بارگزاری ...
جستجو کنید
برای شروع جستجو، متن خود را وارد کنید.
صفحه 32

الطب في الصدر الأول الإسلامي:

لقد أشرنا فيما سبق إلى: أن الإسلام يعتبر الطب وظيفة شرعية، و أحد الواجبات التي لا مجال للتساهل فيها.

كما أن من يراجع كلام النبي6، و الائمة (ع)، و ما وصل إلينا من كلام لهم في الطب و العلاج، و هو ثروة كبيرة جدا، لا تتناسب مع ما لاحظناه من سير هذا العلم في القرن الأول الهجري و نصف الثاني- نعم ان المراجع لذلك- يخرج بحقيقة هامة، تتلخص في أنهم (ع) كانوا يحاولون بعث نهضة شاملة في هذا المجال، تتسم بالشمولية و العمق و الدقة، مستمدة ذلك من الواقعية الرائدة التي تعتمد عليها، و على هدى من المعاني الإنسانية النبيلة الّتي تتجه إليها.

و لكن الّذي يظهر: هو أن العرب لم يستطيعوا أن يكونوا في مستوى هذا الحدث الجديد، الّذي هو ظهور الإسلام ... و إنما كانت طموحاتهم و توجهاتهم منصبة على مجالات أخرى، تتناسب مع ما كانوا يعانونه من تأثرات و تغيرات نفسية و فكرية، و غيرهما، مما طرأ عليهم بعد ظهور الإسلام فيهم.

و لا نبعد كثيرا إذا قررنا هنا حقيقة: أنه قد كان ثمة أثر كبير للتوجهات الّتي كانت تفرضها عليهم طموحاتهم، الّتي ولدت في ظل ظروف موضوعية معينة متعددة بعد ظهور الإسلام ... و الّتي كانت تتجه اكثر إلى نزعة التسلط و القهر للامم الأخرى، و بسط النفوذ على أكبر قدر ممكن من البلاد ...

و قد ساعد على ذلك بشكل فعّال ... بعض سياسات الحكام الذين جاؤوا بعد الرسول6- باستثناء علي (ع)- الذين كانوا غير مستعدين للاستعانة بغير العرب إلّا بالمقدار الّذي يرفع ضرورتهم، من دون أي توجّه إلى‌


صفحه 33

حاجات أبناء شعبهم، أو حتى التفكير فيها ... هذا عدا عن أنهم شعوبا و حكاما لم تسطع نفوسهم و عقلياتهم أن ترقى إلى مستوى الحدث الّذي قد كان بمثابة القفزة الواسعة الّتي عرضت على مجمل حياتهم و واقعهم بظهور الإسلام فيهم.

كل ذلك مع عدم توجههم لاهداف و تعاليم نبيهم و دينهم، و عدم اهتمامهم بالعمل على تطبيقها و تحقيقها.

نعم ... فبقيت علوم كثيرة، و منها علم الطب مهملة عندهم، ان لم تكن معدومة إلى مطلع الدولة العباسية، الّتي جاءت بعد انتهاء الحكم الأموي، الّذي ساهم في أشباع الرغبة في الحكم و التسلط، و بدأ الاتجاه إلى حياة الإستقرار و الرخاء، و مواجهة متطلبات الحضارة، الأمر الذي كان يفرض عليها الإستجابة لهذه المتطلبات و الحاجات، الّتي يصعب اهمالها أو تجاهلها.

فكان عصر النهضة العلمية، و بدأ العصر الذهبي ... و استطاع المسلمون في فترة و جيزة جدا أن يحققوا على صعيد العلم و المعرفة أعظم المنجزات الّتي يمكن أن تحققها أمة في فترة زمنية كهذه.

دور غير المسلمين في النهضة العلميّة:

و كان طبيعيا أن يكون ظهور علم الطب بقوة عند المسلمين في أجواء كهذه في مطلع الدولة العباسيّة، بمساعدة متخصصين من الأمم الأخرى، و لا سيما اولئك الذين انتهت إليهم المعارف الطبيّة إلى تلك الفترة من الزمن، و هم أهل جند يشابور.

و ترجم هؤلاء و غيرهم الكثير من الكتب الطبيّة، و مارسوا الطب في بلاط الخلفاء و غيرهم من الأعيان، و حصلوا على الأموال بأرقامها الخيالية.


صفحه 34

و لا غرو أن نجد الحكام و الخلفاء يهتمون في أن يكون أطباؤهم من هؤلاء الذين هم من غير المسلمين، بل من اليهود، و النصارى، و المجوس، حتى لقد كان للمتوكل (56) طبيبا كلهم من النّصارى‌[1]... فانهم ما كانوا يطمئنّون إلّا إليهم، و لا يعتمدون في تنفيذ مآربهم السياسية- كتصفية خصومهم‌[2]- إلّا عليهم.

رغم وجود النطاسيين في هذا الفن من المسلمين، و الّذي كان لهم فيه اليد الطولى، ابداعا و اختراعا، و شمولية و عمقا، مثل: أحمد بن أبي الأشعث، و علي بن عيسى الكحال، و أحمد بن محمد الطبري، و إبن الصوري، و غيرهم ممن يعد بالعشرات، و المئات.

و قد كان علماء المسلمين يلومون الخلفاء و الوزراء في تعظيمهم النّصارى للتطبب‌[3].

نعم ... لقد استعان المسلمون بغيرهم في عالم الطب ... و لكنهم لم تمض عليهم مدة وجيزة حتى حققوا فيه أعظم المنجزات، الّتي يمكن أن يحققها إنسان في فترة و ظروف كتلك الّتي مرت على المسلمين آنذاك ...

[1]- تاريخ التمدن الإسلامي، المجلد الثاني ص 200 عن طبقات الأطباء ج 2 ص 140.

[2]- فقد كان إبن أثال النصراني، طبيب معاوية هو الاداة التي يستخدمها معاوية في تصفية خصومه السياسيين،( عيون الأنباء ص 171/ 172، و التراتيب الإدارية ج 1 ص 461 و نسب قريش لمصعب الزبيري ص 327 و غيره)، كما أن المعتصم قد تخلص من المأمون على يد يوحنّا بن ماسويه النصراني( عيون الانباء ص 254) و أبو الحكم النصراني الدمشقي كان يعتمد عليه معاوية في تركيب الادوية لأغراض قصدها منه( عيون الانباء ص 175 و التراتيب الإدارية ج 1 ص 461) و غير ذلك كثير، لا مجال لتتبعه.

[3]- البحار ج 81 ص 209 عن الدعوات للراوندي.


صفحه 35

حتى لقد أرسوا القواعد و الأسس الصحيحة و السليمة لقيام النهضة الطبيّة في هذا القرن الرابع عشر الهجري ... و على تلك القواعد، و هاتيك الأسس و المنجزات العظيمة اعتمدت أوروبا و غيرها في نهضتها الطبيّة الحاضرة، كما هو معلوم.

هذا ... و نحن نشير هنا إلى مجمل بسيط عن الحركة العلمية الطبية الإسلامية، و ما يرتبط بذلك، مع مراعاة الاختصار الشديد، حسبما يقتضيه المقام ... فنقول:

الطب في القرن الأول الهجري:

قد أشرنا فيما سبق إلى أنه قد كان في زمن النبي6بعض المعاريف من الأطباء آنئذ، و إلى بعض معارفهم، و نزيد هنا:

أن قوما من الأنصار قالوا: يا رسول اللّه. ان لنا جارا يشتكي بطنه، أفتأذن لنا أن نداويه؟ قال6: بماذا تداوونه؟ قالوا: يهودي هاهنا يعالج من هذه العلة، قال: بماذا؟ قالوا: بشق بطنه، فيستخرج منه شيئا، فكره ذلك رسول اللّه6و لم يجبهم فعاودوه. مرتين أو ثلاثا، فقال: افعلوا ما شئتم، فدعوا اليهودي فشق بطنه، و نزع منه رجراجا كثيرا، ثم غسل بطنه، ثم خاطه وداواه فصح ... و أخبروا النبي بذلك، فقال: ان الذي خلق الادواء جعل لها الدواء ... الخ‌[1].

و عن إبن سنان عن أبي عبد اللّه (ع) قال: سألته عن الرجل ينفصم سنه:

أيصلح له أن يشدها بذهب؟ و ان سقطت، أيصلح أن يجعل مكانها سنّ شاة؟

[1]- البحار ج 62 ص 73، و طب الإمام الصادق( ع) ص 16 كلاهما عن دعائم الإسلام.


صفحه 36

قال: نعم، ان شاء، ليشدها بعد أن تكون ذكيّة ... و عن الحلبي، عنه (ع) مثله‌[1]. و عن زرارة، عن أبي عبد اللّه (ع)، قال: سأله أبي و أنا حاضر، عن الرجل يسقط سنه، فيأخذ من أسنان ميت فيجعله مكانه، قال: لا بأس‌[2].

و عن عبد اللّه بن عبد اللّه بن أبي: انه اصيبت سنته يوم أحد، فأمره رسول اللّه6أن يتخذ ثنية من ذهب‌[3].

و حكم إبن حيان، على هذا الحديث بأنه مكذوب، و قال: «و كيف يأمر المصطفى باتخاذ الثنية من ذهب، و قد قال: ان الذهب و الحرير محرمان على ذكور أمتي و حل لاناثهم الخ»[4].

و نقول: لقد غلط إبن حيان هنا؛ فان الذهب و الحرير، إنما يحرمان لو كان لأجل التزين بهما، لا لأجل ضرورة العلاج كما هو ظاهر.

و قد تقدم حين الكلام على الطب الجاهلي: أنه6قد أمر الضحاك الّذي تقدم الاختلاف في إسمه بأن يتخذ أنفا من ذهب ... و تقدم: أن الحارث بن كلدة- و قد اختلف في اسلامه- قد ألف كتابا في الطب.

و فيما عدا ذلك، فاننا لا نجد في القرن الأول الهجري، بل ... و حتّى مطلع الدولة العباسية أي نشاط طبي عند المسلمين- إلّا ما يذكر عن النبي6، و الأئمة المعصومين (ع)- و إلّا أسماء بعض أطباء عاشوا في الجاهلية، و صدر الإسلام مثل: إبن أبي رمثة، و الحارث بن كلدة، و النضر ابن الحارث، و غيرهم ممن قدمنا و يذكر أيضا: أنه لما ضرب أمير المؤمنين‌

[1]- البحار ج 66 ص 51/ 52 عن مكارم الأخلاق ص 109.

[2]- المحاسن للبرقي 644 و البحار ج 66 ص 50 و 540 عنه و عن مكارم الأخلاق ص 109.

[3]- المجروحون ج 1 ص 99، و لسان الميزان ج 1 ص 21/ 22 و ميزان الاعتدال ج 1 ص 7.

[4]- المجروحون ج 1 ص 99.


صفحه 37

علي (ع) جمع له الأطباء، و كان أبصرهم بالطب إبن عمريا، أثير بن عمرو السكوني. و كان صاحب كرسي يتطبب‌[1]كما ان الّذي جي‌ء به لعلاج عمر حينما طعن كان من الأنصار من بني معاوية[2].

أما في عهد بني أمية، فنجد أن الحكام كانوا يعتمدون على بعض الأطباء من أهل الملل الأخرى، كإبن اثال النّصراني، و أبي الحكم النّصراني، و ثياذوق، و إبن أبجر المسيحي‌[3]طبيب عمر بن عبد العزيز، و ان كان البعض يحاول أن يدعي: أن خالد بن يزيد كان ماهرا في الطب أيضا[4]، و لكن ذلك لا يمكن الإعتماد عليه، نعم يمكن أن يكون قد شجع على ترجمة بعض الكتب الطبيّة كما سيأتي و إذا كان حقا له بصر بهذا العلم فانه و لا شك لم يتعد المجال النظري، فلم يمارسه في يوم من الأيام. و المشتهر عنه هو ميله إلى صناعة الكيمياء، أما اتقانه لعلم الطب فلم نجده إلّا عند إبن خلكان.

و نجد أيضا في جملة من يعد ممن له معرفة بالطب، بعض النساء اللواتي عشن في زمنه6، مثل: رفيدة، الّتي كان لها خيمة في مسجد الرسول لمداواة المرضى و الجرحى، و إمرأة من عذرة، و ليلى الغفّارية، و أم سليم و أم عطيّة، و ربيع بنت معوذ، و غيرهن ... ممن سنذكرهن مع المصادر في الفصل الخامس من القسم الثاني من هذا الكتاب، حين الكلام على معالجة و تمريض المرأة للرجل ... فإلى هناك.

[1]- معجم البلدان ج 1 ص 93 و الجوهرة في نسب علي بن أبي طالب و آله للتلمساني البري ص 115/ 116 و تيسير المطالب ص 79.

[2]- تاريخ عمر لإبن الجوزي ص 245.

[3]- راجع بعض الهوامش المتقدمة عن قريب، حول دور هؤلاء الأطباء في الاغتيالات الّتي كان ينفذها الحكام على أيديهم ضد خصومهم السياسيين.

[4]- وفيات الأعيان ج 1 ص 168 و التراتيب الإدارية ج 2 ص 263 عنه.


صفحه 38

و كانت أم جميلة تعالج من الكلف، و قد سألت عائشة عن ذلك، فأمرتها بالاستمرار على ذلك‌[1].

و في عهد بني أمية، كانت زينب الاودية تتطبب، و تعالج العين و الجراح‌[2]و أخيرا ... فاننا لا نجد في تتبع الحركة الطبيّة في هذه الفترة كبيرة فائدة، لانها كانت ضعيفة جدا، بل تكاد تكون معدومة.

استدراك: و يذكر في الأطباء في القرن الاول: مرة بن شراحيل الطبيب كما عند البلاذري في أنساب الاشراف ج 2 ص 357، كما أن رواية إبن سنان الانفة تدخل في نشاط القرن الثاني، أما رواية زرارة فيحتمل فيها ذلك.

الطب في كلمات المعصومين:

نعم ... لا بد من التوفر الكامل على دراسة الثروة الطبيّة الهائلة، الّتي أتحفنا بها النّبي6، و أهل بيته الكرام (ع) حيث انهم قد تكلموا في مختلف الشؤون الطبيّة بشكل واسع و شامل، حتى في فترة الركود الفكري و العلمي في زمن الأمويين و غيرهم، حسبما تقدمت الإشارة إليه.

و هذا ما يحتم التوفر التام على دراسة تلك الثروة، لاستخلاص الكنوز الرائعة، و الحقائق الجليلة، الّتي تضمنتها كلماتهم، و حوتها تعاليمهم الفذة.

و اننا لعلى يقين من أنه لو أوليت هذه النصوص ما تستحقه من عناية و اهتمام لامكن الخروج بنتائج يمكن أن تكون على درجة كبيرة من الأهمية حتّى‌

[1]- كنز العمال ج 10 ص 45 و التراتيب الإدارية ج 1 ص 463 كلاهما عن إبن جرير.

[2]- عيون الأنباء ص 181، و المفصل في تاريخ العرب قبل الإسلام ج 8 ص 387 و تاريخ التمدن الإسلامي، المجلد الثاني ص 201


صفحه 39

بالنسبة للحياة الطبيّة الحاضرة.

هذا ... و لا يسعنا هنا إلّا أن نعبر عن أسفنا العميق، لاننا رأينا: أن المسلمين الذين عاصروا النبي6، و الائمة (ع) ... لا يهتمون- حتى شيعتهم- إلّا ببعض العلوم الدينية، الّتي كرسوا لها كل أوقاتهم و جهودهم و اهتماماتهم، و أهملوا ما عداها ... حتى اننا لنجد الأئمة (ع) يحاولون توجيههم نحو البحث عن العلل و الاسباب، فنجد الإمام الباقر (ع) يأمر أصحابه إذا أفتاهم بفتوى: أن يسألوه عن مخرج الفتوى و مأخذها من القرآن الكريم ... و لكن الملاحظ: هو أن ذلك التوجيه و التحريض لم يكن له الاثر المرجو و المطلوب، حيث نجد: أنهم- مع ذلك- كانوا يكتفون منه بالجواب عن المسألة فقط!!.

و لعل عدم اهتمامهم هذا يفسر لنا ما نلاحظه من عدم وجود سند صحيح- غالبا- للروايات الواردة في الطب، و المأكولات، و الادوية و نحوها، و لا اهتم أرباب الجرح و التعديل بنقد أسانيدها و تصحيحها.

و على كل حال ... فأما بالنسبة إلى الطب فيما بعد القرن الأول الهجري فلا بد من إيجاز القول فيه على النحو التالي:

المسلمون ... و الطب:

و يحاول كثيرون، و لاهداف لا تخفى!! أن يعطوا المنجزات الطبيّة، و كل تقدم علمي صفة قومية بالدرجة الأولى، فهذا يركز:

اليونان ...

و هذا على المصريين ...

و ذاك على الفرس ....