و الخلايا .. حتّى لا يبقى أي شيء من الفضلات يمكن أن يسبب ضررا على الأسنان، أو على أي من أجهزة الجسم الأخرى .. و قد ورد الأمر من الأئمة (ع) بهذه الطّريقة قبل أربعة عشر قرنا، و لم يتنبه لها علماء الطب إلّا في هذه السنوات المتأخرة، و بدؤا ينصحون بإتباعها[1].
و على كل حال .. فقد ورد عن النّبي6قوله: «إستاكوا عرضا، و لا تستاكوا طولا»[2].
و عن النبي6: «إكتحلوا وترا، و استاكوا عرضا»[3].. و كان6إذا استاك، استاك عرضا[4]. كان أمير المؤمنين (ع) «يستاك عرضا، و يأكل هرثا»[5].
المضمضة بعد السواك:
إلّا أن من الواضح: أن مجرد إجراء عملية السواك هذه، لا يكفي في إخراج الفضلات من الفم، و تنظيفه و تطهيره .. مع أن هذا هو أحد الأهداف الهامة من عملية السواك، كما صرحت به الروايات الكثيرة ..
بل لا بد من القيام بعملية أخرى لإخراج هذه الفضلات من الفم؛
[1]- الصحة و الحياة ص 37.
[2]- من لا يحضره الفقيه ج 1 ص 33 و راجع البحار ج 80 ص 343 و ج 66 ص 414.
[3]- من لا يحضره الفقيه ج 1 ص 33 و مكارم الأخلاق ص 50 و البحار ج 76 ص 137 و الوسائل ج 1 ص 412.
[4]- مكارم الأخلاق ص 35 و الكافي ج 6 ص 297 و مجمع الزوائد ج 2 ص 100.
[5]- الوسائل ج 16 ص 497 و في هامشه عن الفروع ج 2 ص 164 و قصار الجمل ج 1 ص 18 و الهرث: أن يأكل بأصابعه جميعا.
و ليكون الفم من ثم نظيفا، طاهرا، طيب الرائحة الخ ..
و قد بين لنا أئمة أهل البيت (ع) هذه الطريقة، فحكموا بلزوم المضمضة بعد السواك، و إذا كان ذلك الغرض لا يحصل من المضمضة مرة واحدة، فقد ورد الأمر بالمضمضة ثلاث مرات بعده.
فعن الصادق (ع): «من أستاك فليتمضمض»[1].
و جاء في رواية أخرى لمعلى بن خنيس عن السواك بعد الوضوء، قال (ع): «يستاك، ثم يتمضمض ثلاث مرات»[2].
أدنى السواك:
و نلاحظ: أن اهتمام الإسلام بالسواك قد بلغ حدا لربما يصعب تفسيره على الكثيرين، أو إدراك معطياته بشكل كاف .. حتّى لنجده يكتفي من السواك بالدلك بالأصبع، فعن النبي6: «التسوك أو التشويص بالإبهام و المسبّحة عند الوضوء سواك»[3].. و عنهم (ع): أدنى السواك أن تدلكه باصبعك[4].. بل لقد اكتفى فيه بالمرة الواحدة كل ثلاث، فعن الباقر (ع):
لا تدعه في كل ثلاث، و لو أن تمره مرة واحدة[5].
[1]- الوسائل ج 1 ص 354 و المحاسن ص 653 و 561 و البحار ج 76 ص 134.
[2]- المحاسن ص 561 و البحار ج 80 ص 339.
[3]- البحار ج 80 ص 344 عن دعوات الراوندي، و الوسائل ج 1 ص 359 و في هامشه عن التهذيب ج 1 ص 101.
[4]- الكافي ج 3 ص 23 و الوسائل ج 1 ص 359، و راجع البحار ج 76 ص 127 و 137 عن علل الشرايع ج 1 ص 278 و عن مكارم الأخلاق ص 52 و راجع مجمع الزوائد ج 2 ص 100.
[5]- الكافي ج 3 ص 23 و من لا يحضره الفقيه ج 1 ص 33، و مكارم الأخلاق ص 50 و الوسائل ج 1 ص 359 و 353 و البحار ج 76 ص 137، و راجع هوامش الوسائل ..
و هذا تعبير صادق عن مدى اهتمامهم (ع) بالسواك، كما أنه يوحي بما للسواك من عظيم الفائدة، و جليل الأثر.، فان الدلك بالاصبع، و إن لم يكن محققا للغاية المرجوة بتمامها، إلّا أن الميسور لا يترك بالمعسور، إذ أن الدلك بالأصبع مفيد على الأقل في تقوية اللثة، و تحريك عضلاتها .. كما أنه يهتك الأغشية الّتي ريما تغلف الأسنان و اللثة، و تستبطن معها الكثير من الفضلات الّتي يمكن أن تكون مسرحا لكثير من الجراثيم و الميكروبات، الّتي تنشأ عن تخمر الفضلات- الأمر الّذي يؤثر و لو جزئيا في محدودية فعالية تلك الجراثيم على الأقل .. و هذا بالذات ما يفسر لنا قولهم (ع): لا تدعه في كل ثلاث، و لو أن تمره مرة واحدة، كما هو ظاهر لا يخفى.
السواك بماء الورد:
نعم .. و من أجل أن تطيب رائحة الفم أكثر، لأن السواك مطيبة للفم أيضا، نجد: أن الحسن (ع) كان يستاك بماء الورد[1].
السواك في الحمام:
هذا .. و لعل من الأمور التي لا تحتاج إلى بيان: أن السواك في الحمام غير صحي، لأن السواك عبارة عن تنظيف الخلايا و الفجوات من الفضلات، فإذا تعرضت تلك الخلايا و الفجوات لجوّ الحمام المزدحم بالميكروبات، فلسوف تتعرض لغزو عنيف منها. و لن يمكن التخلص منها بعد بسهولة و يسر، لا سيما و أنه و هو في ذلك الجو كلما أخرج منها فوجا استقر في مكانه فوج آخر، و اتخذ مواقعه ..
نعم .. و لا يوجد ثمة أي شيء يحجزها عن الوصول إلى الأمكنة
[1]- البحار ج 80 ص 346 عن الهداية ص 18.
الحساسة، لمباشرة أعمالها التخريبية رأسا ..
أما في غير جو الحمام، فان اللعاب يمنعها إلى حد ما من الوصول بهذه السرعة إلى الأمكنة الحساسة، و ذلك بسبب تغطيته لها و لزوجته، الّتي يحتاج إختراقها من قبل الجراثيم إلى بعض الوقت، مضافا إلى تبدل اللعاب و تغيره باستمرار، و لو بقي منها شيء مع هذا التبدل، فان النوبة الثانية لاستعمال السواك تكون قد أزفت .. و أما اثناء السواك في الحمام، فان اللعاب لا يصل إلى المناطق الّتي عليها المسواك، بل تبقى مكشوفة معرضة للعطب بأسرع ما يكون .. هذا .. مع ملاحظة أن جو الحمام يكون أغنى بهذه الميكروبات، و تكون أكثر حيوية فيه ..
و هذا .. ما يفسر لنا ما ورد عن أبي عبد اللّه (ع) في حديث: «و إياك و السواك في الحمام، فانه يورث و باء الأسنان ..» و في معناه عدة روايات أخر[1].
السواك على الخلاء:
و نفس ما تقدم- تقريبا- يأتي بالنسبة إلى السواك على الخلاء، فان نفس تلك الرائحة الكريهة عبارة عن جراثيم و ميكروبات .. فإذا ما وصلت إلى الفم، و استقرت فيه، و لا سيما في المناطق الحساسة و المكشوفة نسبيا، و تناسلت و تكاثرت، فان النّفس يبدأ بقذف الزائد منها إلى الخارج، فتلتقطه حواس الشم لدى الآخرين .. الأمر الّذي ينشأ عنه شدة تنفرهم و انزعاجهم منه .. و من هنا .. نجدهم (ع) ينهون عن السواك على الخلاء.
[1]- أمالي الصدوق ص 253 و 254 و الوسائل ج 1 ص 359 و 360 و من لا يحضره الفقيه ج 1 ص 33 و مكارم الأخلاق ص 49 و الكافي ج 6 ص 208 و البحار ج 76 ص 136 و 70 و 71/ 72 و 74 و 75 و 81 و 328 و عن علل الشرايع ج 1 ص 276 و فقه الرضا ص 4.
فعن الصّادق (ع) في حديث: «و السواك في الخلا يورث البخر»[1].
و عن (ع): السواك على المقعد يورث البخر[2].
أوقات السواك، و السواك للصائم:
قد تقدم ما يدل على استحباب السواك عند كل وضوء، و عند كل صلاة .. و إذا أراد أن ينام و يأخذ مضجعه، و وقت السحر، و في كل مرة قام من نومه، و حين طلوع الشمس و الخ ..
أما الصائم فانه يستاك أي النهار شاء[3]. و كان علي يستاك في أول النهار و في آخره، في شهر رمضان[4]. و لكن لم يرجع له الإستياك بسواط رطب أيضا[5].. و لعل ذلك من أجل أن لا يجعل الصائم في حرج من جهة صومه، مع الحرص على القيام بعملية السواك حتّى في حال الصوم ..
و نحن نشير هنا إلى:
أن وفود الجراثيم إلى الفم لا ينحصر في تخمر فضلات الطعام فيه، لأن من الممكن أن تصل إلى الفم عن طريق ملامسة بعض الأجسام الأخرى غير
[1]- من لا يحضره الفقيه ج 1 ص 32 و مكارم الأخلاق ص 48 و 51 و البحار ج 80 ص 191 و ج 76 ص 135 و 138 و عن الهداية ص 15.
[2]- من لا يحضره الفقيه ج 1 ص 32 و مكارم الأخلاق ص 48 و 51 و البحار ج 80 ص 191 و ج 76 ص 135 و 138 و عن الهداية ص 15.
[3]- الكافي ج 3 ص 23، و المحاسن ص 563 و البحار ج 76 ص 136 و 134 و من لا يحضره الفقيه ج 1 ص 33 و الإستبصار ج 1 ص 91 و مكارم الأخلاق ص 49 و الوسائل ج 1 ص 360 و 57 و 58 و البخاري نشر دار الفكر العربي ج 2 ص 234 و سنن أبي داوود ج 2 و سنن إبن ماجة ..
[4]- الوسائل ج 7 ص 60 و في هامشه عن قرب الإسناد ص 43.
[5]- الإستبصار ج 2 ص 91/ 92 و الوسائل ج 1 ص 360 و ج 7 ص 55 و 59 و 58 و في هوامشه عن العديد من المصادر.
الطعام .. بل و من الطعام نفسه إذا كان ملوثا بما هو خارج عنه .. كما أن من الممكن أن تتوافد إلى الفم عن طريق الهواء غير النقي، الذي يصل إلى الفم، و إلى غيره من أجهزة الجسم عن طريق التنفس.
و لأجل هذا .. فقد اختلفت الميكروبات الّتي يعاني منها الفم و تنوعت، و لا يضاهيه في اختلافها و تنوعها أي عضو آخر في الإنسان على الإطلاق ..
و هو أكثر الأعضاء قابلية لاستقبالها، و هو المكان الأمثل لنموها و تكاثرها .. لأن اللعاب الّذي يتدفق باستمرار- و إن كان في حالة سلامة الجسم- يمكنه أن يقضي على كثير من أنواع الميكروبات-[1]إلا أنه في غير هذه الحالة يمثل الدرع الواقي و الغطاء الطبيعي لها، الّذي يمكنه أن يحميها من كثير من العوارض:. بل أنه يمثل الغذاء لها لو حرمت الغذاء .. و إذا لاحظنا مدى حساسية هذا العضو- الفم- بالنسبة لسائر أجهزة الجسم الأخرى .. فاننا نعرف السر في تجويز الإستياك للصائم .. و في دعوة الإسلام للإستياك في الأوقات المختلفة المتقدم ذكرها ..
أضف إلى ذلك: أن بقاء محيط الفم لعدة ساعات في حالة هدوء معناه:
أنه إذا كان فيه شيء من الفضلات المتبقية فان التخمير يتم فيه بيسر و سهولة حينئذ، كما أنه لو كانت بعض الجراثيم متخلفة في الفم فانها تستطيع مهما كانت ضئيلة و محدودة أن تقوم بنشاط واسع من دون وجود أي وازع أو رادع.
فإذا استاك قبل النوم فانه يقضي بذلك على كل ذلك، و لا يبقى ثمة فرصة لنشاط الجراثيم، و لا لتحمر الفضلات ..
[1]- فان لم يمكن فان أسيد المعدة يقضي عليها، فان لم يمكن قضت عليها تركيبات الصفراء( راجع: أولين دانشگاه و آخرين پيامبر ج 12 ص 122 و 126).
كما أن السواك بعد النوم يقضي على الجراثيم الوافدة إلى الفم عن طريق التنفس و غيره. و يقول البعض: «إن تدفق اللعاب باستمرار في الفم عامل مهم في منع إصابة الأسنان بالتسوس و الخراب، لأن اللعاب يؤثر في تنظيفها ميكانيكيا، و حيث انه يقل تدفق اللعاب ليلا، فان قابلية الأسنان للتعرض للخراب تزيد طبعا، و هذا ما يؤكد الحاجة للسواك بعد النوم كما قلنا»[1]..
كما أن السواك يقضي على الميكروبات الّتي يمكن أن تكون قد نشطت أثناء النوم، و على بعض الفضلات لو فرض تخلفها في تجاويف الفم، فيما لو كان السواك قبل النوم غير فعال، بسبب التقصير في الإستقصاء فيه .. نعم ..
و لعل ما ذكرناه يلقي بعض الضوء على ما تقدم من قولهم (ع): لو علم الناس ما في السواك لأباتوه معهم في لحاف .. و هذا ما يؤكد لنا عظمة الإسلام، و انسجامه مع الحاجات الطبيعية، الّتي تكتنف وجود هذا الكائن، و تهيمن عليه ..
جرح اللثة ..
و يلاحظ هنا: أن جرح اللثة بالسواك ثم تعفنها غير وارد هنا بالنسبة للإنسان السليم .. و ذلك لأن الفم يتمتع بمناعة خاصة ضد تعفن جراحة الفم، و لعل هذا هو السر في اعتبار الإسلام الفم طاهرا، مطهرا، بحيث لو ظهر فيه دم فانه يطهر بنفسه بمجرد ذهاب آثاره .. كما أن اللعاب نفسه قاتل للميكروب لدى الرجال الأصحاء، كما قدمنا[2].
و لكن ذلك لا يعني عدم تولد ملايين الجراثيم في الفم بفعل التخمر الّذي
[1]- أولين دانشگاه و آخرين پيامبر ج 12 ص 155/ 156.
[2]- أولين دانشگاه و آخرين پيامبر ج 12 ص 122 و 126 و راجع: من أمالي الإمام الصادق ج 1 ص 100.
تغلفه أغشية تمنع من تأثير اللعاب في مكافحتها عادة .. كما أشرنا إليه من قبل ..
المساويك المختلفة:
هذا .. و نجد: أن الرضا (ع) يستاك في كل مرة بأكثر من مسواك واحد، و لعله لأجل أن يتلافى ما يمكن أن يعلق بكل واحد منها أثناء عملية السواك هذه، ثم يمضغ الكندر بعد سواكه ..
فقد ورد: أن الرضا (ع) كان إذا صلى الفجر جلس في مصلاه إلى ان تطلع الشمس. ثم يؤتى بخريطة فيها مساويك، فيستاك بها واحدا بعد واحد، ثم يؤتى بكندر فيمضغه الخ[1]. و لعل مضغه للكندر بهدف تطييب رائحة فمه، صلوات اللّه و سلامه عليه و على آبائه أجمعين ..
السواك:. و التلوثات الخارجية:
لقد ورد عن الصادق (ع): ان رسول اللّه6كان إذا صلى العشاء الآخرة أمر بوضوئه و سواكه، فيوضع عند رأسه مخمرا، فيرقد ما شاء اللّه، ثم يقوم، فيستاك إلخ[2].
كما .. و تقدم: أن الرضا (ع) كان و هو بخراسان إذا صلى الفجر جلس في مصلاه إلى أن تطلع الشمس، ثم يؤتى بخريطة فيها مساويك، فيستاك بها واحدا بعد واحد، ثم يؤتى بكندر إلخ ..
[1]- الوسائل ج 1 ص 360 و البحار ج 67 ص 137 و مكارم الأخلاق ص 50، و عن التهذيب ج 1 ص 163 و أولين دانشگاه ج 12 ص 132.
[2]- الكافي ج 3 ص 445 و الوسائل ج 1 ص 356 و أولين دانشگاه و آخرين پيامبر ج 2 ص 129.