الوقاية الصحية في مجالها الأوسع:
لقد اهتم الإسلام بصحة الإنسان اهتماما بالغا، حتّى لقد روي أن النبي6قال: «إن في صحة البدن فرح الملائكة، و مرضاة الرب؛ و تثبيت السنة»[1]. و عنه6: «لا خير في الحياة إلا مع الصحة ..»[2].
و قد تقدم: أن الإسلام قد اعتبر العلم علمين: علم الأديان، و علم الأبدان. و الروايات في هذا المجال كثيرة، لا مجال لتتبعها ..
كما أن الإسلام قد اهتم بأن يوجه الإنسان نحو الوقاية الصحية، حتّى لا يقع في براثن المرض أصلا، و قد ورد عن الإمام الصادق (ع): «إن عامة هذه الأرواح من المرة الغالبة، أو دم محترق، أو بلغم غالب، فليشتغل الرجل بمراعاة نفسه قبل أن تغلب عليه شيء من هذه الطبايع، فيهلكه ..»[3].
و فسر المجلسي كلمة الأرواح بقوله: «و كأن المراد هنا: الجنون،
[1]- أولين دانشگاه و آخرين پيامبر ج 2 ص 380 عن: آئين جاويدان ص 322.
[2]- أولين دانشگاه ج 2 ص 382 عن نهج الفصاحة.
[3]- طب الأئمة ص 110 و البحار ج 62 ص 264 عنه.
و الخبل، و الفالج، و اللقوة، بل الجذام و البرص، و أشباهها»[1].
و روي: لا تأكل ما قد عرفت مضرته، و لا تؤثر هواك على راحة بدنك[2]و عن الرّضا (ع): «إن الجسد بمنزلة الأرض الطيبة الخراب، إن تعوهدت بالعمارة و السقي، من حيث لا تزداد الخ»[3].
و إن إلقاء نظرة إجمالية على شمولية وسعة موضوع الوقاية الصحية في الإسلام ليعطينا:
أن الحديث عن هذا الموضوع بشكل علمي دقيق و مستوعب ليس سهلا و ميسورا و إنّما هو أمر بالغ الصعوبة .. و ذلك لأنه يدخل فيه العديد من الموضوعات الواسعة و المتشعبة جدا .. و قد يضطر الباحث فيما لو أراد استيفاء الحديث في هذا الإتجاه إلى الإستشهاد بأحاديث ربما تتجاوز المئات إلى الآلاف، فضلا عن العشرات من المصادر الإسلامية الموثوقة، ان لم نقل عن المئات أيضا .. كما أن ذلك يحتاج إلى كتابة مجلدات كثيرة، و وقت طويل يبذله القارىء و الباحث على حد سواء.
كما أننا لا يجب أن ننسى: أن استيعاب هذا الموضوع، و استيفاء البحث فيه من جميع جوانبه، يحتاج إلى الكفاءات و الإختصاصات المتنوعة، الّتي تمتلك خبرات كبيرة في مجالات اختصاصها من جهة، ثم في مجال الإطلاع على النّصوص الإسلامية في القرآن و السنة النبوية و أهل البيت، و فهم تلك النّصوص، و الإستفادة منها في الموقع المناسب، من الجهة الأخرى ..
[1]- البحار ج 62 ص 264.
[2]- البحار ج 62 ص 269.
[3]- الرسالة الذهبية ص 13/ 14.
البحث في خصائص الأشياء:
و على ضوء ما تقدم؛ فاننا نجد أنفسنا مضطرين إلى حصر البحث في الموضوعات الأكثر إلحاحا في هذا المجال ..
فلن نتعرض للبحث في الأحاديث الكثيرة جدا، و الّتي تعد بالمئات ان لم يكن بالآلاف و الّتي تتعرض لكثير من الخصائص و المزايا لقسم وافر من البقول و الفواكه، و الخضار، و الحبوب، و اللحوم، و الأطعمة، و الألبان ..
مثل:
التفاح، و الرمان، و العنب، و التمر، و التين، و الهندباء، و الجزر، و الفجل، و الثوم، و البصل، و السعتر، و الحنطة، و الزيتون، و الشعير، و لحم الضأن، و لحم البقر، و السمك، و ألبان الضأن و البقر، و البطيخ، و الإجاص، و المشمش، و الحمص، و العدس، و قصب السكر .. إلى عشرات من الأنواع الأخرى، الّتي ورد في كل منها روايات كثيرة، لو أردنا جمعها، و ذكر مصادرها لاحتجنا إلى العشرات، بل المئات من الصفحات فكيف إذا أردنا استقصاء البحث فيها، و لا سيما و أنه قد ذكر في كثير منها خصائص وقائية لكثير من الأمراض، و قد كتب الشهيد السعيد الدكتور پاك نجاد في كتابه القيم: «أولين دانشگاه و آخرين پيامبر» عن عدد وافر منها، و قد أحسن و أجاد فيها أفاد، نسأل اللّه أن يوفيه أجر ذلك من جنانه أفسحها منزلا، و أفضلها غرفا، و يحشره مع الأئمة الطاهرين، بحق محمد و آله صلوات اللّه و سلامه عليهم أجمعين ..
اتجاهات البحث:
و على هذا .. فان بحثنا في هذا المجال سوف يقتصر على إعطاء نظرة سريعة و واضحة بقدر الإمكان عن الوقاية الصحية في المجالات الّتي وجه فيها
المعصومون إلى مواقف و أفعال معينة من شأنها أن تقي الإنسان من كثير من المخاطر، من دون أن يكون لخصائص الأشياء مدخلية كبيرة فيها، بل الفعل و الموقف منها هو الّذي يعطي القسط الأكبر من الفائدة في مجال الوقاية الصحية ..
و لأجل ذلك فلسوف يكون بحثنا على النحو التالي:
نستعرض أولا قسما وافرا مما يرتبط بالنظافة الجسدية كالسواك و الخلال، و الوضوء و الغسل، و غير ذلك ..
ثم نتعرض لنظافة الثياب و الأواني و البيت، و كثير من أوضاعه المطلوبة شرعا، و الّتي تؤثر في حفظ الصحة و الوقاية من كثير من الأخطار المحتملة في هذا المجال ..
و بعد ذلك نستعرض بعض ما يرتبط بالمحيط و البيئة و المجتمع بشكل عام ..
و لسوف نشير أيضا: إلى طائفة مما يرتبط بأحوال الإنسان في طعامه و شرابه و يقظته، و نومه، و سفره، و كذلك ما يرتبط بالوقاية الصحية فيما يتعلق بموضوع الجنس.
إلى غير ذلك مما تقتضيه ضرورة البحث، مع مراعاة جانب الإختصار و الوضوح مهما أمكن ..
فإلى البحوث التالية، مع جزيل شكري و عميق تقديري للقارىء الكريم.
النظافة من مجالها العام:
لقد اهتم الإسلام بالنظافة الجسدية اهتماما بالغا، يفوق حدّ التصور، و لا يستطيع أي دين أن يدعى: أنه اهتم بذلك و لو بمقدار معشار اهتمام الإسلام هذا ..
و يكفي أن نذكر: أنه قد جعل الوضوء، و الغسل في أحيان كثيرة من الواجبات الّتي يعاقب تاركها؛ بل و لا تتم كثير من أعماله العبادية الهامة جدا بدونها .. كما هو الحال في الصّلاة الّتي هي عمود الدين، و معراج المؤمن، و غيرها ..
بل لقد جعل ذلك من العبادات الّتي تقرب إلى اللّه، و يستحق فاعلها الثواب الجزيل، و الأجر الجميل ..
و عدا عن ذلك كله، فقد اعتبر الإيمان شطر الوضوء؛ و اعتبرت النظافة من الإيمان، و الإيمان مع صاحبه في الجنة ..
إلى غير ذلك مما يعبر عن مدى اهتمام الإسلام البالغ في هذا المجال ..
سواء في ذلك ما ورد ليؤكد على النظافة، أو الوضوء أو الغسل في مورده
الجزئي الخاص، أو ما ورد في مقام الحث على ذلك بصورة عامة ..
أمثلة على ما تقدم:
و كأمثلة على ما تقدم نشير إلى رشحة هي غيض من فيض مما ورد عن المعصومين (ع) من الأمر بالنظافة بصورة عامة ..
فقد تقدم في أوائل القسم الثاني الإشارة إلى قوله: «ان اللّه ليبغض من عباده القاذورة»: «و أن النظافة من الإيمان و الإيمان مع صاحبه في الجنة».
و قال الكراجكي: «و فيما صح عندنا من اجتهاد رسول اللّه6في النّظافة، و كثرة استعماله للطيب على ما أتت به الرواية»[1].
و عن الرضا (ع): «من أخلاق الأنبياء التنظيف»[2].
و عن أمير المؤمنين (ع): «تنظفوا بالماء من الريح المنتن، الّذي يتأذى به، و تعهدوا أنفسكم، فان اللّه ليبغض من عباده القاذورة، الّذي يتأنف به من جلس إليه»[3].
و جاء في رواية عن الباقر و الصادق يذكر فيها: «أن دواء العرب في خمسة و عدّ منها الحمام»[4]. و عن النّبي6: «أتاني جبرائيل (ع) فقال:
يا محمد، كيف ننزل عليكم؟!، لا تستاكون، و لا تستنجون بالماء، و لا
[1]- البحار ج 80 ص 106 عن كنز الفوائد ..
[2]- تحف العقول ص 330، و البحار ج 78 ص 335 عنه.
[3]- الخصال ج 2 ص 620 حديث الأربعماءة و البحار ج 76 ص 84، و تحف العقول ص 73 و راجع المصادر المتقدمة في أول القسم الثاني.
[4]- طب الأئمة ص 55 و البحار ج 62 ص 263 و راجع الوسائل ج 1 ص 361 عن الفقيه ج 1 ص 37 و غير ذلك.
تغسلون براجمكم»[1].
قال إبن الأثير: «فيه: من الفطرة غسل البراجم، و هي العقد الّتي في ظهور الأصابع، يجتمع فيها الوسخ الواحدة: برجمة»[2].
و قد نص القرآن على أن اللّه تعالى:يُحِبُّ التَّوَّابِينَ وَ يُحِبُّ الْمُتَطَهِّرِينَ[3]. و قال تعالى مخاطبا المسلمين في مناسبة بدر:وَ يُنَزِّلُ عَلَيْكُمْ مِنَ السَّماءِ ماءً لِيُطَهِّرَكُمْ بِهِ وَ يُذْهِبَ عَنْكُمْ رِجْزَ الشَّيْطانِ[4]. و قال تعالى:فِيهِ رِجالٌ يُحِبُّونَ أَنْ يَتَطَهَّرُوا وَ اللَّهُ يُحِبُّ الْمُطَّهِّرِينَ[5].
قال المجلسي: «قيل: ربما دلت هذه الآية على استحباب المبالغة في الإجتناب عن النجاسات، و لا يبعد فهم استحباب النورة و أمثالها، بل استحباب الكون على طهارة و تأييد له، لا بل الأغسال المستحبة»[6].
و قال تعالى:إِنَّهُ لَقُرْآنٌ كَرِيمٌ، فِي كِتابٍ مَكْنُونٍ، لا يَمَسُّهُ إِلَّا الْمُطَهَّرُونَ[7].
إلى غير ذلك من الآيات الّتي تتمدح التطهر، و تحث عليه تصريحا، أو تلويحا. و قد ورد عنهم (ع): ان «الطهر نصف الإيمان»[8]. و عن
[1]- البحار ج 80 ص 210 عن نوادر الراوندي ..
[2]- النهاية لإبن الأثير ج 1 ص 113 و البحار ج 80 ص 210 عنه.
[3]- سورة البقرة، الآية: 222.
[4]- سورة الأنفال، الآية: 11.
[5]- سورة براءة، الآية: 108.
[6]- البحار ج 80 ص 5.
[7]- سورة الواقعة، الآية: 77- 79.
[8]- البحار ج 80 ص 237 و في هامشه عن الدعائم ج 1 ص 100.
النبي6و علي (ع): «الوضوء شطر الإيمان»[1].
و عن أمير المؤمنين (ع): «من أحسن الطهور ثم مشى إلى المسجد فهو في صلاة ما لم يحدث»[2].
و عن النبي6: «يا علي، على الناس في كل سبعة أيام الغسل، فاغتسل في كل جمعة، و لو أنك تشتري الماء بقوت يومك و تطويه، فانه ليس شيء من التطوع أعظم»[3].
و عن الصادق (ع): «ليتزين أحدكم يوم الجمعة، يغتسل، و يتطيب»[4].. الخبر.
و عن أمير المؤمنين (ع): «غسل الأعياد طهور لمن أراد طلب الحوائج، و اتّباع للسنة»[5].
بل يكفي أن نذكر: أن الأغسال المتسحبة، قد أنهاها بعضهم إلى أربعين غسلا تقريبا، كما أن بعض الروايات قد عدت منها و من الواجبات ثلاثة و عشرين غسلا في مناسبات مختلفة .. و من يراجع الروايات في باب علل الأغسال و ثوابها في البحار ج 81 ص 3 و 22 و 23 و 24 يخرج بحقيقة: أن
[1]- أمالي الطوسي ج 1 ص 29 و فيه:« نصف» بدل كلمة« شطر» و البحار ج 80 ص 237 و 234 و 266 و في هوامشه عن الأول و عن: أمالي المفيد ص 146 و عن نوادر الراوندي ص 40.
[2]- البحار ج 80 ص 237 و في هامشه عن الدعائم ج 1 ص 100.
[3]- البحار ج 81 ص 129 عن جمال الاسبوع.
[4]- المصدر السابق عنه.
[5]- تحف العقول ص 66 و البحار ج 81 ص 15 و 22 و 27 عنه و عن اختيارات إبن الباقي، في حديث الأربعماءة، و ليراجع في الخصال، و البحار، و المواعظ العددية و غير ذلك ..