و جرى لهم من المسائل و التعريفات ما اذا تأملها القارىء لها استدل على فضلهم و غزارة علمهم ...[1].
و يقال: ان خسرو أنوشروان قد أرسل برزويه الطبيب، و المشرف على أمور الطب جنديشابور- أرسله- مع هيئة خاصة إلى مختلف البلدان لجلب الكتب الطبية[2].
و يرى البعض: أن الطب في جنديشابور مزيج من طب اليونان، و الهند، و إيران و مدرسة مرو[3].
7- الطب عند العرب قبل الإسلام:
و قبل البدء في الحديث عن طب العرب في الجاهلية ... نشير إلى أننا قد تعمدنا بعض التفصيل في هذا المجال، من أجل اظهار حقيقة الوضع الذي كان سائدا في المنطقة التي ظهر فيها الإسلام، الذي بعث أعظم ثورة ثقافية و إنسانية عرفها التاريخ ... و الذي شهد عالم الطب في ظله تطورا هائلا و أسطوريا، كما سنرى، و لاجل ذلك نقول:
أما الطب عند العرب، فيقول وجدي: إنه كان مقتبسا عن اليوناني، و الهندي، و لم يزد العرب عليه شيئا إلّا فيما يتعلق بالمادة الطبية[4].
فإذا كان وجدي يقصد بذلك: الطب في فترة ما قبل الإسلام؛ فيمكن أن يكون له وجه ... و ان كنا نرجح: أنه ليس إلّا نتيجة لتجارب شخصية
[1]- تاريخ الحكماء ص 133.
[2]- راجع مقالا للدكتور محمد محمدي بعنوان: جامعة جنديشابور، في مجلة الهادي سنة 2 عدد 2 ص 52.
[3]- تاريخ طب در إيران ج 2 ص 73.
[4]- دائرة معارف القرن العشرين ج 5 ص 666.
محدودة، أو مأخوذة من أطباء جنديشابور، أو من أي من البلاد التي تحيط بهم.
و أما إذا كان يقصد طب ما بعد ظهور الإسلام؛ فلا ريب في عدم صحة هذا الكلام، كما سنرى فيما يأتي ... و يؤيد أنه يقصد هذا الثاني: قوله: أنه كان قبل الإسلام منقولا إليهم من السوريين[1].
فالظاهر: أنه قد تأثر بمزخرفات المستشرقين الذين يحاولون تعظيم و تضخيم دور أي من الأمم التي سبقت الإسلام بهدف التخفيف من عظمة البعث الإسلامي، في مختلف المجالات، و ذلك لاهداف حقيرة لا تخفى ...
و على كل حال ... فان مطالعة معالم النهضة الإسلامية الطبية لخير دليل على كذب هذا الإدعاء، و لسوف يأتي بعض ما يشير إلى ذلك كما قلنا.
أما الدكتور فيليب حتي فيقول: «أنشأ الطب العربي العلمي عن الطب السوري الفارسي، الذي كان يقوم بدوره على أسس من الطب الإغريقي. و قد أشرنا سابقا إلى أن الطب الإغريقي ذاته قد استقى كثيرا من الطب الشعبي القديم الذي كان معروفا في الشرق الادنى، و لا سيما الطب المصري»[2].
و لكن ما ذكرناه نحن آنفا هو الأكثر دقة في هذا المجال ... فإن الطب قد كان عند جميع الأمم و لكن بمستويات مختلفة و متفاوتة، و قد استطاعت جنديشابور أن تحتوي معظم نتاج الأمم السابقة، ثم تصدر ما حصلت عليه إلى سائر الشعوب الّتي كانت بحاجة إلى مادة كهذه و منها العرب، و ان كان العرب
[1]- دائرة معارف القرن العشرين ج 5 ص 655.
[2]- موجز تاريخ الشرق الادنى ص 191.
قد اقتبسوا أيضا من آخرين ممن حولهم، كالسوريين، أو غيرهم ... و أضافوه إلى ما كان عندهم عن الكلدان غيرهم، و مما حصلوا عليه من تجاربهم، و ان كانت محدودة جدا.
أما جامعة جنديشابور نفسها؛ فقد انتقل الطب إليها على يد الرومان، الذين تلقوا معارفهم عن اليونانيين، الذين قدموا إليهم من مدرسة الإسكندرية.
الطب الجاهلي:
و يقولون: ان المعالجات في الجاهلية كانت تعتمد على بعض النباتات، و بالعسل وحده، أو مع مواد أخرى: شربا تارة، و عجائن و لصقات أخرى. و بالحجامة، و الفصد، و الكي، و بتر الاعضاء بالشفرة المحماة بالنار ... هذا بالإضافة إلى معالجاتهم بالرقى و العزائم، و الأذكار التي تطرد الجن و الأرواح الشريرة.
و يقول البعض: إنهم كانوا يعالجون الجراح المتعفنة و الدماميل بمواد ضد العفونة، و يعالجون الأمراض المسرية بالحجر الصحي، و يعالجون الجراح بالفتائل و التضميد[1].
و يقول الدكتور جواد علي:[2]«و قد عرف الجاهليون أيضا طريقة تغطية بعض العيوب، أو الإصابات التي تلحق بأعضاء الجسم بالوسائل الصناعية، فشدوا الأسنان، و قووها بالذهب، و ذلك بصنع أسلاك منه تربط الأسنان، أو
[1]- تاريخ طب در إيران ج 2 ص 118.
[2]- المفصل في تاريخ العرب قبل الإسلام ج 8 ص 415.
بوضع لوح منه في محل الأسنان الساقطة[1]و اتخذوا أنوفا من ذهب لتغطية الأنف المقطوع، كالذي روى عن عرفجة بن أسعد[2]من أنه اتخذ أنفا من ذهب[3]. و كان قد أصيب أنفه يوم الطلاب في الجاهليّة» انتهى. و لعل هذه القضية من الأمور المسلمة تاريخيا كما يعلم من مراجعة كتب الحديث و التاريخ[4].. و ان كان البعض يرى: أن ذلك لا يرتبط بالطب، و إنما بفن الصياغة ... و لكنه على أي حال يعبر عن تطور ما في توجهات الناس آنئذ حتى ليفكرون بتغطية بعض العيوب بطرق، و وسائل كهذه ...
و قد عرف الجاهليون الطب البيطري أيضا، فكانوا يعالجون الحيوان بالكي بالنار، و جب سنام الإبل، إذا أصيب بالدبرة، و قد كان العاص بن وائل بيطارا كما يقولون[5].
و كانوا ينقون رحم الفرس أو الناقة من النطف، و يخرجون الولد من بطن الفرس، أو الناقة، و يعبّر عن ذلك بلفظ (مسي)[6].
و أما عن الأمراض الّتي كانوا يعرفونها، و النباتات الّتي كانوا يستعملونها،
[1]- المعارف لإبن قتيبة: ص 82 و نزيد نحن: مسند أحمد ج 1 ص 73 و التراتيب الادارية ج 2 ص 65 و 69 عن الترمذي و سنن أبي داوود.
[2]- أو الضحاك بن عرفجة او طرفة بن عرفجة، كما يظهر من مراجعة المصادر الآتية.
[3]- بأمر من النبي6.
[4]- مسند أحمد ج 5 ص 23. و سنن أبي داوود ج 4 ص 92 و سنن الترمذي ج 4 ص 240، و سنن النسائي ج 8 ص 164 و طبقات ابن سعد ج 7 ص 30، و العقد الفريد ج 6 ص 354، و الإصابة ج 2 ص 223 و ج 3 ص 207 و 474 عن إبن مندة و التراتيب الإدارية ج 2 ص 65.
[5]- المعارف لإبن قتيبة ص 250، و تاريخ التمدن الإسلامي المجلد الثاني ص 24 و المفصل في تاريخ العرب قبل الإسلام ج 8 ص 417.
[6]- المفصل في تاريخ العرب ج 8 ص 417 عن تاج العروس 342.
فهي كثيرة، و لسنا في صدد استقصائها. و قد ذكر أسعد علي في كتابه:
«المفصل في تاريخ العرب قبل الإسلام» نبذة عن تلك الأمراض و معالجاتها، فليراجعها من أراد ...[1].
ثم ان هذا الّذي ذكرناه إنما هو بالنسبة للطب عند الحضريين، أما طب البادية فقد كان تقليديا موروثا عن مشايخ الحي و عجائزه ...
منزلة الطب في الجاهليّة:
و قد ذكر أبو حاتم: أنه قد كان في زهير بن جناب عشر خصال لم يجتمعن في غيره، من أهل زمانه: كان سيد قومه، و شريفهم، و خطيبهم، و شاعرهم، و وافدهم إلى الملوك، و طبيبهم- و الطب عندهم شرف- و حازي قومه- و الحزاة الكهان- و كان فارس قومه، و له البيت فيهم، و العدد منهم ...[2].
أطباء العرب في الجاهليّة:
لم يكن في العرب قبل ظهور الإسلام توجه أو اندفاع نحو الطب، و لذلك، فانهم لم يكن لهم حضارة طبية ذات قيمة تذكر، نعم قد ظهر فيهم عدد محصور من الأطباء لم يكن لهم نبوغ مميز، و لا اشتهر عنهم ابداعات أو منجزات تذكر في هذا المجال ...
و قد عرف من هؤلاء الأطباء، الذين عاش بعضهم إلى ما بعد ظهور الإسلام.
[1]- المفصل في تاريخ العرب قبل الإسلام ج 8 ص 389.
[2]- أمالي السيد المرتضى ج 1 ص 238، و معجم أدباء الأطباء ج 1 ص 178 و ص 175، و المفصل في تاريخ العرب قبل الإسلام ج 8 ص 380/ 381 كلاهما عن السيد المرتضى و نقله أيضا عيسى بن دأب في كتابه المناقب( المخطوط).
1- إبن حذيم: من تيم الرباب، و قد زعموا: أنه أطب العرب، حتى قيل: أطب في الكي من ابن حذيم ...[1].
و هذه الكلمة كما ترى تدل على أنه إنما اشتهر بالكي أكثر من غيره من سائر المعالجات الّتي كانت معروفة آنذاك ... و ليس لدينا ما يدل على براعة ما له في سائر فروع الطب و فنونه ...
2- الحارث بن كلدة، بن عمرو، بن علاج: قال أبو عمر: توفي في أول الإسلام: و لم يصح إسلامه. و تعلم الطب من رجل جنديشابوري:
و يقال: انه عالج سعد بن أبي وقاص بأمر من النبي6، أو بمراجعة سعد له، بعد أن أمره6بمراجعته[2].
و يقول البعض: كان النبي6يأمر من كانت به علة أن يأتيه، فيسأله عن علته[3].
[1]- تاريخ التمدن الإسلامي، المجلد الثاني ص 22، و المفصل في تاريخ العرب قبل الإسلام ج 8 ص 386 عن بلوغ الارب ج 3 ص 337.
[2]- راجع: تاريخ الحكماء للقفطي: و عيون الأنباء ط. سنة 1965 ص 161، و هامش الاشتقاق لإبن دريد ص 305، و تاريخ مختصر الدول لإبن العبري ص 92، و الإصابة ج 1 ص 288 و الاستيعاب بهامشها ج 1 ص 289، و الطب النبوي لإبن القيم ص 75 و طبقات إبن سعد ج 5 ص 372. و الترجمة الفارسية لطبقات الأطباء و الحكماء لابن جلجل ص 124، و التراتيب الإدارية ج 1 ص 456/ 457 عن سنن أبي داوود و غيره، و كنز العمال ج 10 ص 14 و 46/ 47 عن أبي داوود، و الحسن بن سفيان، و أبي نعيم.
و المفصل في تاريخ العرب قبل الإسلام ج 8 ص 382 عن بعض من تقدم، و عن: بلوغ الارب ج 3 ص 328 و شرح ديوان لبيد ص 102 و اخبار الحكماء ص 111 و طبقات الأطباء لإبن صاعد ص 27، و طبقات الأطباء لإبن جلجل ص 54.
[3]- طبقات إبن سعد ج 5 ص 372 و التراتيب الإدارية ج 1 ص 456/ 457 عنه و عن إبن طرخان.
و نسب إليه كتاب المحاورة في الطب بينه و بين كسرى، و لعله هو الذي ذكره إبن أبي أصيبعة، و إن عبد ربه، و غيرهما[1].
3- النضر بن الحارث، بن كلدة، بن عبد مناف، بن عبد الدار، يقال: أنه سافر إلى البلاد، و رأى العلماء و يذكر: أنه كان له معرفة بالطب[2].
4- إبن أبي رمثة: كان طبيبا على عهد الرسول، يزاول أعمال اليد، و صناعة الجراح[3].
5- الشمردل بن قباب، من نجران، و قد أسلم على يد النبي6و له كلام معه حول ممارسته لهذه الصناعة[4].
6- ضماد بن ثعلبة: كان صديقا للنبي6في الجاهليّة- كما يقال- و كان يتطبب، و يرقي: و يطلب العلم، و يداوي من الريح[5].
[1]- عيون الأنباء ص 162 و العقد الفريد ج 6 ص 373 و عن بلوغ الارب ج 3 ص 328 و التراتيب الإدارية ج 2 ص 359.
[2]- و زعم في عيون الأنباء ص 167: أنه إبن الحارث بن كلدة الثقفي. و ليس كذلك لان هذا من قريش من بني عبد الدار، و قد أمر6بقتله يوم بدر .. راجع: نسب قريش لمصعب ص 255، و الاشتقاق ص 160، و سيرة إبن هشام ج 1 ص 320 و ج 2 ...
و غير ذلك.
[3]- التراتيب الإدارية ج 1 ص 462 و 464 و طبقات الأطباء و الحكماء( الترجمة الفارسية) ص 128 و هوامشها، و مسند أحمد ج 4 ص 163، و تهذيب التهذيب ج 12 ص 97 و تاريخ الحكماء ص 436، و عيون الأنباء ص 170 و لسان العرب ج 6 ص 232، و تاريخ التمدن الإسلامي، المجلد الثاني ص 24، و المفصل ج 8 ص 386 عن بعض من تقدم و عن إبن جلجل ص 57، و إبن صاعد ص 47.
[4]- الإصابة ج 2 ص 156، و لسان الميزان ج 4 ص 478.
[5]- التراتيب الإدارية ج 1 ص 462، و الإصابة ج 2 ص 202، و الإستيعاب بهامشها ج 2 ص 209، و المفصل في تاريخ العرب قبل الإسلام ج 8 ص 386 عنهما و عن: نهاية الارب ج 18 ص 7 و ج 17 ص 350.
7- زهير بن جناب: الذي كان طبيب قومه، و قد تقدم ذكره.
8- و ثمة نفر من قبيلة أنمار، كانوا يزاولون الطب في زمن النبي6[1].
9- و كان العباديون أيضا معروفين بالطب[2]، و لعله بعامل تنصرهم، كما قيل[3].
النساء و الطب:
و يذكر هنا: أن بعض النساء اللواتي أدركن الإسلام، كن يزاولن مداواة الجرحى، و تمريض المرضى. و نعتقد: أن مهمتهن هذه كانت إلى التمريض أقرب، و لسوف يأتي ذكر أسماء طائفة منهن ممن عاش في زمن النبي6في القسم الثاني من هذا الكتاب، في الفصل الخامس، حيث الكلام على تمريض المرأة للرجل ... فإلى هناك.
[1]- موطأ مالك ج 3 ص 121، و طبقات الأطباء و الحكماء لإبن جلجل( الترجمة الفارسية) ص 124 و الهوامش في ص 126، و المفصل ج 7 ص 276 عن إبن جلجل ص 54.
[2]- المفصل في تاريخ العرب ج 8 ص 412 عن الفاخر ص 58.
[3]- المفصل في تاريخ العرب قبل الإسلام ج 8 ص 412 و لم نستطع أن نتحقق اسم الطبيب الّذي جيء به لمداواة عمر حين طعن فسقاه النبيذ ثم اللبن، فخرجا من جرحه ...