الماء و يداوين الجرحى[1]. و مثل ذلك عن مالك في العتيبة[2].
و سئل إبرهيم عن جهاد المرأة، فقال: كن يشهدن مع رسول اللّه6، فيداوين الجرحى، و يسقين المقاتلة[3].
و كتب إبن عباس في جواب نجدة الحروري: كتبت إلي تسألني: هل كان رسول اللّه6يغزو بالنساء؟ و قد كان يغزو بهن، فيداوين الجرحى[4].
و عن يوم عماس يقول المسعودي و غيره: «و أقبل المسلمون على قتلاهم، فأحرزوهم، و جعلوهم وراء ظهورهم، و كان النساء و الصبيان يدفنون الشهيد، و يحملون الرثيث إلى النّساء، و يعالجونهم من كلومهم الخ ..»[5].
فكل ذلك يكون مؤيدا لجريان السيرة على تمريض النساء للرجال، كما دلّ عليه خبر علي بن أبي حمزة، و علي بن جعفر .. هذا .. و لكننا نجد في مقابل ذلك:
1- ما رواه الطبراني من أن إمرأة من عذرة إستأذنت النبي6، أن
[1]- التراتيب الإدارية ج 2 ص 115 عن عبد الرزاق.
[2]- التراتيب الإدارية ج 2 ص 116.
[3]- مصنف عبد الرزاق ج 5 ص 298 و في هامشه عن الشيخين بمعناه عن أنس و مسلم عن إبن عباس. و المنتقى ج 2 ص 768، و سنن إبن ماجة ج 2 ص 952.
[4]- الام للشافعي ج 4 ص 88، و صحيح مسلم ج 5 ص 197، و سنن البيهقي ج 9 ص 30، و مسند أحمد ج 1 ص 224: و 308 و المنتقى ج 2 ص 768 عن أحمد و مسلم، و إبن ماجة، و الترمذي ج 4 ص 126 و حلية الأولياء ج 3 ص 205.
[5]- مروج الذهب ج 2 ص 317. و راجع: الفتوحات الإسلامية لدحلان ج 1 ص 114 و تاريخ الطبري ج 3 ص 58 و الكامل لإبن الأثير ج 2 ص 477 و العبر لإبن خلدون ج 2 قسم 2 ص 97 و 98.
تخرج في جيش كذا و كذا، فلم يأذن لها، فقالت: يا رسول اللّه، انه ليس أريد أن أقاتل، و إنّما أريد أن أداوي الجرحى و المرضى، أو أسقي المرضى؟!
قال: لولا أن تكون سنة، و يقال: فلانة خرجت لأذنت لك، و لكن إجلسي[1].
و روي بهذا المضمون له6مع أم كبشة القضاعية[2]..
2- كما أنه6لم يأذن لأم ورقة الأنصارية بالغزو معه، لمداواة الجرحى، و تمريض المرضى[3].
و لكن الحقيقة هي: أن هذا لا يضر في دلالة كل ما سبق، بل هو مؤيد له، لأنه قد علل منعه لها في الأولى بأنه: لا يحب أن يكون ذلك سنّة، فهو لا يحب أن تجرى العادة على إخراجهن في الغزو كذلك، و لولا ذلك لأذن لهن.
و أما بالنسبة لأم ورقة، فانه لم يظهر لنا الوجه في منعها، و لعله لخصوصية ترتبط بها، لا لأجل أن ذلك غير جائز للنساء مطلقا.
و هكذا .. يتضح: أنه يمكن دعوى: أن السيرة كانت جارية في زمن الرسول على تمريض النساء للرجال ..
[1]- مجمع الزوائد ج 5 ص 323 و قال: رواه الطبراني في الكبير و الأوسط، و رجالهما رجال الصحيح، و حياة الصحابة ج 1 ص 618 عن المجمع ..
[2]- الإصابة ج 4 ص 487 و التراتيب الإدارية ج 2 ص 115.
[3]- الإصابة ج 4 ص 505 و الإستيعاب بهامشها نفس الجلد و الصفحة، و التراتيب الإدارية ج 1 ص 47 عن طبقات إبن سعد، و عن السيوطي في المجمع، و عزاه لإبن راهويه، و أبي نعيم في الحلية، و البيهقي، قال: و روى أبو داوود بعضه، و مسند أحمد ج 6 ص 605 و سنن أبي داوود كتاب الصلاة ص 61.
إلّا أن يقال: أن السيرة هذه لم تثبت إلّا من طرق غير الشيعة، فلا حجية فيها و هو كما ترى.
أو يدعي اعراض المشهور عن خبري إبن أبي حمزة، و علي بن جعفر، و هو موجب- عند البعض- لضعف سندهما، و من ثم عدم الإقدام على الإفتاء بمضمونهما .. أو حملهما على صورة الضرورة، و حمل ما تقدم نقله كله على هذه الصورة أيضا[1]. و لعل لأجل هذا نجد: أهل الفتوى لا يفرقون- عموما- بين الرجل و المرأة في هذه المسألة كما سيأتي .. كما أن الحمل على الضرورة أو غيرها و ملاحظة ما يرمي إليه الشارع في تحديداته للعلاقات بين الرجل و المرأة يستدعي الإقتصار على العجائز منهن، كما هو واضح.
الثانية: مداواة و تمريض الرجل للمرأة:
و قد تقدم: أن جسد المرأة كله عورة بالنسبة إلى الرجل، و ان كان النظر إلى بعض المواضع- كالعورة- أشد قبحا و مفسدة من النظر إلى البعض الآخر، كالذراع مثلا ...
و من هنا .. فان معالجة المرأة تنحصر في النساء أمثالها، فيجوز للمرأة أن تعالج المرأة، لكن يحرم عليها النظر إلى الفرج، إلّا في مقام الضرورة، فيقتصر منها على ما تندفع به، فان أمكن الإكتفاء بالنظر في المرآة، لم يجز التعدي إلى النظر المباشر- كما سيأتي في رواية النظر إلى الخنثى- و ان لم يمكن إلّا بالنظر المباشر جاز بمقدار الضرورة، زمانا، و كيفية، و لا يجوز الرجوع إلى الرجال مع وجود المماثل .. و لأجل هذه الضرورة طلب
[1]- فقد حمل البعض الروايات المتقدمة عن الصحابيات على ذلك راجع، التراتيب الإدارية ج 2 ص 116 عن إبن زكري و القرطبي.
أمير المؤمنين (ع) من داية الكوفة أن تنظر إلى الجارية: أبكر هي، أم ثيب[1]، و روي مثله عن النبي6[2]إلّا أن يقال: أن ذلك إنّما يتم باللمس و هو لا يلازم النظر».
ثم هناك ما يدل على قبول شهادة النساء فيما لا يحل للرجال النظر إليه، كالولادة و النكاح[3]، فراجع أبواب الشهادات في كتب الحديث و الرواية ..
كما أنه إذا أمكن الإكتفاء بالنظر لم يجز التعدي إلى اللمس المباشر، مع عدم إمكان كونه من وراء ثوب و نحوه .. إلى غير ذلك مما تقدمت الإشارة إليه ..
و يدل على عدم جواز مداواة الرجل للمرأة مع إمكان معالجة النساء لها ..
1- ما عن علي بن جعفر، أنه سأل أخاه عن المرأة. يكون بها الجرح، في فخذها، أو عضدها، هل يصلح للرجل أن ينظر إليه، و يعالجه؟ قال لا[4].
2- و عن علي بن جعفر عن أخيه (ع)، قال: سألته عن المرأة: لها أن يحجمها رجل؟ قال: لا[5]..
[1]- و ان كان ليس في القصة تصريح بالنظر المباشر، و لكن ذلك هو الظاهر منها، فراجعها في: طب الإمام الصادق ص 18/ 19 و البحار ج 62 ص 167/ 168 و قال: ان ذلك قد رواه جم غفير من علمائنا كإبن شاذان و عن غيرهم كالاردبيلي المالكي.
[2]- عيون أخبار الرضا ج 2 ص 39.
[3]- راجع البحار ج 104 ص 321، باب شهادة النساء، و غيره من الكتب ..
[4]- قرب الإسناد ص 101 و الوسائل ج 14 ص 173؛ و البحار ج 104 ص 34.
[5]- قرب الإسناد ص 101، و البحار ج 104 ص 33/ 34.
3- بل لقد روي أن أمير المؤمنين (ع) سئل عن الصبي: يحجم المرأة؟
قال: إذا كان يحسن يصف، فلا[1].
و لعل نظره (ع) إلى كراهة أن يرى الصبي من المرأة المواضع الخفية إذا كان قد قارب البلوغ، و صار يحسن يصف .. أو أنه ناظر إلى الحجامة في موضع يمنع عنه حتّى الصبي ..
4- و يدل على ذلك الأخبار الدالة على الجواز في حال الإضطرار كما سنرى.
نعم لو اضطرت المرأة إلى أن يتولى الرجل معالجتها جاز ذلك، و لكن بمقدار ما ترتفع به الضرورة، فقد روي:
1- عن علي (ع) في المرأة يموت في بطنها الولد، فيتخوف عليها؟
قال: لا بأس أن يدخل الرجل يده فيقطعه، و يخرجه، إذا لم ترفق بها النساء[2]..
2- عن الباقر (ع): أنه سئل عن المرأة تصيبها العلل في جسدها، أيصلح أن يعالجها الرجل؟ قال: إذا اضطرت إلى ذلك فلا بأس[3].
و في نص آخر: سألته عن المرأة المسلمة، يصيبها البلاء في جسدها:
أما كسر أو جرح، في مكان لا يصلح النظر إليه، فيكون الرجل أرفق بعلاجه من النساء أيصلح له النظر إليها؟ قال: إذا اضطرت إليه فليعالجها إن شاءت[4].
[1]- الوسائل ج 14 ص 172 و الكافي ج 5 ص 534.
[2]- البحار ج 82 ص 12 و ج 104 ص 36، و قرب الإسناد ص 64 و فروع الكافي ج 1 ص 155، و الوسائل ج 2 ص 673 و في هامشه عنهما و عن التهذيب ج 1 ص 98.
[3]- البحار ج 62 ص 74 عن الدعائم ..
[4]- الوسائل ج 14 ص 172 و الكافي ج 5 ص 534.
3- و يقال: أن الشمردل قال للنبي6: إني كنت أتطبب فما يحل لي، فإنني تأتيني الشابة؟ قال: فصد العرق، و تحسيم الطعنة، إن اضطررت الخ[1].
و أخيرا .. فقد قال إبن إدريس في السرائر: «إذا أصاب المرأة علة في جسدها، و اضطرت إلى مداواة الرجال لها، كان جائزا .. و قال العلامة قدس سره في المنتهى: يجوز الإسيتجار للختان، و خفض الجواري الخ»[2].
هذا .. و لكن قال في العروة الوثقى: «يستثنى من عدم جواز النظر من الأجنبي و الأجنبية مواضع: «منها» مقام المعالجة، و ما يتوقف عليه من معرفة نبض العروق، و الكسر، و الجرح، و الفصد، و الحجامة، و نحو ذلك، إذا لم يمكن بالمماثل، بل يجوز المس و اللمس حينئذ»[3].
و قال: «إذا توقف العلاج على النظر دون اللمس، أو اللمس دون النّظر، يجب الإقتصار على ما اضطر إليه، فلا يجوز الآخر بجوازه»[4].
و قال نائب الإمام السيد الخميني، دام عزه و بقاه: «يستثنى من حرمة النظر و اللمس في الأجنبي و الأجنبية مقام المعالجة، إذ لم يمكن بالمماثل، كمعرفة النبض، إذ لم تمكن بآلة، نحو الدرجة، و غيرها. و الفصد، و الحجامة، و جبر الكسر، و نحو ذلك، و مقام الضرورة، كما إذا توقف استنقاذه من الغرق على النظر و اللمس. و إذا اقتضت الضرورة، أو توقف العلاج على النظر دون اللمس، أو العكس اقتصر على مقدار الضرورة، فلا
[1]- الإصابة ج 2 ص 156.
[2]- البحار ج 62 ص 65.
[3]- العروة الوثقى ص 626.
[4]- العروة الوثقى ص 627.
يجوز الآخر، و لا التعدي»[1].
و أما النظر إلى عورة غير المسلم و هم الّذين لا يهتمون عادة بالتستر، فيدخلون الحمامات بلا أزر- كما يفهم إجمالا أو أن ذلك هو القدر المتيقن- فليس فيه إشكال شرعي، كما نصت عليه الرواية المعتبرة[2].
النظر إلى الخنثى:
و أما بالنسبة للنظر إلى الخنثى فانه ينبغي الإجتناب عن النظر المباشر إليها لكل من الرجل و المرأة احتياطا للدين .. فلو أمكن معالجتها بواسطة المرآة تعين ذلك. و أما بالنسبة إلى النظر إلى العورة؛ مع عدم معرفة مماثلها، ليصار إليه، لا خفيّة المفسدة بالنسبة إلى نظر غير المماثل .. فقد سأل يحيى بن أكثم الإمام الهادي (ع)، عن قول علي (ع): «ان الخنثى يورث من المبال»، و قال: فمن ينظر- إذا بال- إليه؟، مع أنه عسى أن تكون إمرأة و قد نظر إليها الرجال، أو عسى أن يكون رجلا و قد نظر إليه النساء، و هذا لا يحل.
فأجاب (ع): ان قول على حق، و ينظر قوم عدول؛ يأخذ كل واحد منهم مرآة، و تقوم الخنثى خلفهم عريانة، فينظرون في المرايا فيرون الشبح فيحكمون عليه[3].
تشريح الموتى:
لقد منع الإسلام من الإعتداء على جسد الميت المسلم، بقطع رأسه؛
[1]- تحرير الوسيلة ج 2 ص 243.
[2]- البحار ج 104 ص 42 و ج 76 ص 80 و الوسائل ج 1 ص 365 و 366 و الفروع ج 6 ص 501 و من لا يحضره الفقيه ج 1 ص 63 و مكارم الأخلاق ص 56.
[3]- راجع: البحار ج 104 ص 358/ 359، و ج 61 ص 254، و تحف العقول و السؤال في ص 356 و الجواب في ص 359، و قضاء أمير المؤمنين( ع) ص 157/ 158 و مناقب آل أبي طالب ج 2 ص 376.
أو كسر عظمه، أو شق بطنه إلى غير ذلك من أنحاء الإعتداء، و قرر الدية و الارش في ذلك، و اعتبر، أن حرمته ميتا كحرمته حيا، بل أعظم. كما في بعض الروايات[1].
و هذا يعني: أنه لا يجوز ممارسة ما يسمى اليوم بالتشريح للميت، سواء أكان لأجل التعلم، أو لأي سبب آخر، إلّا إذا دعت الضرورة إلى ذلك؛ فانها حينئذ تقدر بقدرها ..
و يمكن أن يقال:
أن الروايات يمكن أن تكون ناظرة إلى التشريح، أو قطع العضو عدوانا و تشفيا، فلا تشمل التشريح لغرض عقلائي، كالتعلم مثلا ..
و لكنه كلام لا يمكن قبوله: و ذلك لأمرين:
أحدهما: أن بعض النصوص قد قررت الكفارة على من جرح ميتا خطأ، مع أنه لا عدوان فيه إلّا أن يقال: إن وجود الغرض الثلاثي كاف هنا[2](فتأمل) ..
[1]- راجع فيما تقدم: التهذيب للشيخ ج 10 ص 271 حتّى 274 و ج 1 ص 419، و الإستبصار ج 4 ص 275- 298 و المحاسن للبرقي ص 305، و العلل للصدوق ص 543 باب 330 و الكافي ج 7 ص 348 و 349 و نقل عن ج 1 ص 302 و من لا يحضره الفقيه ج 4 ص 117 و 118، و راجع: الوسائل ج 2 ص 875 و ج 19 ص 247- 251 و المسالك أواخر الجزء الثاني، أواخر كتاب الديات، و البحار ج 81 ص 328 عن قرب الإسناد ص 170 ط. نجف ص 130 ط. حجر و غير ذلك.
[2]- المسالك آخر كتاب الديات و التهذيب ج 10 ص 274 و الاستبصار ج 4 ص 299 و الكافي ج 7 ص 349 و من لا يحضره الفقيه ج 4 ص 117 و العلل للصدوق ص 543 و المحاسن ص 306 و الجواهر ج 43 ص 384/ 385 و مباني تكملة المنهاج ج 2 ص 423.