بارگزاری ...
جستجو کنید
برای شروع جستجو، متن خود را وارد کنید.
صفحه 142

في دفع المرض و استئصاله لكنه يعلم ان له مضاعفات سيئة على المريض فان كانت هذه المضاعفات مما لا يتسامح العرف و لا الشرع بالإقدام عليها لم يجز له ذلك، و إلا جاز. و كذا الحال بالنسبة للمريض نفسه، فانه يجوز له تناول الدواء و ان كان يحتمل ضرره احتمالا لا يعتد به العرف و العقلاء ... و يشير إلى هذا ما عن الدعائم، عن جعفر بن محمد (ع): «أنه رخص في الكي فيما لا يتخوف فيه الهلاك و لا يكون فيه تشويه»[1].

و عن يونس بن يعقوب قال: سألت أبا عبد اللّه (ع) عن الرّجل يشرب الدّواء و ربما قتل، و ربما سلم، و ما يسلم منه أكثر، قال: فقال: «أنزل اللّه الدواء، و أنزل الشفاء، و ما خلق اللّه داء إلّا و جعل له دواء، فاشرب و سم اللّه تعالى»[2].

و عن يونس بن يعقوب، قال: قلت لابي عبد اللّه (ع): الرجل يشرب الدواء، و يقطع العرق، و ربما انتفع به، و ربما قتله، قال يقطع و يشرب‌[3].

و في هذا المعنى روايات اخرى أيضا[4].

حفظ الأسرار الطبية:

سيأتي في بحث عيادة المريض: البحث في أنه هل ينبغي للمريض كتمان مرضه أم لا؟ و الّذي نريد: أن نشير إليه هنا هو كتمان الطبيب للأسرار الطبيّة، و لا بد من التكلم في ذلك من ناحيتين:

الأولى: أنه لابد و أن يحفظ الطبيب سر المريض فلا يبوح به لإحد ..

[1]- البحار ج 62 ص 74.

[2]- الوسائل ج 17 ص 178/ 179 و طب الأئمة ص 63.

[3]- الوسائل ج 17 ص 177- 178 و روضة الكافي ص 194.

[4]- الوسائل ج 17 ص 176- 179 و في هامشه مصادر اخرى.


صفحه 143

و قد ورد في الشريعة المطهرة الحث على كتمان سر المؤمن. و وعد اللّه أن يجعل من يكتم سر أخيه المؤمن يستظل بظل عرش اللّه يوم القيامة، يوم لا ظل إلا ظله‌[1].

و عن عبد اللّه بن سنان قال: قلت له: عورة المؤمن على المؤمن حرام؟

قال نعم، قالت: سفلته؟ قال: ليس حيث تذهب، إنما هو إذاعة سره‌[2].

كما أنه إذا اطمأن المريض إلى ان سره محفوظ؛ فانه يصير أكثر شجاعة على البوح للطبيب بكثير من الامور الّتي قد يكون لها أكبر الأثر، أو الأثر الكبير في معرفة حقيقة الداء، الأمر الّذي يسهل على الطبيب وصف المناسب و الناجع من الدواء .. كما أنه يمكن أن تصدر من المريض الكثير من الأمور الّتي يحب أن لا يعلمها منه أحد. و هذا أمر طبيعي و واضح ..

نعم ... و قد أمر الشارع المريض بان لا يكتم الطبيب مرضه، لإن كتمانه إياه يجعل الطبيب غير قادر على فهم حقيقة ما يعاني منه مريضه من جهة ..

هذا ان لم يكن ذلك سببا في ان يفهم غير ما هو الواقع؛ فيصف له ليس فقط ما لا يجدي، بل و ما قد يضر بحالته و يكون له مضاعفات خطيرة جدا عليه من جهة اخرى .. و ورد ان عليا (ع) أشار إلى الجهة الأولى بقوله: «من كتم مكنون دائه عجز طبيبه عن شفائه»[3]. و عنه (ع): «لا شفاء لمن كتم طبيبه داءه»[4].

[1]- قصار الجمل ج 2 ص 179 عن الوسائل كتاب النكاح باب 12 حديث 3.

[2]- اصول الكافي ج 2 ص 267 ط. المكتبة الإسلامية و المحاسن ص 104 و الوسائل ج 8 ص 408 و ج 2 ص 367 و راجع هامشها.

[3]- غرر الحكم ج 2 ص 668.

[4]- غرر الحكم ج 2 ص 833.


صفحه 144

و أشار إلى الجهة الثانية فقال (ع) فيما روي عنه: «من كتم الأطباء مرضه خان بدنه»[1].

و لقد جاء في القسم المنسوب إلى أبقراط: «... و أما الأشياء الّتي اعانيها في أوقات علاج المرضى، و اسمعها في غير أوقات علاجهم في تصرف الناس في الأشياء، الّتي لا ينطق بها خارجا، فامسك عنها، وارى ان أمثالها لا ينطق به ..»[2].

و جاء في الوصية المنسوبة لأبقراط أيضا أن الطبيب: «ينبغي أن يكون مشاركا للعليل مشفقا عليه، حافظا للاسرار، لأن كثيرا من المرضى يوقفونا على أمراض بهم لا يحبون ان يقف عليها غيرهم»[3].

و قال علي بن العباس: «يجب على الطبيب ان يحفظ أسرار المريض، و لا يفشيها، لا لأقاربه و لا لغيرهم ممن يتصل به، لأن كثيرا من المرضى يكتمون ما بهم عن أقرب الناس إليهم، حتى والديهم، و يبوحون به للطبيب كأوجاع الرحم و البواسير ... فعلى الطبيب ان يحافظ على سر المريض أكثر من المريض نفسه»[4]..

الثانية: كتمان أسرار الطب عمن يمكن ان يسي‌ء استعمالها .. و قد روي عن الصادق (ع) ان: «لكل شي‌ء زكاة، و زكاة العلم ان يعلمه أهله»[5]

[1]- غرر الحكم ج 2 ص 663.

[2]- عيون الأنباء ص 45.

[3]- عيون الأنباء ص 46/ 47.

[4]- تاريخ طب در إيران ج 2 ص 457 عن كتاب كامل الصناعة الطبيّة الملكي.

[5]- البحار ج 2 ص 25 و قصار الجمل ج 2 ص 56 و راجع أصول الكافي ج 1 باب سؤال العلم و تذاكره.


صفحه 145

و في معناه غيره.

و عن علي (ع): «شكر العالم على علمه ان يبذله لمن يستحقه»[1].

و في البحار ج 2 روايات متعددة يستفاد منها هذا المعنى.

و واضح ان من يسي‌ء استعمال العلم ليس ممن يستحق العلم، و لا هو من أهله و لعل من أظهر مصاديق هؤلاء العدو الغاشم، فلابد من الإحتياط منه و عدم اطلاعه لا على الأدوية و لا على أسرارها؛ فعن علي (ع): ثلاثة لا يستحى من الختم عليها: «المال فنفي التهمة، و الجوهر لنفاسته، و الدواء للاحتياط من العدو»[2].

و اما بالنسبة لغير العدو فقد قال علي بن العباس: أن على الطبيب ان «لا يجوّز لهم الدواء الخطر، و لا يصفه لهم، و لا يدل المريض على أدوية كهذه، و لا يتكلم عنها أمامه، و لا يجوز لهم الادوية المسقطة للجنين، و لا يدل عليها أحدا»[3].

و ما ذلك إلّا لان الطب لم يكن إلّا لخدمة الإنسانية، و التخفيف من آلامها، فإذا أسي‌ء استعماله، و كان مضرا بالإنسان و بالإنسانية، فان الإنسانية تكون في غنى عنه، و ليست بحاجة إليه.

و قد جاء في القسم المنسوب إلى أبقراط: «و اما الأشياء الّتي تضر بهم، و تدني منهم بالجور عليهم فأمنع منها بحسب رأيي، و لا أعطي إذا طلب مني دواء قتالا، و لا أشير أيضا بمثل هذه المشورة. و كذلك أيضا لا أرى ان أدنى‌

[1]- البحار ج 2 ص 81 عن كنز الكراجكي و قصار الجمل ج 2 ص 60.

[2]- شرح النهج للمعتزلي ج 2 ص 289.

[3]- تاريخ طب در إيران ج 2 ص 457 عن كتاب: كامل الصناعة الطبيّة المكي.


صفحه 146

من النسوة فرزجة تسقط الجنين»[1].

تحري الدقة في اجراء الفحوصات:

و بعد .. فان على الطبيب ان يتحرى الدقة التامة في مجال إجرائه الفحوصات للمريض، فان ذلك بالإضافة إلى انه من مقتضيات الأمانة؛ فانه مما تفرضه المشاعر الإنسانية النبيلة بالنسبة لهذا الإنسان الّذي سلم أمره إليه، و علق الكثير من آماله عليه .. و قد أشار أمير المؤمنين علي (ع) إلى ذلك حينما قال- فيما روي عنه-: «لا تقاس عين في يوم غيم»[2]. و قد تقدم ما فيه إشارة إلى ذلك أيضا.

الثقة بالعلاج- التشويه:

و بعد فانه لم يرخص بالمعالجة بما يتخوف فيه الهلكة .. فلا بد من الإطمئنان لصلاحية العلاج، كما أن على الطبيب الحاذق أن يحافظ على سلامة المظهر لمريضه، فلا يستعمل علاجا يوجب تشويها.

فعن جعفر بن محمد (ع): «أنه رخص في الكي فيما لا يتخوف منه الهلكة، و لا يكون فيه تشويه»[3].

من مواصفات الطبيب الحاذق:

و أخيرا .. فقد ذكر البعض بعض. المواصفات الّتي يفترض بالطبيب الحاذق أن يراعيها و يهتم بها .. و قد تقدم بعض ما يشير إلى نقاط منها ...

و بقي أن نشير منها إلى ما يلي:

[1]- عيون الأنباء ص 45. و الفرزجة: شي‌ء يتداوى به النساء ...

[2]- الوسائل ج 19 ص 280 و التهذيب ج 10 ص 268 و الفقيه ج 4 ص 101.

[3]- دعائم الإسلام ج 2 ص 146.


صفحه 147

1- أن يعرف نوع المرض.

2- أن يعرف سببه.

3- معرفة المزاج الطبيعي للبدن.

4- معرفة المزاج الحادث على غير المجرى الطبيعي.

5- سن المريض.

6- عادات المريض.

7- ملاحظة حالة الجو الحاضرة و ما ينسجم معها.

8- ملاحظة كونه في أي فصل من فصول السنة.

9- النّظر في إمكان المعالجة لتلك العلة، أو تخفيفها، أم لا يمكن.

10- ملاحظة بلد المريض و تربته.

11- النظر في إمكان المعالجة بغير الدواء، كالحمية و الغذاء و الهواء، ثم بالادوية البسيطة، ثم بالمركب ... و هكذا ...

12- النظر في الدواء المضاد لتلك العلة، ثم الموازنة بين قوته و قوة ذلك المرض، بالإضافة إلى قوة المريض نفسه.

13- ان يربط المريض باللّه، و اعتباره القادر على شفائه، و توجيهه نحو تصفية النفس، و الإخلاص له تعالى‌[1]...

انتهى ما أردناه من كلامه، مع تصرف، و زيادة، و حذف ... و بعضه‌

[1]- الطب النبوي لإبن القيم ص 112- 114.


صفحه 148

يمكن استخلاصه مما تقدم و من غيره من روايات أهل البيت (ع)، أو يدخل في قواعد عامة صدرت عنهم صلوات اللّه و سلامه عليهم أجمعين ...

معالجة غير المسلم للمسلمين:

و لم يمنع الإسلام من مداواة اليهودي و النصراني للمسلم، فقد روي عن أبي جعفر (ع)، قال: سألته عن الرجل يداويه النصراني و اليهودي، و يتخذ له الادوية، فقال: لا بأس بذلك، إنما الشفاء بيد اللّه‌[1].

و عن عبد الرحمان بن الحجاج قال: قلت لموسى بن جعفر (ع): إني احتجت إلى طبيب نصراني، أسلم عليه، و أدعو له، قال: نعم، انه لا ينفعه دعاؤك‌[2].

و قد داوى رجل يهودي بعض الناس على عهد النبي6، و أخرج من بطنه رجراجا، كما تقدم‌[3]كما أن الحارث بن كلدة قد عالج بعض الصحابة بأمر من النبي- كما يقولون- مع أنهم يقولون: انه لا يصح ان الحارث قد أسلم، فراجع كتب تراجم الصّحابة، و المصادر المتقدمة في الفصل الأول من الكتاب.

و قال الشهيد في الدروس: يجوز المعالجة بالطبيب الكتابي، و قدح العين عند نزول الماء[4].

[1]- الوسائل ج 17 ص 181، و البحار ج 62 ص 73 و 65 و الفصول المهمة ص 439 و قصار الجمل ج 1 ص 209.

[2]- الفصول المهمة ص 440، و الوسائل ج 8 ص 457 و قال في هامشه:« الأصول ص 615: أخرجه عنه؛ و عن كتب أخرى في كتب أخرى في ج 2 في 1/ 46 من الدعاء» انتهى. و قرب الإسناد ص 129 و البحار ج 75 ص 389.

[3]- تقدمت المصادر لذلك ..

[4]- البحار ج 62 ص 65 و 288.


صفحه 149

و ذلك يدل بوضوح على أن الإسلام يهتم بالكفاءات أينما وجدت، و لأن ذلك لا يؤثر على عقيدة الإنسان المسلم، و لا في سلوكه، بل هو يساهم في إعادة السلامة و المعافاة له ... الأمر الّذي يمكّنه من العودة إلى مجال الحياة و النّشاط فيها، و خدمة نفسه و مجتمعه على مختلف الأصعدة.

إلّا إذا كان ذلك يوجب مودة لليهود و النصارى، و محبة لهم، تكون سببا في الانحراف عن الجادة المستقيمة، و الوقوع في مهاوي الجهل و الحيرة و الضياع ..