بارگزاری ...
جستجو کنید
برای شروع جستجو، متن خود را وارد کنید.
صفحه 137

و عن علي (ع): «الكلام كالدواء قليله ينفع، و كثيره يهلك»[1].

و ذلك واضح و لا يحتاج إلى مزيد بيان.

عدم إطالة فترة العلاج:

و أما بالنسبة لإطالة فترة العلاج و عدمها، فيمكن أن يستفاد من النصوص المتقدمة الآمرة بعدم العلاج لمن ظهرت صحته على سقمه، و من قوله (ع): «ما من دواء إلّا و يهيج داء»، و من قوله: «إن الدواء يخلق الجسم»، و غير ذلك مما تقدم تحت عنوان: «الدواء ... و العلاج»، يمكن أن يستفاد منه: ان الشارع يرغب في الاسراع بالتخلص من هذا الوضع الاستثنائي و في عدم الإستسلام له.

كما و يستفاد ذلك بوضوح من قول أمير المؤمنين (ع) المتقدم، الأمر للطبيب بالإجتهاد في العلاج.

و مما تقدم من أن التّارك شفاء المجروح من جرحه شريك جارحه لا محالة و ذلك أن الجارح أراد فساد المجروح، و التّارك لاشفائه لم يشأ صلاحه ...

الخ.

و واضح: أن إطالة فترة المعالجة من قبل الطبيب تنافي الإجتهاد فيه، كما أنها نوع من ترك شفاء المريض، و من عدم النصح له.

و بعد ... فقد تقدم في نصائح الأهوازي قوله: «على الطّبيب أن يجد في معالجة المرضى، و حسن تدبيرهم، و معالجتهم ... الخ».

و من ذلك الّذي لا يحب أن يتخلص من الألم و المرض بسرعة، لينصرف‌

[1]- غرر الحكم ج 1 ص 105.


صفحه 138

إلى تدبير أموره، و النّظر في شؤون معاشه و معاده؟!

و لماذا لا يحاول الطبيب مساعدته في هذا الأمر الّذي يرغب فيه، و يخلصه من الآلام الّتي يعاني منها؟!، و هل إطالة فترة المعالجة إلّا منافية لما يحكم به العقل، و الشّرع و الوجدان؟!

فلسفة الدواء للمريض:

و ان مما يزيد في ثقة المريض بالطبيب، و بمعرفته بالعلاج الّذي يقدم على تجويزه له، و بالدواء الّذي يفترض في المريض أن يتجرعه، و يساعد بالتّالي على نجاح العلاج له ... هو أن يفلسف الطبيب له- بنحو مّا- سرّ تجويزه هذا الدواء له، و يبين له بعض منافعه ليطمئن إلى أن هذا الدواء ان لم ينفع في دفع المرض عنه، فانه لن يضره جزما، مع قوة احتمال نفعه من الجهة أو الجهات الاخرى ... و لقد رأينا النبي6و الائمة المعصومين (ع) من بعده يذكرون منافع الادوية الّتي يوصون مراجعيهم بتناولها في موارد كثيرة جدا، لا تكاد تحصر[1].

و قد قال علي (ع): «من لم يعرف مضرة الشي‌ء لم يقدر على الإمتناع منه»[2].

كما أن للاعتقاد دور هام في تأثير الدواء، و دفعه للمرض ... و لاجل ذلك نجد الإمام الصادق (ع) حينما يروي عن النبي6دواء لوجع الجوف، و يعترض عليه البعض: بأنهم قد بلغهم ذلك ففعلوه، فلم ينفع- نجده (ع)- يغضب و يقول:

[1]- راجع على سبيل المثال: الوسائل ج 17 ص 76 و 135 و 136 و هوامشها و البحار، و الفصول المهمة، و طب النبي6، و طب الأئمة، و غير ذلك كثير جدا.

[2]- غرر الحكم ج 2 ص 703.


صفحه 139

«إنّما ينفع اللّه بهذا أهل الإيمان به، و التصديق لرسوله، و لا ينفع به أهل النفاق، و من أخذه على غير تصديق منه للرسول»[1].

إطعام المريض عند إشتهائه:

و بعد ... فقد جاء في فقه الرضا (ع) و غيره، في حديث قوله:

«... فإذا اشتهى الطعام، فأطعموه، فلربما فيه الشفاء»[2].

و لعل مردّ ذلك إلى أن الجسد ربما يكون قد بدأ يشعر بما يحتاج إليه و يحاول التعويض عن النقص الّذي يعاني منه، و معنى ذلك هو: أن مقتضيات الصّحة و العافية قد بدأت تتغلب على عوامل المرض فيه ... و اذن ... فلا بد من تلبية حاجة الجسد هذه، و عدم منعه عما يتطلبه.

و لعل إلى هذا يشير ما روي عنهم (ع): «إذا جعت فكل، و إذا عطشت فاشرب، و إذا هاج بك البول فبل، و لا تجامع إلّا من حاجة، و إذا نعست فنم»[3].

فإذا لم يكن لدى المريض إشتهاء إلى الطعام، فان اكراهه عليه لن يكون مفيدا كثيرا، ان لم نقل: أنه لربما يؤدي إلى مضاعفات غير حميدة: نفسيا، و جسديا، و لاجل ذلك نجد بعض النصوص تقول:

[1]- البحار ج 62 ص 73 عن دعائم الإسلام.

[2]- مستدرك الوسائل ج 1 ص 96، و البحار ج 62 ص 261 عن فقه الرضا ص 46 و راجع:

كنز العمال ج 10 ص 7 و 46 عن إبن ماجة عن إبن عباس، و عن إبن أبي الدّنيا و عبد الرزاق عن عمر، و راجع البحار ج 81 ص 224 و مجمع الزوائد ج 5 ص 97 عن الطبراني، و سنن إبن ماجة ج 1 ص 463، و الطب النبوي لإبن القيم ص 84.

[3]- مستدرك الوسائل ج 3 ص 128.


صفحه 140

عنه6: «لا تكرهوا مرضاكم على الطعام، فان اللّه يطعمهم و يسقيهم»[1].

و لعل المراد بأن اللّه يطعمهم و يسقيهم: أنه تعالى يلطف بهم، و يكيّف أجسادهم بحيث تقل حاجتها إلى الطعام و الشراب، الّذي ربما لا يستطيع الجسد أن يتكيف معه، بملاحظة مضاعفات المرض الّتي تلم به ... و ليس ذلك على اللّه تعالى ببعيد.

لا يكلف المريض المشي:

و قد روي عن أبي عبد اللّه (ع): أن «المشي للمريض نكس»[2].

و لعل ذلك بملاحظة: أن الطاقة الّتي يفترض أن يصرفها البدن في التّغلب على المرض ... يصرفها في تكلف المشي، ان لم يصرف تكلّفه هذا أزيد من المعتاد، بملاحظة الحالة الخاصة الّتي يعاني منها ... و معنى ذلك:

أن ينتكس المريض، و يعطي الفرصة ليتغلب عليه، و يفتك فيه من جديد.

[1]- البحار ج 62 ص 142 عن الدعائم و ص 273 عن السرائر، أبواب الأطعمة و الأشربة، و لم ينسبه له6، و طب الصادق ص 16 عن الدعائم، و مستدرك الحاكم، ج 1 ص 350 و 410، و تلخيصه للذهبي بهامش نفس الصفحة، و كنز العمال ج 10 ص 27 عنه و عن الترمذي، و سنن البيهقي ج 9 ص 347 و مجمع الزوائد ج 5 ص 86 عن البزار و الطبراني في الأوسط، و نوادر الأصول ص 66 و مستدرك الوسائل ج 3 ص 127، و الطب النبوي لإبن القيم ص 71 و الترمذي ج 4 ص 384 و مصابيح السنة ج 2 ص 95 و ميزان الإعتدال ج 3 ص 666 و لسان الميزان ج 5 ص 319 و المجروحون ج 2 ص 292 و ليس فيه العبارة الأخيرة.

[2]- راجع: الوسائل ج 2 ص 632 و روضة الكافي ص 291، و البحار ج 62 ص 266 عنه، و طب الصادق ص 76؛ و سفينة البحار ج 2 ص 78.


صفحه 141

حمل الأدوية في السفر:

و الّذي يلاحظ الروايات الواردة في مجال الطب العام يجد انها لم تهمل أيا من الحالات الّتي يتعرض لها الإنسان عادة، و من جملتها حالة السفر، حيث امرت الرواية باستصحاب الادوية الّتي ربما يحتاج إليها للعوارض الّتي تترافق مع السفر عادة، و الّتي تنتج عن المتغيرات الّتي يتعرض لها الإنسان في مواجهة المناخات و الأجواء المختلفة، أو عن استخدامه لوسائل النقل المختلفة، هذا عدا عن ان بعض الأمراض لربما تظهر في بعض البلاد دون بعض.

نعم ... و لاجل هذا نجد لقمان ينصح ولده- إذا أراد السفر- فيقول:

«تزوّد معك الأدوية فتنتفع بها أنت و من معك»[1].

و عن علي (ع) في وصف رسول اللّه6: «طبيب دوار بطبه، قد احكم مراهمه، و أحمى مواسمه، يضع ذلك حيث الحاجة إليه، فتتبع بدوائه مواضع الغفلة، و مواطن الحيرة الخ»[2].

و في هذه الكلمة إرشارات لامور أخرى في هذا المجال تتضح بالتأمل.

العلاج بما يخاف ضرره:

و بعد كل ما تقدم ... فانه إذا كان الطبيب يرى ان الدواء الفلاني يفيد

[1]- المحاسن للبرقي ص 360 و البحار ج 76 ص 275 و 273 و 270 عنه و عن دعوات الراوندي و مكارم الأخلاق ص 254 و الوسائل ج 8 ص 311 و الكافي ج 8 ص 303 و من لا يحضره الفقيه ج 2 ص 185.

[2]- نهج البلاغة الخطبة رقم 108.


صفحه 142

في دفع المرض و استئصاله لكنه يعلم ان له مضاعفات سيئة على المريض فان كانت هذه المضاعفات مما لا يتسامح العرف و لا الشرع بالإقدام عليها لم يجز له ذلك، و إلا جاز. و كذا الحال بالنسبة للمريض نفسه، فانه يجوز له تناول الدواء و ان كان يحتمل ضرره احتمالا لا يعتد به العرف و العقلاء ... و يشير إلى هذا ما عن الدعائم، عن جعفر بن محمد (ع): «أنه رخص في الكي فيما لا يتخوف فيه الهلاك و لا يكون فيه تشويه»[1].

و عن يونس بن يعقوب قال: سألت أبا عبد اللّه (ع) عن الرّجل يشرب الدّواء و ربما قتل، و ربما سلم، و ما يسلم منه أكثر، قال: فقال: «أنزل اللّه الدواء، و أنزل الشفاء، و ما خلق اللّه داء إلّا و جعل له دواء، فاشرب و سم اللّه تعالى»[2].

و عن يونس بن يعقوب، قال: قلت لابي عبد اللّه (ع): الرجل يشرب الدواء، و يقطع العرق، و ربما انتفع به، و ربما قتله، قال يقطع و يشرب‌[3].

و في هذا المعنى روايات اخرى أيضا[4].

حفظ الأسرار الطبية:

سيأتي في بحث عيادة المريض: البحث في أنه هل ينبغي للمريض كتمان مرضه أم لا؟ و الّذي نريد: أن نشير إليه هنا هو كتمان الطبيب للأسرار الطبيّة، و لا بد من التكلم في ذلك من ناحيتين:

الأولى: أنه لابد و أن يحفظ الطبيب سر المريض فلا يبوح به لإحد ..

[1]- البحار ج 62 ص 74.

[2]- الوسائل ج 17 ص 178/ 179 و طب الأئمة ص 63.

[3]- الوسائل ج 17 ص 177- 178 و روضة الكافي ص 194.

[4]- الوسائل ج 17 ص 176- 179 و في هامشه مصادر اخرى.


صفحه 143

و قد ورد في الشريعة المطهرة الحث على كتمان سر المؤمن. و وعد اللّه أن يجعل من يكتم سر أخيه المؤمن يستظل بظل عرش اللّه يوم القيامة، يوم لا ظل إلا ظله‌[1].

و عن عبد اللّه بن سنان قال: قلت له: عورة المؤمن على المؤمن حرام؟

قال نعم، قالت: سفلته؟ قال: ليس حيث تذهب، إنما هو إذاعة سره‌[2].

كما أنه إذا اطمأن المريض إلى ان سره محفوظ؛ فانه يصير أكثر شجاعة على البوح للطبيب بكثير من الامور الّتي قد يكون لها أكبر الأثر، أو الأثر الكبير في معرفة حقيقة الداء، الأمر الّذي يسهل على الطبيب وصف المناسب و الناجع من الدواء .. كما أنه يمكن أن تصدر من المريض الكثير من الأمور الّتي يحب أن لا يعلمها منه أحد. و هذا أمر طبيعي و واضح ..

نعم ... و قد أمر الشارع المريض بان لا يكتم الطبيب مرضه، لإن كتمانه إياه يجعل الطبيب غير قادر على فهم حقيقة ما يعاني منه مريضه من جهة ..

هذا ان لم يكن ذلك سببا في ان يفهم غير ما هو الواقع؛ فيصف له ليس فقط ما لا يجدي، بل و ما قد يضر بحالته و يكون له مضاعفات خطيرة جدا عليه من جهة اخرى .. و ورد ان عليا (ع) أشار إلى الجهة الأولى بقوله: «من كتم مكنون دائه عجز طبيبه عن شفائه»[3]. و عنه (ع): «لا شفاء لمن كتم طبيبه داءه»[4].

[1]- قصار الجمل ج 2 ص 179 عن الوسائل كتاب النكاح باب 12 حديث 3.

[2]- اصول الكافي ج 2 ص 267 ط. المكتبة الإسلامية و المحاسن ص 104 و الوسائل ج 8 ص 408 و ج 2 ص 367 و راجع هامشها.

[3]- غرر الحكم ج 2 ص 668.

[4]- غرر الحكم ج 2 ص 833.


صفحه 144

و أشار إلى الجهة الثانية فقال (ع) فيما روي عنه: «من كتم الأطباء مرضه خان بدنه»[1].

و لقد جاء في القسم المنسوب إلى أبقراط: «... و أما الأشياء الّتي اعانيها في أوقات علاج المرضى، و اسمعها في غير أوقات علاجهم في تصرف الناس في الأشياء، الّتي لا ينطق بها خارجا، فامسك عنها، وارى ان أمثالها لا ينطق به ..»[2].

و جاء في الوصية المنسوبة لأبقراط أيضا أن الطبيب: «ينبغي أن يكون مشاركا للعليل مشفقا عليه، حافظا للاسرار، لأن كثيرا من المرضى يوقفونا على أمراض بهم لا يحبون ان يقف عليها غيرهم»[3].

و قال علي بن العباس: «يجب على الطبيب ان يحفظ أسرار المريض، و لا يفشيها، لا لأقاربه و لا لغيرهم ممن يتصل به، لأن كثيرا من المرضى يكتمون ما بهم عن أقرب الناس إليهم، حتى والديهم، و يبوحون به للطبيب كأوجاع الرحم و البواسير ... فعلى الطبيب ان يحافظ على سر المريض أكثر من المريض نفسه»[4]..

الثانية: كتمان أسرار الطب عمن يمكن ان يسي‌ء استعمالها .. و قد روي عن الصادق (ع) ان: «لكل شي‌ء زكاة، و زكاة العلم ان يعلمه أهله»[5]

[1]- غرر الحكم ج 2 ص 663.

[2]- عيون الأنباء ص 45.

[3]- عيون الأنباء ص 46/ 47.

[4]- تاريخ طب در إيران ج 2 ص 457 عن كتاب كامل الصناعة الطبيّة الملكي.

[5]- البحار ج 2 ص 25 و قصار الجمل ج 2 ص 56 و راجع أصول الكافي ج 1 باب سؤال العلم و تذاكره.