بارگزاری ...
جستجو کنید
برای شروع جستجو، متن خود را وارد کنید.
صفحه 14

و لكننا مع ذلك ... سنحاول أن نظهر بعض التوجهات الخاصة التي نلمحها لدى كل أمة بقدر الامكان، و ذلك على النحو التالي:

1- الطب عند المصريين:

لقد كانت الرقى و العزائم أساس الطب المصري القديم، لاعتقادهم أن الأمراض من الآلهة، فلا تشفيها إلا التوسلات لها، فكانوا يلجأون إلى الكهنة لقربهم منها[1].

و أول طبيب عرف باسمه من المصريين هو (ايمتحب) الذي عاش حوالي القرن الثلاثين قبل الميلاد[2].

و توجد أوراق من البردى- و هي سبع- و قد كتب بعضها في القرن السادس أو السابع عشر، و بعضها قبل ألفي سنة للميلاد، و فيها ما يرتبط بالطب‌[3].

و يذكر وجدي أنه من المعروف: أن أحد فراعنة مصر، و هو نيتي بن فينيس، قد ألف كتابا في علم التشريح. و اشتهر الملك (نيخور دفس) و هو من الاسرة الثالثة من الفراعنة بوضعه رسالة في الطب، كما أن قيروش ودار ملكي الفرس قد عينا في قصورهما أطباء من المصريين.

و يقول وجدي: «كان للاطباء المصريين امتيازات، مثل اعفائهم من الضرائب و كان الناس يحملون إليهم هدايا بدل الأجور، و كان منهم من هو

[1]- المفصل في تاريخ العرب قبل الإسلام ج 8 ص 381.

[2]- تاريخ العلم ج 1 ص 112 تأليف: جورج سارتون.

[3]- تاريخ العلم ج 1 ص 113 و راجع ص 196/ 197 و دائرة معارف القرن العشرين لوجدي ج 5 ص 659/ 660.


صفحه 15

موظف عند الحكومة تنقده أجره في كل شهر، و كان الناس يستشيرونه بدون أجر»[1].

2- الطب عند الكلدان، و البابليين، و الاشوريين، و الاسرائيليين:

أما الكلدان فكان أطباؤهم من السحرة، و كان جل اهتمامهم موجها إلى معالجة المريض بالرقى، مع السماح له بتعاطي بعض الأعشاب، و كانت جميع الأمراض عندهم تعزى إلى الأرواح الشريرة.

كما أن الأشوريين و البابليين كانوا يعتمدون في معالجاتهم على الرقى و العزائم بصورة عامة .. و يعتمدون فيما عن البابليين على الوثائق التي وجدت في خزانة كتب الملك آشور بانيبال، و هي الآن في المتحف البريطاني، و يرجع حكم ذلك الملك إلى القرن السابع قبل الميلاد[2].

و قد تقدم: أن كهنة بابل كانوا يضعون مرضاهم في الأزقة، و معابر الطرق حتى إذا مرّ أحد كان قد اصيب بهذا المرض و شفي، أعلمهم بسبب شفائه، فيكتبون ذلك ... الخ.

و يوجد في قانون حمورابي الأشوري، الذي حكم حوالي القرن العشرين قبل الميلاد مواد قانونية خاصة بالطب الجراحي‌[3].

أما الإسرائيليون، فقد كان الطب عندهم بيد رجال الدين، و قد وجد في التلمود بعض ما يرتبط بالطب‌[4].

[1]- راجع: تاريخ العلم ج 1 ص 196، و راجع دائرة معارف القرن العشرين ج 5 ص 661.

[2]- راجع: تاريخ العلم ج 1 ص 196، و راجع دائرة معارف القرن العشرين ج 5 ص 661.

[3]- تاريخ العلم ج 1 ص 198/ 199.

[4]- دائرة معارف القرن العشرين ج 5 ص 661/ 662.


صفحه 16

و لكن ليعلم: أن التلمود ليس له من القدم بحيث يعبر وجود ذلك فيه عن نبوغ خاص للإسرائيليين في علم الطب، بل هو قد وضع بعد أن قطع الطب شوطا كبيرا في كثير من مجالاته.

3- الطب عند الهنود:

و هو عندهم أيضا يعتمد على السحر و الرقى، و في كتابهم المسمى (ريجفيدا) الذي يتحدث عن خصائص أعشاب كثيرة تجد دعوات تتلى لكثير من الأمراض.

و «كان الطب عندهم بيد البراهمة، و قد عرف اليونانيون أيام مدنيتهم بأن الطب الهندي أرقى من طبهم، و لكنهم لم يفصلوا وجه هذا الرقى، فقد تكلم ابقراط كثيرا عن علاجاتهم، و كان تيوفراست يذكر أعشابا طبية أخذها عنهم»[1].

4- الطب عند الصينيين:

و يذكر وجدي ان الصينيين يزعمون: أنه كان لديهم حدائق لتربية النباتات الطبية قبل المسيح بثلاثة آلاف عام، و ينسبون إلى الملك (هوانج تي) كتابا في الطب ألفه- حوالي سنة 2600 قبل الميلاد، و هو باق عندهم إلى اليوم.

و قد استفاد منهم الاوروبيون في معارفهم الطبية، و يقال: ان العالم «بوردو» قد أخذ مباحثه في النبض عن الكتب الصينية، و المادة الطبية، كانت اهم ما شغلهم و يعتبر كتابهم المسمى (بنتاو) كنز المادة الطبية و فيه (1100) مادة يسرد خصائصها العلاجية.

[1]- المصدر السابق ج 5 ص 662.


صفحه 17

و صناعة الطب عندهم حرة يتعاطاها من شاء، و كانت مدارسهم الطبية في المدن إلى القرن العاشر كثيرة، ثم إختفت إلا مدرسة في العاصمة[1].

5- الطب عند اليونان، و الرومان:

لقد رأينا في الإلياذة لهوميروس إشارات إلى كثير من المعلومات الطبية و لا سيما الجراحية[2].

و كان الطب موجودا لدى اليونان قبل ابقراط، لانه هو نفسه ينقل عن مؤلفات سابقة، و لكن ابقراط قد خلص هذا العلم مما علق به من الشعوذة و العقائد بالأرواح، و لم يقم ابقراط بما قام به إلا اعتمادا على الثروة الطبية الجيدة التي ورثها عن أسلافه‌[3].

و يذكر وجدي أيضا: أن الكتب الّتي سبقت ابقراط مفقودة، و ليس لدينا أقدم من كتبه الآن، و كان الطب عندهم سحريا يعتمد على الرقى و العزائم. ثم لما نبغ الفلاسفة أمثال أنكزيماندوا، و بارفيد، و هيراقليت و غيرهم تكلموا في الاهوية، و الاغذية، و الامراض، و غير ذلك. ثم جاء فيثاغورس فاشتغل بالطب و كتب امبيدو كل في الجنين و الحواس، و الوراثة و التوالد.

ثم ترقى الطب عندهم حتى أس بطليموس الأول و الثاني ملكا مصر مدرسة الإسكندرية، التي نبغ منها جالينوس، الذي عاش في القرن السادس قبل الهجرة.

و كان الطب الروماني مبنيا على الخرافات و الاوهام، و اليونان هم الذين‌

[1]- راجع: دائرة معارف القرن العشرين ج 5 ص 663.

[2]- تاريخ العلم ج 2 ص 215.

[3]- تاريخ العلم ج 2 ص 217 و دائرة معارف القرن العشرين ج 5 ص 664.


صفحه 18

أدخلوا العلم الطبي إليهم من مدرسة الإسكندرية- التي استمرت- كما يقول البعض‌[1]إلى أواخر القرن الأول الهجري- و لعل أول طبيب يوناني دخل رومية هو أركاجانوس بن ليزانياس سنة 192 قبل المسيح، ثم سقط إلى الحضيض على أثر بعض أعماله الجراحية، ثم عاد فدخلها من العلماء اليونانيين من كان له أثر كبير في نشر هذا العلم هناك‌[2].

6- الطب عند الفرس:

قد تقدم أن البعض يقول: ان كهنة الفرس هم واضعوا علم الطب.

و يذكر وجدي: أن الطب كان عندهم مخلوطا من الرقى و التعزيم، و شي‌ء من المبادى‌ء الطبية العلمية. و ان تاريخ الطب عندهم يصعد إلى نحو القرن الرابع قبل المسيح (ع)، و أصوله الأولية مذكورة في كتابهم المقدس زندافستا في الفصل المعنون به «فنديد» و خصوصا تحت عنوان «فارجاد»، و هو أحدث تاريخا من كتب «الفيدا» الهندية المقدسة[3].

و كحصيلة لما تقدم، فان جورج سارتون يقول: ان في وسعنا أن نقرر:

ان القسم الأكبر من المعارف الطبية يرجع إلى الألف الثالث قبل الميلاد[4].

هذا ... و لا همية جامعة جند يشابور في النهضة الإسلامية، نرى أنه لا

[1]- تاريخ طب در إيران ج 2 ص 13.

[2]- دائرة معارف القرن العشرين ج 5 ص 664/ 665 و في تاريخ العلم ص 215- 320 بحث شامل عن الطب اليوناني الأبقراطي ... و لعل هذا التعمد في إظهار عظمة الطب اليوناني من أجل التقليل من أهمية النهضة الطبيّة الإسلامية العظمى الّتي أنست من قبلها و أعجزت من بعدها.

[3]- راجع: دائرة معارف القرن العشرين ج 5 ص 663.

[4]- تاريخ العلم ج 1 ص 197.


صفحه 19

بد من اعطاء لمحة عن هذه الجامعة الشهيرة، فنقول:

جامعة جند يشابور:

تقع مدينة جند يشابور بين شوشتر و خرابات شوش في خوزستان‌[1].

و يظهر من كلام القفطي: أنها كانت مركزا طبيا شهيرا من عهد شابور الأول، و أن الطب قد انتقل إليها من الروم‌[2].

و يحتمل البعض أن مدرسة الطب فيها كانت قبل القرن الرابع أو الخامس الميلادي‌[3].

يقول القفطي: أنه بعد أن انتقل إليها بعض الأطباء الروم مع إبنة ملكهم «و لما أقاموا بها بدأوا يعلمون أحداثا من أهلها، و لم يزل أمرهم يقوى في العلم، و يتزايدون فيه، و يرتبون قوانين العلاج على مقتضى أمزجة بلدانهم حتى برزوا في الفضائل. و جماعة يفضلون علاجهم و طريقتهم على اليونانيين و الهند؛ لانهم أخذوا فضائل كل فرقة؛ فزادوا عليها بما استخرجوه من قبل نفوسهم! فرتبوا لهم دساتير و قوانين، و كتبا جمعوا فيها كل حسنة، حتى ان في سنة عشرين من ملك كسرى اجتمع أطباء من جند يشابور بأمر الملك، و جرى بينهم مسائل و أجوبتها. و أثبتت عنهم. و كان أمرا مشهورا. و كان واسطة المجلس: جبرائيل درستباذ؛ لانه كان طبيب كسرى. و الثاني: السوفسطائي و أصحابه. و يوحنا، و جماعة من الأطباء ...

[1]- راجع مقالا للدكتور محمد محمدي في مجلة الهادي سنة 2 عدد 2 بعنوان: جامعة جند يشابور و كتاب تاريخ طب در إيران، و معجم البلدان للحموي، و غير ذلك.

[2]- تاريخ الحكماء ص 133.

[3]- هو الدكتور محمد محمدي في مقال له في مجلة الهادي سنة 2 عدد 2 ص 51 و هو بعنوان: جامعة جنديشابور.


صفحه 20

و جرى لهم من المسائل و التعريفات ما اذا تأملها القارى‌ء لها استدل على فضلهم و غزارة علمهم ...[1].

و يقال: ان خسرو أنوشروان قد أرسل برزويه الطبيب، و المشرف على أمور الطب جنديشابور- أرسله- مع هيئة خاصة إلى مختلف البلدان لجلب الكتب الطبية[2].

و يرى البعض: أن الطب في جنديشابور مزيج من طب اليونان، و الهند، و إيران و مدرسة مرو[3].

7- الطب عند العرب قبل الإسلام:

و قبل البدء في الحديث عن طب العرب في الجاهلية ... نشير إلى أننا قد تعمدنا بعض التفصيل في هذا المجال، من أجل اظهار حقيقة الوضع الذي كان سائدا في المنطقة التي ظهر فيها الإسلام، الذي بعث أعظم ثورة ثقافية و إنسانية عرفها التاريخ ... و الذي شهد عالم الطب في ظله تطورا هائلا و أسطوريا، كما سنرى، و لاجل ذلك نقول:

أما الطب عند العرب، فيقول وجدي: إنه كان مقتبسا عن اليوناني، و الهندي، و لم يزد العرب عليه شيئا إلّا فيما يتعلق بالمادة الطبية[4].

فإذا كان وجدي يقصد بذلك: الطب في فترة ما قبل الإسلام؛ فيمكن أن يكون له وجه ... و ان كنا نرجح: أنه ليس إلّا نتيجة لتجارب شخصية

[1]- تاريخ الحكماء ص 133.

[2]- راجع مقالا للدكتور محمد محمدي بعنوان: جامعة جنديشابور، في مجلة الهادي سنة 2 عدد 2 ص 52.

[3]- تاريخ طب در إيران ج 2 ص 73.

[4]- دائرة معارف القرن العشرين ج 5 ص 666.


صفحه 21

محدودة، أو مأخوذة من أطباء جنديشابور، أو من أي من البلاد التي تحيط بهم.

و أما إذا كان يقصد طب ما بعد ظهور الإسلام؛ فلا ريب في عدم صحة هذا الكلام، كما سنرى فيما يأتي ... و يؤيد أنه يقصد هذا الثاني: قوله: أنه كان قبل الإسلام منقولا إليهم من السوريين‌[1].

فالظاهر: أنه قد تأثر بمزخرفات المستشرقين الذين يحاولون تعظيم و تضخيم دور أي من الأمم التي سبقت الإسلام بهدف التخفيف من عظمة البعث الإسلامي، في مختلف المجالات، و ذلك لاهداف حقيرة لا تخفى ...

و على كل حال ... فان مطالعة معالم النهضة الإسلامية الطبية لخير دليل على كذب هذا الإدعاء، و لسوف يأتي بعض ما يشير إلى ذلك كما قلنا.

أما الدكتور فيليب حتي فيقول: «أنشأ الطب العربي العلمي عن الطب السوري الفارسي، الذي كان يقوم بدوره على أسس من الطب الإغريقي. و قد أشرنا سابقا إلى أن الطب الإغريقي ذاته قد استقى كثيرا من الطب الشعبي القديم الذي كان معروفا في الشرق الادنى، و لا سيما الطب المصري»[2].

و لكن ما ذكرناه نحن آنفا هو الأكثر دقة في هذا المجال ... فإن الطب قد كان عند جميع الأمم و لكن بمستويات مختلفة و متفاوتة، و قد استطاعت جنديشابور أن تحتوي معظم نتاج الأمم السابقة، ثم تصدر ما حصلت عليه إلى سائر الشعوب الّتي كانت بحاجة إلى مادة كهذه و منها العرب، و ان كان العرب‌

[1]- دائرة معارف القرن العشرين ج 5 ص 655.

[2]- موجز تاريخ الشرق الادنى ص 191.