المستشفيات أية تعقيدات إدارية تعيق المراجعين عن الوصول إلى الطبيب و إلى الدواء بالسرعة الممكنة ..
2- كما أن بعض ما تقدم و ما سيأتي يجعلنا نبادر إلى القول: بأن المستشفيات لابد و أن تخلو من كل ما يوجب سخط اللّه سبحانه و تعالى، و الحرمان من رحمته و غفرانه، لأن المريض يعيش الحالة الّتي هي رحمة إلهية، و كرامة ربانية، و من موجبات زكاة النفس، و الطهارة من الذنوب، كما صرحت به الروايات الكثيرة الّتي لا مجال لنقلها هنا ... هذا من الناحية السّلبية.
و من الناحية الإيجابية فانه لا بد و أن تتوفر في هذه المستشفيات حالة روحية تنسجم مع ما أخبر عنه المعصومون بالنسبة لدرجات القرب، و الرحمة و الغفران للمريض، و لكل من يقوم بخدمته، أو يسعى لعيادته. كما سنشير إليه إن شاء اللّه تعالى ...
3- و بعد هذا ... فلا بد من توفير عنصر الهدوء في المستشفيات، فلا ضجة، و لا ضوضاء فيها ... الأمر الّذي يستدعي إضجار المريض، و إزعاجه و تبرمه، و هو من أحوج الناس إلى الراحة و الطمأنينة، هذا بالإضافة إلى وجوب توفر عنصر الرحمة له، و اللطف به، فلا يصح إثارة عواطفه و لا إغضابه ...
و قد ورد عن أبي عبد اللّه الصادق (ع) قوله: «ثلاثة دعوتهم مستجابة:
الحاج، و الغازي، و المريض؛ فلا تغيظوه، و لا تضجروه». أو «و لا تزجروه»[1]و قد ورد في القرآن الكريم الأمر بغض الصوت على لسان لقمان في نصائحه لإبنه:
[1]- أصول الكافي ط. المكتبة الإسلامية ج 2 ص 369، و البحار ج 81 ص 225 عن عدة الداعي، و الوسائل ج 2 ص 637 و ج 4 ص 1162 عن أصول الكافي.
وَ اغْضُضْ مِنْ صَوْتِكَ، إِنَّ أَنْكَرَ الْأَصْواتِ لَصَوْتُ الْحَمِيرِ[1].
و قد نعى القرآن أيضا على الّذين يرفعون أصواتهم فوق صوت النبي6.. و يستفاد هذا المعنى- أي حسن غض الصوت- من آيات أخرى كذلك ...
يقول الدكتور پاك نجادر رحمه اللّه تعالى: «لقد أثبتت التجارب على الحيوان أن الضجيج يزيد من حساسيتها تجاه الميكروب، و يوجب مرض الكلى، و قرحة المعدة، بل يوجب الموت العاجل سواء بالنسبة للإنسان أو بالنسبة لغيره»[2].
و يقول: «قد ثبت لدى العلماء: أن السبب في ازدياد تناول الأقراص المهدئة للأعصاب هو الضجيج الناشىء عن الكثافة السكانية، و بالخصوص؛ فان وجود العمارات الشاهقة، و ناطحات السحاب له أثر حتمي في تحطيم الأعصاب»[3].. و يقول الدكتور هال: «يبدو أن السكنى في الطبقات العليا من البنايات لها مدخلية فيما يعانيه الساكن من غم و يأس. أما الّذين يعيشون في غرف لا منافذ لها، و لا يتصلون بالفضاء الخارجي إلا قليلا، فانهم يرتكبون خطأ أكبر»[4].
و ذلك يوضح عدم صحة كون المستشفى مؤلفا من طبقات عديدة؛ فان ذلك يضر بحالة المريض، كما يضر من نواح أخرى لا مجال لها ... و قد نهى الأئمة (ع) عن رفع البناء .. فعن الصادق (ع) أنه قال: «إذا بنى الرجل فوق
[1]- سورة لقمان، الآية: 19.
[2]- أولين دانشگاه و آخرين پيامبر ج 15 ص 162.
[3]- المصدر السابق ج 2 ص 184.
[4]- المصدر السابق ج 2 ص 182.
ثمانية أذرع نودي: يا أفسق الفاسقين أين تريد؟. و بمعناه غيره»[1].
كما أن ذلك يوضح ضرورة بعد المستشفى عن الأماكن، و الشوارع المزدحمة بالناس و بالسيارات، حيث العجيج و الضجيج، و يؤكد على لزوم كونه في مكان مطمئن و هادىء .. كما أنه لا يمكن السماح بأي نوع من أنواع الضّجيج في داخل المستشفى، و لا سيّما في أوقات نوم المرضى، فان النّوم راحة الجسد[2]؛ فلابد من تمكين الجسد من التمتع بهذا القسط من الرّاحة.
4- لابد و أن تكون غرف المستشفى بحيث تتسع لاكثر من سرير واحد، و ذلك لورود النهي الأكيد عن نوم الإنسان منفردا .. و لا بد و أن يتأكد ذلك النهي بالنسبة إلى المريض الّذي يتعرض لحالات طارئة، بسبب مضاعفات المرض غير المتوقعة في أحيان كثيرة .. الأمر الّذي يحتم وجود آخرين معه من المرضى أنفسهم، حيث لا يمكن السماح للأصحاء بالتّواجد معه في كثير من الأحيان ..
كما أن الرّاحة النفسية للمريض تحتم سعة غرفته، وسعة السّاحة الّتي يشرف عليها، هذا عدا عن أن الحث على عيادة المريض يفرض أن تكون الغرف بحيث تتسع لاستقبال زائريه، من دون أن يضر ذلك بحالته، أو يؤدي إلى إضجاره و إزعاجه بأي نحو كان .. كما لا بد للمريض من أن يشرف على فضاء أرحب، و تكون السّاحة الخارجية للمستشفى قادرة على تأمين ذلك بالإضافة إلى قدرتها على تأمين الإحتياجات الطبيعية لمؤسسة كهذه ...
و الروايات تهتم كثيرا بالتّأكيد على لزوم السعة في المنزل، و في السّاحة ...
5- لابد من رسم أوقات للعيادة، بحيث تكون في كل ثلاثة أيام مرة،
[1]- المحاسن للبرقي ص 608 و الوسائل ج 3 ص 566 و 565.
[2]- طب الصادق ص 77 عن أمالي الصدوق.
مع مراعاة عدم إطالة فترتها- و سنشير إلى الروايات المرتبطة بذلك في الفصل الآتي إن شاء اللّه.
6- و بعد .. فقد ورد في الروايات التأكيد الشديد على النّظافة، و اعتبرت من الإيمان ... و أن اللّه يكره من عباده القاذورة .. و قد ورد: أن غسل الثياب يذهب بالهم و الحزن[1]و عن علي (ع): «من نظف ثوبه قل همه»[2].
و معلوم: أن هذا الأمر- يعني الهم- سيء الأثر و العاقبة على المريض؛ إذ أن الهم نصف الهرم، كما عن علي (ع)[3].. و عن النبي6: «من كثر همّه سقم بدنه»[4].. و عن الكاظم (ع): «كثرة الهم يورث الهرم»[5].
نعم .. و قد أثبتت البحوث العلميّة صحة هذا الأمر، فان الهم يرهق الأعصاب و يترك أثرا كبيرا على نشاط الجسم و حيويته، و استمرار ذلك يؤدي إلى السقم و المرض ... و تفصيل ذلك موكول إلى أهل الإختصاص في محله.
و أما بالنسبة لنظافة الغرفة، و جميع ما فيها من وسائل، و عدم إبقاء القمامة فيها ليلا .. و كذلك نظافة السّاحات و الأفنية و المرافق، فقد ورد التأكيد عليها في كلامهم (ع) بالنسبة إلى بيت السكنى، و واضح أن تأكد ذلك بالنسبة للمستشفيات و المستوصفات أكثر وضوحا، ما دام أن ذلك يمس سلامة
[1]- البحار ج 76 ص 84 و 22 و في هامشه عن الخصال ج 2 ص 156 و 160.
[2]- كنز الفوائد للكراجكي ص 283، و البحار ج 78 ص 93 عنه.
[3]- كنز الفوائد للكراجكي ص 287 و الخصال ج 2 ص 620 و البحار ج 78 ص 93 عن الأول.
[4]- أمالي الطوسي ج 2 ص 125 و البحار ج 77 ص 126.
[5]- تحف العقول ص 301 و البحار ج 78 ص 326 عنه.
المريض النفسية، هذا عدا عما له من آثار جسدية أيضا بملاحظة: أن التساهل و الإهمال في هذا الأمر لربما يكون له مضاعفات لا تحمد عقباها بالنسبة للمرضى الّذين يفترض الإهتمام بمعالجتهم، و بابعاد كل ما يمكن أن يحمل ميكروبا عنهم، لا بزيادة مشاكلهم، و متاعبهم و آلامهم ..
7- و بعد هذا .. فانه إذا كانت النار المتوقدة في الغرفة تساهم في تقليل كمية الأوكسيجين فيها، فان من الطبيعي أن يترك ذلك أثرا على تنفس المريض، حيث تقل كمية الأوكسيجين الّتي تصل إلى الجسم. و يمكن أن يترك ذلك أثرا سيئا على الحالة الصحيّة العامة للمريض، و يحدث له مشاكل و مضاعفات جديدة، كان في غنى عنها، و لعل هذا هو بعض السر في نهيهم (ع) عن النوم في الغرفة الّتي فيها نار مشبوبة.
8- و أما بالنسبة لكون المكان كثير العشب و الشجر[1].. فان الأمر فيه واضح؛ فعدا عن أن النظر إلى الخضرة من شأنه أن يبعث البهجة و الإرتياح في
[1]- ان اهتمام الإسلام بالشجر و الخضرة واضح جدا حتّى لقد حرم على الحجاج قطع شجر الحرم، و جعل عليهم الكفارة في ذلك .. كما أن النبي6كان يوصي المقاتلين بأن لا يقطعوا شجرا، و لا يتلفوا زرعا .. و في وصية علي( ع) لولده:« و ان لا يبيع من أولاد نخيل هذه القرى ودية، حتّى تشكل أرضها غراسا» قال الرضي:« و المراد: أن الأرض يكثر فيها غراس النخل، حتّى يراها النّاظر على غير تلك الصفة الّتي عرفها؛ فيشكل عليه أمرها، و يحسبها غيرها ...» راجع نهج البلاغة بشرح محمد عبده ج 3 ص 26. و قال تعالى:لَقَدْ كانَ لِسَبَإٍ فِي مَسْكَنِهِمْ آيَةٌ جَنَّتانِ عَنْ يَمِينٍ وَ شِمالٍ كُلُوا مِنْ رِزْقِ رَبِّكُمْ وَ اشْكُرُوا لَهُ بَلْدَةٌ طَيِّبَةٌ وَ رَبٌّ غَفُورٌسورة سبأ، الآية: 15.
و هذا كثير جدا .. و هو يعطي حقيقة القيمة الّتي يعطيها الإسلام للشجرة حتّى ليهتم بتعويد النّاس على المحافظة على الشجر و الزرع و لو عن طريق وضع العقاب على المخالفة في ذلك، و حتّى في حال الحرب مع العدو.
النفس، و يجلو البصر .. فان هذه الأشجار و الأعشاب بالذات هي الّتي تجعل الهواء طريا و صافيا، بالإضافة إلى أنها تغنيه بمادة الأوكسيجين الّتي تفرزها، و الّتي هي بمثابة الغذاء للجسم، و تصل إليه عن طريق التنفس و عن طريق خلايا الجسم الظاهرة، الّتي اهتم الإسلام بالمحافظة على قدرتها على القيام بوظيفتها عن طريق الأمر بالنظافة و الغسل، و غير ذلك من أمور ضرورية لذلك ..
9- أما وضع الأسرة في المستشفى، بحيث يكون المريض مستقبلا للقبلة في مجلسه و في حال نومه .. فانه هام أيضا؛ حيث ان ذلك يمكّن الجسم- بسبب ملاحظة بعض التوازنات بالنسبة للدورة الدموية و للجاذبية و غيرها- من أن يحتفظ بذرات الحديد المتواجدة فيه في حالة متوازنة. و قد شرح ذلك المرحوم الشهيد الدكتور پاك نجاد في كتابه أولين دانشكاه و آخرين پيامبر، فراجع ..
و حسبنا ما ذكرناه هنا .. فان استقصاء الكلام في تلك الخصوصيات يحتاج إلى وقت طويل و تأليف مستقل، و غرضنا هنا هو الإشارة إلى بعض ذلك، لا كله .. و للتوسع مجال آخر ..
علاقة الطبيب بالممرض:
و أما عن العلاقة الممرض و الطبيب، فيجب أن تحكمها الرّوح الإسلاميّة و الإنسانية ..
و على الطبيب أن لا يرهق الممرض، و يجعله يتضايق نفسيا، لان ذلك يمكن أن يؤثر على معاملته و أخلاقياته مع المريض، و بالتّالي على مستوى خدمته. له و نوعيتها.
كما أن على الممرض أن يحترم الطبيب، و يسارع إلى تلبية طلباته؛
لانها إنّما تكون من أجل المريض و في سبيله، و ليست طلبات شخصية له ..
و إذا كان كل من الطبيب و الممرض يسعيان إلى هدف واحد، و هو إنقاذ المريض، و التخفيف من آلامه، ثم الحصول عن طريق ذلك على رضا اللّه سبحانه؛ فلماذا لا يتعاونان على الوصول إلى ذلك الهدف، الّذي يرضي اللّه، و الضمير، و الوجدان الإنساني؟!.
الممرض في المستشفى:
و بعد كل ما تقدم .. فان العلاقة بين الممرض و المريض تصبح واضحة، و كذا السلوك العام للممرض في مختلف أحواله و مواقفه؛ فان كل ذلك يجب أن يكون إسلاميا بكل ما لهذه الكلمة من معنى؛ و ما ذلك إلّا لان المريض- كما قدمنا- قريب من اللّه، و من رحمته و غفرانه، و هو مستجاب الدعوة، و ليس مرضه إلا كرامة ربانية، و رحمة إلهية.
و اننا بملاحظة ما تقدم و غيره نستطيع أن نشير إلى النقاط التالية:
1- إن على الممرض أن لا يزعج المريض و لا يغيظه، بل يحافظ على مشاعره، و يهتم براحته النفسية بكل ما أوتي من قوة و حول .. و لا يحق له أن يزجره أو ينتهره بأي وجه ..
كما أن عليه أن لا يضجره كذلك .. و ذلك عملا بقول الصادق (ع):
«فلا تزعجوه و لا تضجروه»، أو «و لا تزجروه» .. و عنه (ع): «إسماع الأصم من غير تضجر صدقة هنيئة»[1]. و هذا يتأكد بالنسبة إلى الممرض الّذي ربما ينفد صبره أحيانا، بسبب المتاعب الّتي يتعرض لها في عمله.
نعم .. و هذا هو ما تفرضه الأخلاق الإنسانية الفاضلة، و التعاليم الإلهية
[1]- البحار ج 74 ص 388 و ثواب الأعمال ص 168.
الكريمة السامية، و تضافرت عليه النصوص و الآثار بالنسبة لغير المريض أيضا، فكيف بالنسبة إليه.
نعم و هكذا الحال بالنسبة إلى غير ذلك من أخلاق إسلامية و إنسانية، يفترض في كل مسلم أن يتحلى بها، و يعامل إخوانه المؤمنين على أساسها ..
2- أن لا يكون ثمة تمييز بين الغني و الفقير- سواء في قبول المستشفى لهما، أم في العناية و الخدمات الّتي يفترض بالمستشفى و الممرض ان يقدمها لكل منهما، و قد تقدم ما يشير إلى ذلك في الفصل السابق.
3- أن يكون الممرض نظيفا حسن المظهر، بالإضافة إلى الإهتمام البالغ بالنظافة سواء بالنسبة للمريض، أو المستشفى بصورة عامة، ثم تصريفه لجميع الشّؤون المطلوبة منه، و الّتي يحتاج المستشفى إلى تصريفها بالسرعة الممكنة، و الإتقان و الجد اللازمين.
4- انه لا بد للذين يشرفون على المريض من أن لا يديموا النّظر إليه، و أن لا يسمعوه الإستعاذة من البلاء فان ذلك يجعله يلتفت إلى نفسه، و ما حاق بها من بلاء- و لا سيما إذا كان مبتلى بعاهة ظاهرة- و يعتبر أن هذا النظر إليه إنّما هو ليتجلى للناظر ذلك النقص الّذي يحب هو إخفاءه. و لا بد و أن يقايس هذا المبتلى بين النقص الّذي يحيق به، و بين كمال ذلك الناظر إليه، و هنا لا بد و أن يتملكه حزن عميق، و شعور قوي بالمرارة و الكآبة ..
و قد «كان محمّد بن علي لا يسمع المبتلى الإستعاذة من البلاء»[1]و المراد بمحمد بن علي الإمام الباقر (ع).
و روي عن أبي عبد اللّه الصّادق (ع): «لا تنظروا إلى أهل البلاء؛ فان
[1]- البيان و التبيين ج 3 ص 280 و 158 و عيون الأخبار ج 2 ص 208.