا لم يجد للدواء موضعا فان عليه أن يمسك، ليس لاجل أن ذلك يخلق البدن، و لانه يهيج داء فقط ...
إنّما لاجل ان ذلك يعدّ اسرافا أيضا ... و قد جاء في بعض النصوص:
«ليس فيما أصلح البدن اسراف، إنما الاسراف فيما أتلف المال و أضرّ البدن»[4].
[1]- تحف العقول ص 237 و البحار ج 78 ص 234 عنه.
[2]- تحف العقول ص 237/ 238، و البحار ج 78 ص 235 عنه، و غرر الحكم ج 1 ص 365.
[3]- روضة الكافي ص 345، و الوسائل ج 11 ص 401 و ج 2 ص 629 و البحار ج 82 ص 53، و قصار الجمل ج 2 ص 63.
[4]- المحاسن للبرقي ص 312، و طب الإمام الصادق ص 77 عن الفصول المهمة و البحار ج 75 ص 304 و 303 و ج 76 ص 75 و 81 و 82 عن كامل الزيارة، و عن المحاسن، و مكارم الأخلاق ص 57، و التهذيب للشيخ ج 1 ص 376، و الكافي ج 6 ص 499، و من لا يحضره الفقيه ج 1 ص 68، و الوسائل ج 1 ص 397 و 398.
و عن علي (ع): «الكلام كالدواء قليله ينفع، و كثيره يهلك»[1].
و ذلك واضح و لا يحتاج إلى مزيد بيان.
عدم إطالة فترة العلاج:
و أما بالنسبة لإطالة فترة العلاج و عدمها، فيمكن أن يستفاد من النصوص المتقدمة الآمرة بعدم العلاج لمن ظهرت صحته على سقمه، و من قوله (ع): «ما من دواء إلّا و يهيج داء»، و من قوله: «إن الدواء يخلق الجسم»، و غير ذلك مما تقدم تحت عنوان: «الدواء ... و العلاج»، يمكن أن يستفاد منه: ان الشارع يرغب في الاسراع بالتخلص من هذا الوضع الاستثنائي و في عدم الإستسلام له.
كما و يستفاد ذلك بوضوح من قول أمير المؤمنين (ع) المتقدم، الأمر للطبيب بالإجتهاد في العلاج.
و مما تقدم من أن التّارك شفاء المجروح من جرحه شريك جارحه لا محالة و ذلك أن الجارح أراد فساد المجروح، و التّارك لاشفائه لم يشأ صلاحه ...
الخ.
و واضح: أن إطالة فترة المعالجة من قبل الطبيب تنافي الإجتهاد فيه، كما أنها نوع من ترك شفاء المريض، و من عدم النصح له.
و بعد ... فقد تقدم في نصائح الأهوازي قوله: «على الطّبيب أن يجد في معالجة المرضى، و حسن تدبيرهم، و معالجتهم ... الخ».
و من ذلك الّذي لا يحب أن يتخلص من الألم و المرض بسرعة، لينصرف
[1]- غرر الحكم ج 1 ص 105.
إلى تدبير أموره، و النّظر في شؤون معاشه و معاده؟!
و لماذا لا يحاول الطبيب مساعدته في هذا الأمر الّذي يرغب فيه، و يخلصه من الآلام الّتي يعاني منها؟!، و هل إطالة فترة المعالجة إلّا منافية لما يحكم به العقل، و الشّرع و الوجدان؟!
فلسفة الدواء للمريض:
و ان مما يزيد في ثقة المريض بالطبيب، و بمعرفته بالعلاج الّذي يقدم على تجويزه له، و بالدواء الّذي يفترض في المريض أن يتجرعه، و يساعد بالتّالي على نجاح العلاج له ... هو أن يفلسف الطبيب له- بنحو مّا- سرّ تجويزه هذا الدواء له، و يبين له بعض منافعه ليطمئن إلى أن هذا الدواء ان لم ينفع في دفع المرض عنه، فانه لن يضره جزما، مع قوة احتمال نفعه من الجهة أو الجهات الاخرى ... و لقد رأينا النبي6و الائمة المعصومين (ع) من بعده يذكرون منافع الادوية الّتي يوصون مراجعيهم بتناولها في موارد كثيرة جدا، لا تكاد تحصر[1].
و قد قال علي (ع): «من لم يعرف مضرة الشيء لم يقدر على الإمتناع منه»[2].
كما أن للاعتقاد دور هام في تأثير الدواء، و دفعه للمرض ... و لاجل ذلك نجد الإمام الصادق (ع) حينما يروي عن النبي6دواء لوجع الجوف، و يعترض عليه البعض: بأنهم قد بلغهم ذلك ففعلوه، فلم ينفع- نجده (ع)- يغضب و يقول:
[1]- راجع على سبيل المثال: الوسائل ج 17 ص 76 و 135 و 136 و هوامشها و البحار، و الفصول المهمة، و طب النبي6، و طب الأئمة، و غير ذلك كثير جدا.
[2]- غرر الحكم ج 2 ص 703.