تعالى؛ فعن النبي6: «من قام على مريض يوما و ليلة بعثه اللّه مع إبراهيم خليل الرحمان، فجاز على الصّراط كالبرق اللامع»[1].
و روى علي بن إبراهيم في تفسيره، في قوله تعالى:إِنَّا نَراكَ مِنَ الْمُحْسِنِينَ*قال: كان يقوم على المريض[2].
و عن الصادق (ع)، عن آبائه، عن النبي6: «من سعى لمريض في حاجة، قضاها، أو لم يقضها، خرج من ذنوبه كيوم ولدته أمه». فقال رجل من الأنصار، بأبي أنت و أمي يا رسول اللّه، فان كان المريض من أهل بيته، أو ليس ذلك أعظم أجرا إذا سعى في حاجة أهل بيته؟ قال: نعم[3].
و من الطبيعي: أن المريض يصير حساسا جدا، نتيجة لإحساسه بالضعف، و بحاجته إلى الآخرين؛ فيتأثر، و يشعر بالمرارة لاقل شيء .. كما أن النّاس الّذين يقومون عليه، إنّما يخدمونه و هم يرون فيه عبئا ثقيلا على كواهلهم ..
و أما أولئك الّذين يكلفون بنظافته، و إبعاد القذارات عنه، فان إحساسهم بالتبرم و التضجر منه يزيد، و شعورهم بالقرف و الإشمئزاز من حالاته ينمو و يتعاظم .. هذا بالإضافة إلى انفعالاتهم النفسية، تجاه معاناته للآلام و المصائب الّتي يرونها؛ فمن يقوم على المريض يوما و ليلة؛ فانه لا بد و أن
[1]- عقاب الأعمال ص 341 و الوسائل ج 11 ص 565 و مستدرك الوسائل ج 1 ص 86 عن اعلام الديلمي، و البحار ج 81 ص 225 و ج 76 ص 368.
[2]- مستدرك الوسائل ج 2 ص 61.
[3]- أمالي الصدوق ص 387 و من لا يحضره الفقيه ج 4 ص 10 و عقاب الأعمال ص 341 و الوسائل ج 2 ص 643 و ج 11 ص 565 و البحار ج 81 ص 217 و ج 76 ص 368 و 335/ 336.
يتحمل و يصبر، و يكبت عواطفه، و يتحمل المشقات الرّوحية و الجسديه، فيكون كإبراهيم الخليل، الّذي كبت عواطفه و تحمل المحنة في ولده الذبيح.
هذا .. و قد ورد نص بالخصوص بالنسبة للسعي في قضاء حاجة الضرير؛ فعن النبي6: من كفى ضريرا حاجة من حوائج الدنيا، و مشى فيها حتّى يقضي اللّه له حاجته، أعطاه اللّه براءة من النفاق، و براءة من النار، و قضى له سبعين حاجة من حوائج الدّنيا، و لا يزال يخوض في رحمة اللّه حتّى يرجع[1].
هذا كله .. عدا عن الرّوايات الكثيرة، الّتي تحث على قضاء حاجات المؤمنين و معونتهم، و تعد بالأجر الجزيل، و الثواب الجميل على ذلك ..
و بعد فان ذلك هو ما تقتضيه الرّحمة الإنسانية، الّتي تنشأ عن رؤية عجز و ضعف الآخرين. و قد أشار الصّادق (ع) إلى ذلك- كما روي عنه- فقال: لا تنظروا في عيوب الناس كالارباب، و أنظروا في عيوبهم، كهيئة العبيد، إنما الناس رجلان، مبتلى، و معافى، فارحموا المبتلى؛ و احمدوا اللّه على العافية[2]. كما ورد أن اللّه إنما يقبل الصلاة ممن يتواضع لعظمته ... إلى أن قال: و يكسو العاري، و يرحم المصاب[3]..
بقي أن نشير أخيرا إلى أنه لا مانع من أن تمرض المرأة الحائض،
[1]- أمالي الصدوق رحمه اللّه تعالى ص 386/ 387 و من لا يحضره الفقيه ج 4 ص 9، و عقاب الأعمال ص 340، و الوسائل ج 2 ص 643، و البحار ج 74 ص 388، و ج 76 ص 335 و 336.
[2]- تحف العقول ص 225، و البحار ج 78 ص 284 و راجع ج 81 ص 173 عن دعوات الراوندي.
[3]- تحف العقول ص 226، و البحار ج 78 ص 285 عنه.
المريض[1].. و الّذي ورد النهى عنه هو أن تحضره حال احتضاره لا أكثر.
6- و بكلمة جامعة .. لا بد أن يكون المحيط في المستشفيات و المستوصفات إنسانيا، و إسلاميا الهيا بكل ما لهذه الكلمة من معنى .. و على ذلك .. فلا بد من الإهتمام بالمحافظة على قواعد الشرع، و التوجيهات الواردة عن المعصومين- و قد تقدم بعضها- بدقة و أمانة في مختلف المظاهر و المجالات.
تمريض و معالجة الرجل للمرأة و العكس:
و يواجهنا هنا سؤال، و هو: هل للرجل أن يتولى علاج، و تمريض المرأة؟ و هل للمرأة ذلك بالنسبة للرجل أم لا، و إذا كان ذلك جائزا، فإلى أي مدى؟
و في مقام الإجابة على هذا السؤال نقول:
اننا إذا راجعنا أحاديث جواز النظر لكل من الرجل و المرأة إلى الآخر، مع الآية الكريمة الامرة بغض البصر من قبل كل منهما عن الآخر. فاننا نخرج بنتيجة: أن إختلاط الرجال بالنساء و عكسه، فضلا عن المعالجة و التمريض بالنظر أو باللمس أمر مرجوح و مرغوب عنه شرعا، و لكن لا بد لنا هنا من التكلم في ناحيتين:
الأولى: في مداواة المرأة للرجل. و نشير إلى:
1- اننا نجد في التاريخ: أنهم يذكرون: أن عددا من النساء كن يداوين المرضى و الجرحى، كما سنرى إن شاء اللّه.
[1]- الكافي ج 3 ص 138، و البحار ج 81 ص 230، و الوسائل ج 2 ص 595 و 671 و في هامشه عن التهذيب ج 1 ص 121 و قرب الإسناد ص 129.
2- عن علي بن جعفر، عن أخيه (ع) قال: سألته عن الرجل يكون بأصل فخذه، أو اليته الجرح، هل يصلح للمرأة أن تنظر إليه، أو تداويه؟
قال: إذا لم يكن عورة فلا بأس[1].
و المراد هنا: العورة بالمعنى الأخص، لا ما كان عورة بالنسبة إلى الجنس الآخر، كما هو ظاهر.
3- قد تقدمت الرواية عن علي بن أبي حمزة، قال: قلت لابي الحسن (ع): المرأة تقعد عند رأس المريض- و هي حائض- في حد الموت؟
قال: لا بأس أن تمرضه؛ فإذا خافوا عليه، و قرب ذلك؛ فلتنح عنه و عن قربه؛ فان الملائكة تتأذى بذلك[2].
و هذه الرواية هي العمدة. و لا يضر وجود علي بن أبي حمزة في سندها؛ لاننا نطمئن إلى أن الشيعة ما كانوا يروون عنه إلا أيام استقامته، أما بعد انحرافه و وقفه؛ فقد كان الواقفة عند الشيعة منبوذين مبعدين كالكلاب الممطورة على حد بعض التعابير. و قد بحثنا هذا الموضوع في كتاب ولاية الفقيه في صحيحة عمر بن حنظلة، فليراجع.
و إحتمال .. انصراف هاتين الروايتين إلى تمريض و مداواة النساء و المحارم للرجل .. لا يمكن قبوله، لعدم الشّاهد على انصراف كهذا ..
و لا سيما في رواية علي بن جعفر.
نعم يمكن أن يقال: أنه لابد من حملها على صورة الضرورة، و أنه هو المنصرف منها، كما سيأتي في روايات معالجة الرجل للمرأة، على اعتبار:
[1]- قرب الإسناد ص 101/ 102 و البحار ج 104 ص 34 عنه، و الوسائل ج 14 ص 173.
[2]- قد تقدمت المصادر لهذه الرواية آخر الحديث على عنوان: الممرض في المستشفى.
أن الحكم الأوّلي المشترك بين الرجل و المرأة، و الثّابت بالآيات و الروايات، مطلق، و لم يفرق بين تطبيب الرجل للمرأة و عكسه ..
و يمكن أن يؤيد هذا الإنصراف بأنه لو كان هناك طبيبان أحدهما إمرأة و أمامهما رجل مريض، فلو تولت المرأة معالجته فان الناس ينتقدون ذلك، و يستنكرونه و يستغربونه.
و يمكن أن يؤيد ذلك أيضا بالرواية الآتية في النظر إلى الخنثى، حيث وافق الإمام (ع) فيها على عدم جواز نظر المرأة للرجل و عكسه، و حكم بلزوم النظر في المرآة ..
إلّا أن الإنصراف المذكور غير سليم عن المناقشة، فان التمثيل بالطبيبين الّذين أحدهما إمرأة لا يدل على ذلك، إذ من القريب جدا: أن يكون ذلك قد انغرس في أذهان الناس بسبب فتاوى العلماء على مر العصور، من دون أن يتصل بزمان المعصوم، فلا يكون ذلك كاشفا عن رأي الشارع ..
و أما بالنسبة إلى الخنثى، فان الرواية المذكورة ناظرة إلى صورة النظر إلى العورة منها، و كلامنا إنما هو في النظر إلى ما سوى العورة .. كما أن تلك الرواية لم ترد في بيان التكليف في مقام المعالجة أو التمريض، و إنما في مقام بيان الطريقة الّتي يتم بها التعرف على على حقيقة الخنثى لاجل الأرث ..
و عدا عن ذلك .. فاننا يمكن أن ندعي أن السيرة كانت قائمة في زمن النبي6و بعده على تولي النساء معالجة و تمريض الرجال ..
فقد كان لرفيده خيمة في المسجد تعالج فيها المرضى، و تداوي الجرحى، و لما جرح سعد بن معاذ أمر النبي6أن يجعل في خيمتها حتّى
يعوده، و كان6يعوده في الصباح و المساء[1].. كما أنها كانت تداوي جرحى المسلمين يوم بني قريظة[2].
و قيل: ان كعيبة بنت سعيد الأسلمية كانت تكون لها خيمة في المسجد لمداواة المرضى و الجرحى، و كان سعد بن معاذ عندها تداوي جرحه حتّى مات. و هي أخت رفيدة[3]و لعل خيمتهما واحدة.
و كانت كل من: ليلى الغفارية، و أم كبشة القضاعية، و أم سلمة، و معاذة الغفارية، و أم كلثوم بنت عقبة بن أبي معيط، و أم سليم، و ربيع بنت معوذ، و أم زياد الأشجعية في ست نسوة، و أم أيمن، و أم سنان الأسلمية، و أم عطية الأنصارية[4]كن كلهن يخرجن معه6في الغزوات لمداواة الجرحى،
[1]- سيرة إبن هشام ج 3 ص 250، و الإصابة ج 4 ص 302 و 303 عن إبن إسحاق، و عن البخاري في الأدب المفرد، و في التاريخ بسند صحيح، و أورده المستغفري من طريق البخاري، و أبو موسى من طريق المستغفري و التراتيب الإدارية ج 2 ص 113 و ج 1 ص 462 و 453/ 454 عمن تقدم، و الإستيعاب بهامش الإصابة ج 4 ص 311، و المفصل في تاريخ العرب قبل الإسلام ج 8 ص 387 عن الإصابة.
[2]- المفصل في تاريخ العرب قبل الإسلام ج 8 ص 387 عن نهاية الارب ج 17 ص 191.
[3]- الإصابة ج 4 ص 396، و التراتيب الإدارية ج 2 ص 113 و ج 1 ص 454.
[4]- راجع فيما تقدم، كلا أو بعضا: التراتيب الإدارية ج 2 ص 113- 116 و مسند أحمد ج 5 ص 271 و 84 و ج 6 ص 407 و في ج 6 ص 358 عن إمرأة غفارية انها خرجت معه6لذلك، و قاموس الرجال ج 11 ص 33 و 48، و سنن البيهقي ج 9 ص 30، نوادر المخطوطات ج 1 ص 61 كتاب المردفات من قريش للمدائني و الإصابة ج 4 ص 402 و 301 و 433 و 487 و 454 و فيها عن أبي داوود و النسائي، و إبن أبي عاصم، و الإستيعاب بهامش الإصابة ج 4 ص 311 و 472 و 404، و أسد الغابة ج 5 ص 543 و 451، و طبقات إبن سعد ج 8 ترجمة أم سنان الأسلمية و ص 214 و 176، و صحيح البخاري ج 2 ص 97 ط. سنة 1309 و سنن الدارمي ج 2 ص 210، و سائر المصادر الّتي في الهوامش التّالية، و في تراجم المذكورات في كتب الرجال و المعجم الصغير ج 1 ص 117 و لسان الميزان ج 6 ص 127 و 209 و 232 و راجع: الكافي ج 1 ص 45 و سنن أبي داوود ج 3 ص 18 و كنز العمال ج 4 ص 345.
و معالجة المرضى .. بل ان أم عطية قد خرجت معه6في سبع غزوات من أجل ذلك[1]و امرأة أخرى خرجت معه في ست غزوات من أجل ذلك أيضا[2].
و عن أنس، قال: كان رسول اللّه6يغزو بأم سليم و نسوة معها من الأنصار، يسقين الماء و يداوين الجرحى[3].
و عن ربيع بنت معوذ: كنا مع النبي6نسقي و نداوي الجرحى، و نرد القتلى[4]. و عن حشرج إبن زياد الأشجعي، عن جدته أم أبيه، أنها قالت:
أنها خرجت في خيبر مع خمس نسوة أخريات لاجل مداواة الجرحى و غير ذلك، فاسهم لهن6تمرا[5].
و عن أم سلمة، قالت: كان رسول اللّه6يغزو بنا نسوة من الأنصار نسقي و نداوي الجرحى[6].
و عن الزهري: كانت النساء تشهدن مع النبي6المشاهد، و يسقين
[1]- صحيح مسلم ج 5 ص 199 و مسند أحمد ج 5 ص 84.
[2]- المسند للحميدي ج 1 ص 175 و البخاري ج 1 ص 115 ط. سنة 1309 و في موضع آخر؛ و مسند أحمد ج 5 ص 84.
[3]- المنتقى لإبن تيمية ج 2 ص 768 عن مستدرك الحاكم، و أحمد، و مسلم، و سنن البيهقي ج 9 ص 30.
[4]- صحيح البخاري، هامش فتح الباري ج 6 ص 60 و فتح الباري ج 10 ص 115، و أسد الغابة ج 5 ص 451، و الإصابة ج 4 ص 301.
[5]- راجع: مسند أحمد ج 5 ص 271، و التراتيب الإدارية ج 2 ص 115 عن أبي داوود، و فيه: حنين، بدل خيبر و هما تكتبان في القديم على نحو واحد، و بلا نقط، و هو سبب الإشتباه.
[6]- التراتيب الإدارية ج 2 ص 115 عن السيرة الشامية، عن الطبراني.
الماء و يداوين الجرحى[1]. و مثل ذلك عن مالك في العتيبة[2].
و سئل إبرهيم عن جهاد المرأة، فقال: كن يشهدن مع رسول اللّه6، فيداوين الجرحى، و يسقين المقاتلة[3].
و كتب إبن عباس في جواب نجدة الحروري: كتبت إلي تسألني: هل كان رسول اللّه6يغزو بالنساء؟ و قد كان يغزو بهن، فيداوين الجرحى[4].
و عن يوم عماس يقول المسعودي و غيره: «و أقبل المسلمون على قتلاهم، فأحرزوهم، و جعلوهم وراء ظهورهم، و كان النساء و الصبيان يدفنون الشهيد، و يحملون الرثيث إلى النّساء، و يعالجونهم من كلومهم الخ ..»[5].
فكل ذلك يكون مؤيدا لجريان السيرة على تمريض النساء للرجال، كما دلّ عليه خبر علي بن أبي حمزة، و علي بن جعفر .. هذا .. و لكننا نجد في مقابل ذلك:
1- ما رواه الطبراني من أن إمرأة من عذرة إستأذنت النبي6، أن
[1]- التراتيب الإدارية ج 2 ص 115 عن عبد الرزاق.
[2]- التراتيب الإدارية ج 2 ص 116.
[3]- مصنف عبد الرزاق ج 5 ص 298 و في هامشه عن الشيخين بمعناه عن أنس و مسلم عن إبن عباس. و المنتقى ج 2 ص 768، و سنن إبن ماجة ج 2 ص 952.
[4]- الام للشافعي ج 4 ص 88، و صحيح مسلم ج 5 ص 197، و سنن البيهقي ج 9 ص 30، و مسند أحمد ج 1 ص 224: و 308 و المنتقى ج 2 ص 768 عن أحمد و مسلم، و إبن ماجة، و الترمذي ج 4 ص 126 و حلية الأولياء ج 3 ص 205.
[5]- مروج الذهب ج 2 ص 317. و راجع: الفتوحات الإسلامية لدحلان ج 1 ص 114 و تاريخ الطبري ج 3 ص 58 و الكامل لإبن الأثير ج 2 ص 477 و العبر لإبن خلدون ج 2 قسم 2 ص 97 و 98.