و ليتكون من ثم المزيد من الجراثيم .. و من ثم إلى مواجهة كثير من المتاعب.
كما أن هذه الأحماض المشار إليها .. هي في الحقيقة من أسباب تسوس الأسنان، و من ثم فقدانها لصلاحيتها، حيث يكون لابد من التخلص منها ..
كما أن غازات الفم الكريهة قد تنفذ إلى مجرى الدم، و تفتك- من ثم- بالجسم كله ..
و هذه الغازات الّتي تنشأ في الغالب من تخمر فضلات الطعام المتبقية في تجاويف الأسنان، الّتي لا تلبث أن تتعفن، و تصبح ذات رائحة كريهة جدا، يشعر بها كل من يحاول تنظيف أسنانه بعد إهماله لها مدة من الزمن .. ثم تتحول شيئا فشيئا إلى ميكروبات و جراثيم تعد بالملايين و يتسبب عنها الكثير من أمراض الفم، و تفد- كما قلنا- مع الطعام إلى المعدة، و لتسبب للإنسان- من ثم- الكثير من المتاعب و الأخطار ..
يضاف إلى ذلك كله: أن تلك الفضلات قد تسبب قروحا في اللثة، و مع كون الجراثيم حاضرة و جاهزة، فانها تعمد إلى الفتك باللثة عن طريق تلك القروح، و إذا ما أدت تلك القروح إلى كشف عنق السن، فلسوف ينتج عن ذلك ضعف ذلك السن و خلخلته. و ليصبح من ثم عديم الفائدة و مستحقا للقلع[1].
السواك .. هو المنقذ:
و هكذا .. فان النتيجة بعد ذلك تكون: هي، أنه لا بد للفم من منظف
[1]- راجع كتاب: الصحة و الحياة ص 35/ 36 فانه قد أوضح ذلك ..
أو لا، و معقم و مطهر له ثانيا، يقتل هذه الجراثيم الّتي فيه، و يزيلها، و يمنع من حدوث أخرى مكانها ..
قد قرر الشارع: أن هذا المنظف و المطهر و المعقم هو السواك، الّذي يكون في نفس الوقت علاجا، كما هو عملية وقائية من كثير من الأمراض، الّتي يمكن أن يتعرض لها الإنسان نتيجة لموبوئية الأسنان، و منها أمراض المعدة، حيث إن السواك «يصح المعدة» كما تقدم، هذا عدا عن الآثار الكثيرة الّتي أشرنا و سنشير إليها إن شاء اللّه تعالى .. كما و يلاحظ: أنه قد اعتبره مطهرا و معقما للفم كله، لا لخصوص الأسنان و حسب .. و لكن شرط أن يستعمل على النحو الذي يريده الشارع، و في الأوقات و الوسائل الّتي قررها ..
و من هنا، فاننا نعرف الحكمة في قولهم (ع) عن السواك: إنه طهور للفم، و منظف له، و أنه يدفع عن الأنسان السقم، و يذهب أوجاع الأضراس .. إلى غير ذلك مما تقدم، و سيأتي إن شاء اللّه تعالى ..
السواك يشهي الطعام:
كما أن من الواضح: أن موبوئية الفم، و كثرة الجراثيم فيه تقلل من اشتهاء الإنسان للطعام، و ميله إليه، و لا سيما إذا كان ثمة عسر هضم، أو حزة أو حموضة في المعدة ..
بل إن من الأمور الثابتة علميا: أن تنظيف الأسنان يدفع الإنسان إلى الطّعام، و يزيد من الكميات الّتي يتناولها منه إلى حد ملفت للنظر .. و هذا بالذات ما يفسر لنا ما ورد عنهم (ع)، من أن السواك يشهّي الطعام و يمريه ..
عذوبة الفم .. و الفصاحة ..
و إذا كان الإستياك يوجب عذوبة الفم، و نقاوة اللعاب، و يشد اللثة و يقويها و يحافظ على الأسنان، و يوجب تقوية عضلات الفم، إلى آخر ما تقدم .. فان من الطبيعي أن يكون من أسباب زيادة الرجل فصاحة، حيث تصير عضلات الفم أكثر قدرة على الحركة، و أكثر تحكما بالنبرات الصوتية، و أكثر نشاطا، و دقة في أدائها لوظيفتها ..
السواك بالقصب و الريحان و غيرهما:
و مع أننا قد أطلنا نسبيا في موضوع السواك .. إلّا أن تشعب هذا الموضوع، و اختلاف مناحيه و أطرافه هو الّذي فرض علينا ذلك، مع اعترافنا بالعجز و القصور عن إدراك الكثير مما يرمي إليه النبي و الأئمة صلوات اللّه و سلامه عليهم، أو يشيرون إليه ..
و لذا .. فاننا لا نجد محيصا عن الالمامة السريعة فيما يتعلق بأحوال و كيفيات السواك و أوقاته كذلك .. فنقول:
إن من الواضح: أن مجرد إخراج الفضلات من تجاويف الأسنان، و إن كان في حد ذاته مفيدا .. إلا أنه إذا كان بطريقة غير صالحة، فلربما تنشأ عنه أضرار تفوق ما يمكن أن يجلبه من منافع ..
و هذا .. ما يبرز الحاجة الملحة لتوخي الطريقة الأصلح و الفضلى الّتي تؤدي المهمة المنشودة على أكمل وجه، و تتلافى معها جميع المضاعفات و الأضرار المحتملة ..
و بديهي أن إخراج الفضلات من تجاويف الأسنان بواسطة آلة صلبة، كدبوس أو إبرة، أو أي آلة معدنية أخرى .. لمما يتسبب منه جرح الجدار
الصلب الّذي يغلف تاج السن .. كما أنه قد يؤدي إلى جرح النسيج اللثوي، الأمر الّذي ينتج عنه تعرض الأسنان للنخر، و اللثة للإلتهابات، بفعل تلك الجراثيم الّتي تتواجد في الفم، و الّتي ربما تعد بالملايين.
و إذن .. فلا بد و أن يكون السواك و الخلال بوسيلة لا صلابة فيها، يؤمن معها من جرح الجدار الصلب لتاج السن، و جرح النسيج اللثوي أيضا ..
و لأجل ذلك .. فقد منع الإسلام عن السواك و الخلال بالقصب و عود الرمان لأن ذلك قد يجرح النسيج اللثوي، و يؤثر في تاج السن أيضا ..
كما أنه قد منع عن عود الريحان .. و لعل ذلك يرجع إلى أنه يحتوي على بعض المواد المضرة بالأسنان و في اللثة على حد سواء ..
و مما يدل على المنع عن السواك بغير الأراك و الزيتون.
و ما روي عن النبي6من أنه نهى أن يتخلل بالقصب، و أن يستاك به[1]..
و عنه6: أنه نهى عن السواك بالقصب و الريحان، و الرمان[2].
السواك بالأراك، و نحوه:
و قد أمر الإسلام بالسواك بعود الأراك و حث عليه، و ما ذلك إلّا لأن النسيج الداخلي لعود الأراك بعد ملاقاته للماء أو اللعاب يتخذ حالة ملائمة جدا لعملية السواك، حيث إنه يصير مرنا، و ناعما و طريا، يشبه الفرشاة المستعملة في هذه الأيام إلى حد بعيد، فلا يتعرض معه جدار السن، و لا النسيج اللثوي
[1]- المحاسن ص 564 و مكارم الأخلاق ص 153.
[2]- المصدران السابقان.
إلى أية حالة يمكن أن ينتج عنها ضرر مهما كان .. كما أن عود الزيتون يؤدي نفس هذه المهمة أيضا على ما يبدو ..
نعم .. لم يأمر الإسلام باتخاذ فرشاة، و لا أرشد إلى صنع معاجين من مواد معينة، و معقمة و مطهرة للفم، و مضادة إلى حد ما للجراثيم .. على النحو الشائع في هذا الأيام .. إذ لم يكن في ذلك الزمان معاجين، و لا كان يخطر في بالهم، أو يمر في مخيلتهم أن يحتاج تنظيف الأسنان إلى مواد كيمياوية من نوع معين .. و لو أنه6أراد أن يرشدهم إلى صنع فرشاة أو تركيب معاجين كيمياوية لهذا الغرض لوجد أنه سيتعرض لنسب و أباطيل لا يرضى أحد أن يتعرض لها ..
و لكنه6أمرهم باتخاذ عود الأراك، أو عود الزيتون مسواكا، و ذكر له في الروايات منافع هامة، ثم أكد الأئمة بعده على ذلك ..
فقد روي: عن الباقر (ع): «أن الكعبة شكت إلى اللّه عزّ و جلّ ما تلقى من أنفاس المشركين، فأوحى اللّه تعالى إليها: قري كعبة، فإني مبدلك بهم قوما يتنظفون بقضبان الشجر، فلما بعث اللّه محمدا، أوحى اللّه إليه مع جبرائيل بالسواك و الخلال ..» و هو مروي بعدة طرق[1]..
و عن النبي6: «أنه كان يستاك بالأراك، أمره بذلك جبرائيل»[2].
و في ما كتبه الرضا (ع) للمأمون: «و اعلم يا أمير المؤمنين: أن أجود ما استكت به ليف الأراك؛ فانه يجلوا الأسنان، و يطيب النكهة، و يشد اللثة،
[1]- المحاسن للبرقي ص 558، و من لا يحضره الفقيه ج 1 ص 34 و الوسائل ج 1 ص 357 و 348 و مكارم الأخلاق ص 50 و البحار ج 66 ص 439 و ج 76 ص 130 و 138 و في هوامشه عن تفسير القمي ص 50 و عن فروع الكافي ج 1 ص 314.
[2]- مكارم الأخلاق ص 39، و البحار ج 76 ص 135.
و يسمنها. و هو نافع من الحفر، إذا كان باعتدال. و الأكثار منه يرق الأسنان، و يزعزعها، و يضعف أصولها»[1].
و بالنسبة للسواك بالزيتون فقد روي عن النبي6: أنه قال: «نعم السواك الزيتون من الشّجرة المباركة، يطيب الفم، و يذهب بالحفر، و هي سواكي، و سواك الأنبياء قبلي»[2].
أما بالنسبة لعود الزيتون الّذي لم نجده إلّا في هذا النص الأخير، فلا نملك معلومات يقينية عنه يمكن الإعتماد عليها ..
و ما يهمنا هنا هو الكلام عن عود الأراك .. فاننا إذا لاحظنا ما في عود الأراك من المنافع فلسوف ندرك: أنه ليس من اللازم، بل و لا من الراجح العدول عنه إلى الفرشاة، و لا إلى المعاجين الّتي يدعى أنها تساعد التنظيف، و التعقيم و التطهير، بل لا بد من الإقتصار على عود الأراك، حيث قد أثبتت المختبرات الحديثة أفضليته على الفرشاة. حيث إن «للأراك رائحة طيبة، لعابية، و فيه مواد تبيض الأسنان»[3]و قال وجدي: «و له فائدة بالنسبة إلى الأسنان و هي صلاحية أغصانه للإستياك بها. و فيها من حسن النكهة، و تمام الإستعداد لاستخراج فضلات الأغذية من بين الأسنان ما يجعل استعماله أفضل من الفرشة»[4].
نعم .. و «قد وجد أحد معامل الأدوية في المانيا مادة خاصة في
[1]- راجع الرسالة الذهبية ص 50 ط. سنة 1402 ه. و الأنوار النعمانية ج 4 ص 180 و البحار ج 62 ص 317.
[2]- مكارم الأخلاق ص 49 و البحار ج 76 ص 135.
[3]- أولين دانشگاه و آخرين پيامبر ج 12 ص 134.
[4]- دائرة معارف القرن العشرين ج 1 ص 201.
المسواك المأخوذ من شجر الأراك، تكسب الأسنان مناعة على النخر، شبيهة بمادة «الفلور»، و قاتلة للجراثيم.
و لوحظ: أن نسبة نخر الأسنان لدى الّذين يستعملون المسواك أقل بكثير من الّذين يستعملون فرشاة الأسنان. و ما زال هذا المعمل يواصل بحوثه و تحرياته، و يحاول الاستفادة من هذه المادة، و إضافتها إلى معاجين الأسنان».
أما الفرشاة، فليس فيها هذه المادة القاتلة للجراثيم، و لهذا ينصح الأطباء بوضعها في الماء و الملح بعد تنظيف الأسنان بها، ليقضي بواسطة ذلك على الجراثيم العالقة، أو الّتي ربما سوف تعلق بها. و حتّى لا تعود تلك الميكروبات للفم مرة ثانية ..
أما عود الأراك، فان كل ما علق أو يعلق به، فانه يقضي عليه تلقائيا بواسطة تلك المادة الموجودة فيه من دون حاجة إلى جعله في الماء و الملح، أو غير ذلك .. هذا .. إذا استطاع الماء و الملح أن يقضي على جميع أنواع المكروبات، و من اين له ذلك و أنى، فان ذلك مما لم يثبت حتّى الآن ..
السواك عرضا .. لا طولا:
ثم إن لكيفية السواك مدخل في التنظيف الكامل و عدمه، إذ أنه مرة يمرّ المسواك على الأسنان إمرارا ظاهريا .. و هذا لا يكفي- بطبيعة الحال- في الوصول إلى الغاية الّتي شرع من أجلها السواك.
و مرة يصل المسواك إلى جميع تجاويف الأسنان، و يخرج الفضلات منها .. و هذا هو المطلوب .. لأنك إذا دعكت الأسنان بالمسواك صعودا و نزولا، فلسوف تدخل شعب المسواك إلى جميع التجاويف، و الفجوات،
و الخلايا .. حتّى لا يبقى أي شيء من الفضلات يمكن أن يسبب ضررا على الأسنان، أو على أي من أجهزة الجسم الأخرى .. و قد ورد الأمر من الأئمة (ع) بهذه الطّريقة قبل أربعة عشر قرنا، و لم يتنبه لها علماء الطب إلّا في هذه السنوات المتأخرة، و بدؤا ينصحون بإتباعها[1].
و على كل حال .. فقد ورد عن النّبي6قوله: «إستاكوا عرضا، و لا تستاكوا طولا»[2].
و عن النبي6: «إكتحلوا وترا، و استاكوا عرضا»[3].. و كان6إذا استاك، استاك عرضا[4]. كان أمير المؤمنين (ع) «يستاك عرضا، و يأكل هرثا»[5].
المضمضة بعد السواك:
إلّا أن من الواضح: أن مجرد إجراء عملية السواك هذه، لا يكفي في إخراج الفضلات من الفم، و تنظيفه و تطهيره .. مع أن هذا هو أحد الأهداف الهامة من عملية السواك، كما صرحت به الروايات الكثيرة ..
بل لا بد من القيام بعملية أخرى لإخراج هذه الفضلات من الفم؛
[1]- الصحة و الحياة ص 37.
[2]- من لا يحضره الفقيه ج 1 ص 33 و راجع البحار ج 80 ص 343 و ج 66 ص 414.
[3]- من لا يحضره الفقيه ج 1 ص 33 و مكارم الأخلاق ص 50 و البحار ج 76 ص 137 و الوسائل ج 1 ص 412.
[4]- مكارم الأخلاق ص 35 و الكافي ج 6 ص 297 و مجمع الزوائد ج 2 ص 100.
[5]- الوسائل ج 16 ص 497 و في هامشه عن الفروع ج 2 ص 164 و قصار الجمل ج 1 ص 18 و الهرث: أن يأكل بأصابعه جميعا.