لانها إنّما تكون من أجل المريض و في سبيله، و ليست طلبات شخصية له ..
و إذا كان كل من الطبيب و الممرض يسعيان إلى هدف واحد، و هو إنقاذ المريض، و التخفيف من آلامه، ثم الحصول عن طريق ذلك على رضا اللّه سبحانه؛ فلماذا لا يتعاونان على الوصول إلى ذلك الهدف، الّذي يرضي اللّه، و الضمير، و الوجدان الإنساني؟!.
الممرض في المستشفى:
و بعد كل ما تقدم .. فان العلاقة بين الممرض و المريض تصبح واضحة، و كذا السلوك العام للممرض في مختلف أحواله و مواقفه؛ فان كل ذلك يجب أن يكون إسلاميا بكل ما لهذه الكلمة من معنى؛ و ما ذلك إلّا لان المريض- كما قدمنا- قريب من اللّه، و من رحمته و غفرانه، و هو مستجاب الدعوة، و ليس مرضه إلا كرامة ربانية، و رحمة إلهية.
و اننا بملاحظة ما تقدم و غيره نستطيع أن نشير إلى النقاط التالية:
1- إن على الممرض أن لا يزعج المريض و لا يغيظه، بل يحافظ على مشاعره، و يهتم براحته النفسية بكل ما أوتي من قوة و حول .. و لا يحق له أن يزجره أو ينتهره بأي وجه ..
كما أن عليه أن لا يضجره كذلك .. و ذلك عملا بقول الصادق (ع):
«فلا تزعجوه و لا تضجروه»، أو «و لا تزجروه» .. و عنه (ع): «إسماع الأصم من غير تضجر صدقة هنيئة»[1]. و هذا يتأكد بالنسبة إلى الممرض الّذي ربما ينفد صبره أحيانا، بسبب المتاعب الّتي يتعرض لها في عمله.
نعم .. و هذا هو ما تفرضه الأخلاق الإنسانية الفاضلة، و التعاليم الإلهية
[1]- البحار ج 74 ص 388 و ثواب الأعمال ص 168.
الكريمة السامية، و تضافرت عليه النصوص و الآثار بالنسبة لغير المريض أيضا، فكيف بالنسبة إليه.
نعم و هكذا الحال بالنسبة إلى غير ذلك من أخلاق إسلامية و إنسانية، يفترض في كل مسلم أن يتحلى بها، و يعامل إخوانه المؤمنين على أساسها ..
2- أن لا يكون ثمة تمييز بين الغني و الفقير- سواء في قبول المستشفى لهما، أم في العناية و الخدمات الّتي يفترض بالمستشفى و الممرض ان يقدمها لكل منهما، و قد تقدم ما يشير إلى ذلك في الفصل السابق.
3- أن يكون الممرض نظيفا حسن المظهر، بالإضافة إلى الإهتمام البالغ بالنظافة سواء بالنسبة للمريض، أو المستشفى بصورة عامة، ثم تصريفه لجميع الشّؤون المطلوبة منه، و الّتي يحتاج المستشفى إلى تصريفها بالسرعة الممكنة، و الإتقان و الجد اللازمين.
4- انه لا بد للذين يشرفون على المريض من أن لا يديموا النّظر إليه، و أن لا يسمعوه الإستعاذة من البلاء فان ذلك يجعله يلتفت إلى نفسه، و ما حاق بها من بلاء- و لا سيما إذا كان مبتلى بعاهة ظاهرة- و يعتبر أن هذا النظر إليه إنّما هو ليتجلى للناظر ذلك النقص الّذي يحب هو إخفاءه. و لا بد و أن يقايس هذا المبتلى بين النقص الّذي يحيق به، و بين كمال ذلك الناظر إليه، و هنا لا بد و أن يتملكه حزن عميق، و شعور قوي بالمرارة و الكآبة ..
و قد «كان محمّد بن علي لا يسمع المبتلى الإستعاذة من البلاء»[1]و المراد بمحمد بن علي الإمام الباقر (ع).
و روي عن أبي عبد اللّه الصّادق (ع): «لا تنظروا إلى أهل البلاء؛ فان
[1]- البيان و التبيين ج 3 ص 280 و 158 و عيون الأخبار ج 2 ص 208.
ذلك يحزنهم»[1].
و في نص آخر عن النبي6: «اقلّوا النظر إلى أهل البلاء .. أو: لا تديموا النظر» الخ ...[2].
و في حديث آخر عنه6: «لا تديموا النظر إلى المجذومين»[3].
و واضح: أن هذا لا يختص بالمشرفين على شؤون المريض، بل يعم كل ناظر إليه من غيرهم أيضا .. و ان كان هؤلاء يتعرضون لهذا الأمر أكثر من غيرهم ..
5- هذا .. و لا بد من توفر عنصر حسن القيام على المرضى، و حسن معاملتهم، كما أمر به علي (ع) مولاه قنبرا، ثم الإهتمام بقضاء حوائجهم، فلا يكلفون القيام إليها بأنفسهم .. و قد كان الإمام الباقر (ع) إذا أعتل جعل في ثوب، و حمل لحاجته- يعني الوضوء- و ذلك أنه كان يقول: ان المشي للمريض نكس، كما تقدم.
و بعد .. فان المبادرة إلى قضاء حاجات المريض تستدعي حصول الرضا منه، و الدّعاء له منه، و سيأتي: أن دعاء المريض مستجاب، كدعاء الملائكة .. هذا كله عدا عن أن ذلك يوفر له الراحة و الطمأنينة النفسية، الأمر الّذي يجعله أقوى على مواجهة المرض الّذي يلم به .. كما هو معلوم ..
و إذا كان المريض من أهل بيته؛ فانه يكون أعظم قربة و أجرا عند اللّه
[1]- مشكاة الأنوار ص 28، و البحار ج 75 ص 16 و طب الأئمة ص 106 و قصار الجمل ج 1 ص 146.
[2]- طب الأئمة ص 106 و البحار ج 75 ص 15 و ج 62 ص 213.
[3]- الطب النبوي لإبن قيم الجوزية ص 116 عن إبن ماجة و في هامشه عن أحمد و الطيالسي، و الطبراني و البيهقي، و إبن جرير و التراتيب الإدارية ج 2 ص 342.
تعالى؛ فعن النبي6: «من قام على مريض يوما و ليلة بعثه اللّه مع إبراهيم خليل الرحمان، فجاز على الصّراط كالبرق اللامع»[1].
و روى علي بن إبراهيم في تفسيره، في قوله تعالى:إِنَّا نَراكَ مِنَ الْمُحْسِنِينَ*قال: كان يقوم على المريض[2].
و عن الصادق (ع)، عن آبائه، عن النبي6: «من سعى لمريض في حاجة، قضاها، أو لم يقضها، خرج من ذنوبه كيوم ولدته أمه». فقال رجل من الأنصار، بأبي أنت و أمي يا رسول اللّه، فان كان المريض من أهل بيته، أو ليس ذلك أعظم أجرا إذا سعى في حاجة أهل بيته؟ قال: نعم[3].
و من الطبيعي: أن المريض يصير حساسا جدا، نتيجة لإحساسه بالضعف، و بحاجته إلى الآخرين؛ فيتأثر، و يشعر بالمرارة لاقل شيء .. كما أن النّاس الّذين يقومون عليه، إنّما يخدمونه و هم يرون فيه عبئا ثقيلا على كواهلهم ..
و أما أولئك الّذين يكلفون بنظافته، و إبعاد القذارات عنه، فان إحساسهم بالتبرم و التضجر منه يزيد، و شعورهم بالقرف و الإشمئزاز من حالاته ينمو و يتعاظم .. هذا بالإضافة إلى انفعالاتهم النفسية، تجاه معاناته للآلام و المصائب الّتي يرونها؛ فمن يقوم على المريض يوما و ليلة؛ فانه لا بد و أن
[1]- عقاب الأعمال ص 341 و الوسائل ج 11 ص 565 و مستدرك الوسائل ج 1 ص 86 عن اعلام الديلمي، و البحار ج 81 ص 225 و ج 76 ص 368.
[2]- مستدرك الوسائل ج 2 ص 61.
[3]- أمالي الصدوق ص 387 و من لا يحضره الفقيه ج 4 ص 10 و عقاب الأعمال ص 341 و الوسائل ج 2 ص 643 و ج 11 ص 565 و البحار ج 81 ص 217 و ج 76 ص 368 و 335/ 336.
يتحمل و يصبر، و يكبت عواطفه، و يتحمل المشقات الرّوحية و الجسديه، فيكون كإبراهيم الخليل، الّذي كبت عواطفه و تحمل المحنة في ولده الذبيح.
هذا .. و قد ورد نص بالخصوص بالنسبة للسعي في قضاء حاجة الضرير؛ فعن النبي6: من كفى ضريرا حاجة من حوائج الدنيا، و مشى فيها حتّى يقضي اللّه له حاجته، أعطاه اللّه براءة من النفاق، و براءة من النار، و قضى له سبعين حاجة من حوائج الدّنيا، و لا يزال يخوض في رحمة اللّه حتّى يرجع[1].
هذا كله .. عدا عن الرّوايات الكثيرة، الّتي تحث على قضاء حاجات المؤمنين و معونتهم، و تعد بالأجر الجزيل، و الثواب الجميل على ذلك ..
و بعد فان ذلك هو ما تقتضيه الرّحمة الإنسانية، الّتي تنشأ عن رؤية عجز و ضعف الآخرين. و قد أشار الصّادق (ع) إلى ذلك- كما روي عنه- فقال: لا تنظروا في عيوب الناس كالارباب، و أنظروا في عيوبهم، كهيئة العبيد، إنما الناس رجلان، مبتلى، و معافى، فارحموا المبتلى؛ و احمدوا اللّه على العافية[2]. كما ورد أن اللّه إنما يقبل الصلاة ممن يتواضع لعظمته ... إلى أن قال: و يكسو العاري، و يرحم المصاب[3]..
بقي أن نشير أخيرا إلى أنه لا مانع من أن تمرض المرأة الحائض،
[1]- أمالي الصدوق رحمه اللّه تعالى ص 386/ 387 و من لا يحضره الفقيه ج 4 ص 9، و عقاب الأعمال ص 340، و الوسائل ج 2 ص 643، و البحار ج 74 ص 388، و ج 76 ص 335 و 336.
[2]- تحف العقول ص 225، و البحار ج 78 ص 284 و راجع ج 81 ص 173 عن دعوات الراوندي.
[3]- تحف العقول ص 226، و البحار ج 78 ص 285 عنه.
المريض[1].. و الّذي ورد النهى عنه هو أن تحضره حال احتضاره لا أكثر.
6- و بكلمة جامعة .. لا بد أن يكون المحيط في المستشفيات و المستوصفات إنسانيا، و إسلاميا الهيا بكل ما لهذه الكلمة من معنى .. و على ذلك .. فلا بد من الإهتمام بالمحافظة على قواعد الشرع، و التوجيهات الواردة عن المعصومين- و قد تقدم بعضها- بدقة و أمانة في مختلف المظاهر و المجالات.
تمريض و معالجة الرجل للمرأة و العكس:
و يواجهنا هنا سؤال، و هو: هل للرجل أن يتولى علاج، و تمريض المرأة؟ و هل للمرأة ذلك بالنسبة للرجل أم لا، و إذا كان ذلك جائزا، فإلى أي مدى؟
و في مقام الإجابة على هذا السؤال نقول:
اننا إذا راجعنا أحاديث جواز النظر لكل من الرجل و المرأة إلى الآخر، مع الآية الكريمة الامرة بغض البصر من قبل كل منهما عن الآخر. فاننا نخرج بنتيجة: أن إختلاط الرجال بالنساء و عكسه، فضلا عن المعالجة و التمريض بالنظر أو باللمس أمر مرجوح و مرغوب عنه شرعا، و لكن لا بد لنا هنا من التكلم في ناحيتين:
الأولى: في مداواة المرأة للرجل. و نشير إلى:
1- اننا نجد في التاريخ: أنهم يذكرون: أن عددا من النساء كن يداوين المرضى و الجرحى، كما سنرى إن شاء اللّه.
[1]- الكافي ج 3 ص 138، و البحار ج 81 ص 230، و الوسائل ج 2 ص 595 و 671 و في هامشه عن التهذيب ج 1 ص 121 و قرب الإسناد ص 129.
2- عن علي بن جعفر، عن أخيه (ع) قال: سألته عن الرجل يكون بأصل فخذه، أو اليته الجرح، هل يصلح للمرأة أن تنظر إليه، أو تداويه؟
قال: إذا لم يكن عورة فلا بأس[1].
و المراد هنا: العورة بالمعنى الأخص، لا ما كان عورة بالنسبة إلى الجنس الآخر، كما هو ظاهر.
3- قد تقدمت الرواية عن علي بن أبي حمزة، قال: قلت لابي الحسن (ع): المرأة تقعد عند رأس المريض- و هي حائض- في حد الموت؟
قال: لا بأس أن تمرضه؛ فإذا خافوا عليه، و قرب ذلك؛ فلتنح عنه و عن قربه؛ فان الملائكة تتأذى بذلك[2].
و هذه الرواية هي العمدة. و لا يضر وجود علي بن أبي حمزة في سندها؛ لاننا نطمئن إلى أن الشيعة ما كانوا يروون عنه إلا أيام استقامته، أما بعد انحرافه و وقفه؛ فقد كان الواقفة عند الشيعة منبوذين مبعدين كالكلاب الممطورة على حد بعض التعابير. و قد بحثنا هذا الموضوع في كتاب ولاية الفقيه في صحيحة عمر بن حنظلة، فليراجع.
و إحتمال .. انصراف هاتين الروايتين إلى تمريض و مداواة النساء و المحارم للرجل .. لا يمكن قبوله، لعدم الشّاهد على انصراف كهذا ..
و لا سيما في رواية علي بن جعفر.
نعم يمكن أن يقال: أنه لابد من حملها على صورة الضرورة، و أنه هو المنصرف منها، كما سيأتي في روايات معالجة الرجل للمرأة، على اعتبار:
[1]- قرب الإسناد ص 101/ 102 و البحار ج 104 ص 34 عنه، و الوسائل ج 14 ص 173.
[2]- قد تقدمت المصادر لهذه الرواية آخر الحديث على عنوان: الممرض في المستشفى.
أن الحكم الأوّلي المشترك بين الرجل و المرأة، و الثّابت بالآيات و الروايات، مطلق، و لم يفرق بين تطبيب الرجل للمرأة و عكسه ..
و يمكن أن يؤيد هذا الإنصراف بأنه لو كان هناك طبيبان أحدهما إمرأة و أمامهما رجل مريض، فلو تولت المرأة معالجته فان الناس ينتقدون ذلك، و يستنكرونه و يستغربونه.
و يمكن أن يؤيد ذلك أيضا بالرواية الآتية في النظر إلى الخنثى، حيث وافق الإمام (ع) فيها على عدم جواز نظر المرأة للرجل و عكسه، و حكم بلزوم النظر في المرآة ..
إلّا أن الإنصراف المذكور غير سليم عن المناقشة، فان التمثيل بالطبيبين الّذين أحدهما إمرأة لا يدل على ذلك، إذ من القريب جدا: أن يكون ذلك قد انغرس في أذهان الناس بسبب فتاوى العلماء على مر العصور، من دون أن يتصل بزمان المعصوم، فلا يكون ذلك كاشفا عن رأي الشارع ..
و أما بالنسبة إلى الخنثى، فان الرواية المذكورة ناظرة إلى صورة النظر إلى العورة منها، و كلامنا إنما هو في النظر إلى ما سوى العورة .. كما أن تلك الرواية لم ترد في بيان التكليف في مقام المعالجة أو التمريض، و إنما في مقام بيان الطريقة الّتي يتم بها التعرف على على حقيقة الخنثى لاجل الأرث ..
و عدا عن ذلك .. فاننا يمكن أن ندعي أن السيرة كانت قائمة في زمن النبي6و بعده على تولي النساء معالجة و تمريض الرجال ..
فقد كان لرفيده خيمة في المسجد تعالج فيها المرضى، و تداوي الجرحى، و لما جرح سعد بن معاذ أمر النبي6أن يجعل في خيمتها حتّى