بارگزاری ...
جستجو کنید
برای شروع جستجو، متن خود را وارد کنید.
صفحه 39

بالنسبة للحياة الطبيّة الحاضرة.

هذا ... و لا يسعنا هنا إلّا أن نعبر عن أسفنا العميق، لاننا رأينا: أن المسلمين الذين عاصروا النبي6، و الائمة (ع) ... لا يهتمون- حتى شيعتهم- إلّا ببعض العلوم الدينية، الّتي كرسوا لها كل أوقاتهم و جهودهم و اهتماماتهم، و أهملوا ما عداها ... حتى اننا لنجد الأئمة (ع) يحاولون توجيههم نحو البحث عن العلل و الاسباب، فنجد الإمام الباقر (ع) يأمر أصحابه إذا أفتاهم بفتوى: أن يسألوه عن مخرج الفتوى و مأخذها من القرآن الكريم ... و لكن الملاحظ: هو أن ذلك التوجيه و التحريض لم يكن له الاثر المرجو و المطلوب، حيث نجد: أنهم- مع ذلك- كانوا يكتفون منه بالجواب عن المسألة فقط!!.

و لعل عدم اهتمامهم هذا يفسر لنا ما نلاحظه من عدم وجود سند صحيح- غالبا- للروايات الواردة في الطب، و المأكولات، و الادوية و نحوها، و لا اهتم أرباب الجرح و التعديل بنقد أسانيدها و تصحيحها.

و على كل حال ... فأما بالنسبة إلى الطب فيما بعد القرن الأول الهجري فلا بد من إيجاز القول فيه على النحو التالي:

المسلمون ... و الطب:

و يحاول كثيرون، و لاهداف لا تخفى!! أن يعطوا المنجزات الطبيّة، و كل تقدم علمي صفة قومية بالدرجة الأولى، فهذا يركز:

اليونان ...

و هذا على المصريين ...

و ذاك على الفرس ....


صفحه 40

و ذاك على العرب ...

و هكذا ...

و نقول لكل هؤلاء: لماذا لم تستطع تلك الأمم في كل تاريخها الطّويل الّذي يعد بألوف السنين، الّذي عاشته قبل ظهور الإسلام أن تحقق تقدما يوازي أو حتّى يدانى التقدم الذي حققته في هذه الفترة الوجيزة الّتي عاشتها في ظل الإسلام؟!

بل ان كل منجزاتها بدون الإسلام ليس شيئا يستحق الذكر إذا ما قورنت بمنجزاتها في هذه الفترة المحدودة.

مع أن تلك الأمم قد كانت تمتلك- قبل الإسلام- الدولة القوية، و الموارد المادية الضخمة، و المعنويات العالية، و الطموحات البعيدة، حسبما يدعون، أو حسبما يريدون الإيحاء به للبسطاء و السذج من النّاس.

و هكذا ... فانه يجب أن يعزي ما حققه المسلمون على اختلاف أجناسهم إلى الإسلام نفسه، و اعتباره العامل الرئيسي في تفجير الطاقات، و تحقيق الطموحات.

بل اننا نجد الآخرين الذين لم يعتنقوا الإسلام، رغم أنهم كانوا المعلمين الأول للمسلمين في علم الطب، و هم أهل جنديشابور و غيرهم من أتباع الأديان المختلفة، قد بدأ يتقلص ظلهم، و يأفل نجمهم، كلما زاد تألق شمس المعارف الطبيّة في العالم الإسلامي‌[1]و الذي كان يتم بسرعة مذهلة.

[1]- و لا يختص ذلك في علم الطب، بل ينسحب على غيره من مختلف العلوم و المعارف كما يظهر لكل باحث، فراجع.


صفحه 41

نعم ... لقد تقلص ظلهم، و أفل نجمهم، مع أنه قد كان لخلفاء المسلمين و حكامهم عناية فائقة بهم، و اهتماما لا نظير له بشؤونهم.

و حسبنا ما ذكرناه هنا، و لننقل الكلام إلى عصر النهضة العلميّة لدى المسلمين ... و الّذي يستدعي منا الحديث في نقاط عديدة، منها:

1- حركة الترجمة في العلوم الطبيّة و غيرها.

2- حركة التأليف، و ازدهار الطب عند المسلمين.

3- بعض المنجزات العلميّة للمسلمين، و أثر المسلمين في النهضة الطبيّة الحديثة.

4- أثر المسلمين في الصيدلة.

5- إشارة إلى بعض الخدمات الطبيّة، كبناء المستشفيات و نحوها.

إلى غير ذلك من الأمور الّتي يقتضيها البحث: و الّتي ربما لا يمكن تجاهلها فإلى المطالب التالية:

حركة الترجمة:

لقد بدأت الترجمة في الحقيقة في القرن الأول الهجري، و لكن بشكل محدود جدا، و نشطت في مطلع الدولة العباسية (الّتي اسست سنة 132 ه) و انتعشت أكثر في زمن هارون، الّذي توفي سنة 193 ه. و بلغت ذروتها في زمن المأمون المتوفي سنة 218 ه.

و بنشاط حركة التأليف و الإبداع لدى المسلمين ... بدأت حركة الترجمة بالتراجع، فلم يعد لها في أواسط القرن الثالث فما بعده رونق يميزها عن غيرها من النشاطات، ان لم نقل: انها لم يعد لها رونق أصلا ... بل يرى البعض: أن أكثر الترجمات قد كانت ما بين أواسط النصف الأول من القرن‌


صفحه 42

الثاني، و حتى النصف الأول من القرن الثالث‌[1].

و على كل حال ... فقد كان غير المسلمين هم الذين يقومون بأمر الترجمة بصورة عامة، سواء في ذلك النّصارى، أو اليهود، أو غيرهم ...

فهم رواد هذه الحركة، و عليهم كان الإعتماد فيها ... و لكننا لا يجب أن ننسى هنا دور النوبختيين في الترجمة، و هم من الفرس، المسلمين الشيعة، فانهم قد أسدوا خدمات جلّى في هذا السبيل.

و يقول گوستاف لوبون: ان أول كتاب طبي ترجم إلى العربية قد ترجمه هارون سنة 685 م‌[2]... و نحن نعتقد: أنه قد غلط في ذلك، ف:

أولا: ان الكتاب هو كناش «أي مجموعة فيها قواعد و فوائد طبية» من مؤلفات (اهرن)، و قد ترجمه ماسر جويه، اما في زمن عمر بن عبد العزيز، أو أنه ترجمه في زمن مروان بن الحكم، و بقي في خزائن الكتب حتّى أخرجه إبن عبد العزيز إلى الناس‌[3].

و ثانيا: إننا نجدهم يقولون: ان إبن أثال طبيب معاوية- الذي قتل في زمنه- قد سبق إلى ترجمة كتاب في الأدوية المفردة من اليونانية إلى العربية[4]... و بمثل ذلك يرد على من زعم أن خالد بن يزيد كان أول من‌

[1]- تاريخ طب در إيران ج 2 ص 194.

[2]- تمدن إسلام و عرب ص 609.

[3]- عيون الأنباء ص 232 عن إبن جلجل، و تاريخ الحكماء ص 324/ 325 و تاريخ طب در إيران ج 2 ص 194 و راجع ص 215، و تاريخ الأطباء و الحكماء لإبن جلجل ص 133 الترجمة الفارسية و هوامشه، و التراتيب الإدارية ج 2 ص 269/ 270 عن تاريخ آداب اللغة العربية ج 1 ص 233.

[4]- تاريخ طب در إيران ج 2 ص 141.


صفحه 43

ترجم كتب النجوم و الطب ... الخ‌[1]، و يقول وجدي: أن إبن وحشية قد ترجم عن الكلدان كتابا في السموم و ذلك في سنة 170 م‌[2].

و هو غلط أيضا، فان إبن وحشية قد عاش في أواخر القرن الثالث، و في مطلع القرن الرابع الهجري‌[3]، و مما ذكرنا نعرف عدم صحة قولهم: ان جورجس هو أول من ابتدأ في نقل الكتب الطبيّة إلى العربية عند ما استدعاه المنصور[4].

و على كل حال ... فانهم يقولون: ان الخليفة العباسي هارون قد أرسل إلى روما من جلب له الكتب الخطيّة الطبيّة ... كما أنه هو نفسه قد جلب معه مخطوطات من أنقرة، و عمورية و غيرها من بلاد الروم، و طلب من يوحنا بن ماسويه، أن يترجمها من اليونانية إلى العربية[5].

أما في زمن المأمون فقد بلغ هذا الأمر ذروته، حتى ليذكرون، أنه كان يعطي وزن ما يترجم له ذهبا[6]، بل لقد ذكر وجدي: أن المأمون قد جعل بعض شروط الصلح مع اليونانيين اعطاءه نسخة من كتاب نادر الوجود[7].

[1]- البيان و التبيين ج 1 ص 328، و شرح نهج البلاغة ج 15 ص 258، و التراتيب الإدارية ج 2 ص 268/ 269 عنهما و عن أوائل السيوطي أنه أول من ترجمت له كتب الطب راجع محاضرة الأوائل ص 71، و الأوائل للعسكري ج 2 ص 145.

[2]- دائرة معارف القرن العشرين ج 5 ص 665.

[3]- تاريخ طب در إيران ج 2 ص 294.

[4]- عيون الأنباء ص 279.

[5]- تاريخ الحكماء للقفطي ص 380، و عيون الأنباء ص 246، و تاريخ طب در إيران ج 2 ص 207/ 208.

[6]- عيون الأنباء ص 260، و تاريخ طب در إيران ج 2 ص 242.

[7]- دائرة معارف القرن العشرين ج 5 ص 665.


صفحه 44

كما أنه قد أرسل جماعة إلى بلاد الروم ليأتوه بالمخطوطات‌[1]. و أسس دار الحكمة المشهورة، و كان فيها قسم للترجمة .. و بعضهم ينسب دار الحكمة للرشيد، لكن من المؤكد أنها قد بلغت أوج عظمتها في عهد المأمون‌[2]...

كما أن الاهتمام بجمع المخطوطات لم يكن مقصورا على الخلفاء، بل كان غيرهم من الأعيان يهتم بذلك أيضا[3]...

و قد نقلوا إلى العربية كتب جالينوس و ابقراط و غيرهما ... و من المعروفين بالنقل: حنين بن اسحاق، و حبيش الأعسم‌[4]و أصطفان بن بسيل، و ثابت بن قرة، و اسحاق بن سليمان، و إبن البطريق، و منكه الهندي، و قسطا بن لوقا البعلبكي، و إبن دهن، و غيرهم كثير، فراجع الباب التاسع من عيون الأنباء للاطلاع على أسماء الكثيرين منهم ...

المشتغلون بالطب في عصر الترجمة:

أما الذين كانوا يمارسون الطب في عصر الترجمة، فقد كان أكثرهم من‌

[1]- الفهرست لإبن النديم ص 353، و عيون الأنباء ص 260، و تاريخ طب در إيران ج 2 ص 208 و تاريخ التمدن الإسلامي المجلد الثاني ص 157.

[2]- تاريخ طب در إيران ج 2 ص 302، و غيره.

[3]- تاريخ التمدن الإسلامي المجلد الثاني ص 157، و تاريخ طب در إيران ج 2 ص 242/ 207 و الفهرست لإبن النديم ص 353/ 354.

[4]- و لعل بعض ما ترجمه حبيش، قد نسب إلى حنين، بسبب اشتباه الاسمين حين القراءة بسبب عدم نقط الكلمات في السابق، حتى قيل: من جملة سعادة حنين صحبة حبيش له فان أكثر ما نقله حبيش نسب إلى حنين. راجع: تاريخ مختصر الدول لإبن العبري ص 145/ 146 و تاريخ التمدن الإسلامي المجلد الثاني ص 160.


صفحه 45

غير المسلمين ... و أكثرهم من نفس أولئك الّذين كانوا يهتمون بالترجمة إلى اللغة العربية ...

و قد اشتهر في ذلك العصر من هؤلاء آل بختيشوع، ابتداء من جرجيس الذي استقدمه المنصور من جنديشابور، ثم ولده بختيشوع، الذي استقدمه الرشيد[1]، و جعله كبير و رئيس الأطباء، ثم إبنه جبرائيل، ثم إبنه بختيشوع، الّذي غضب عليه الواثق فاعاده إلى جنديشابور و صادر كل ما يملك، ثم عاد فطلبه منها، فوصلها بعد موت الواثق ... فاحتفى به المتوكّل، ثم يأتي عبيد اللّه بن بختيشوع.

و هناك من مشاهير أطبائهم: يوحنّا بن ماسويه، الّذي عينه المأمون رئيسا لبيت الحكمة سنة 215، و قسطا بن لوقا البعلبكي، و ثابت بن قرة، و سعيد بن يعقوب، و غيرهم كثيرون ...

بين الشهرة ... و الواقع:

لقد اشتهر الجنديشابوريون في بادى‌ء الأمر بصناعة الطب، بشكل ليس له مثيل، و كان لتأييد الحكام لهم نصيب وافر من هذه الشهرة التي حصلت لهم، و في مقام التدليل على مدى هيمنة غير المسلمين في مجال الطب، و انبهار الناس بهم و تبعيتهم لهم، و لا سيما الجنديشابوريين منهم نذكر القصة الّتي رواها أو صنعها الجاحظ المتوفي سنة 255 ه.

و هي على النحو التّالي:

يقول الجاحظ:

[1]- و قيل استقدمه المهدي لمعالجة ولده الهادي، ثم عاد إلى بلده؛ فاستقدمه هارون راجع: مجلة الهادي سنة 2 عدد 2 ص 52.


صفحه 46

كان أسد بن جاني‌[1]رجلا طبيبا، و في فترة ما توقف عمله، و كسدت سوقه، فقال له أحد الأشخاص: الأوبئة كثيرة في هذه السنة، و قد انتشرت الأمراض كثيرا بين الناس، و أنت رجل عالم، و لك صبر و أناة، كما و أنك خدوم للناس، صاحب لسان، و عارف بأحوال الناس ... و مع كل هذا فما هو السر في كساد سوقك؟!

فأجاب: أولا: إنني مسلم، و الناس قبل أن أكون طبيبا، بل و قبل أن أخلق، يعتقدون: أن المسلم لا يكون طبيبا ناجحا ...

و ثانيا: أن إسمي (أسد) في حين يجب أن يكون أسمي صليبا، أو مرابل، أو يوحنّا، أو بيرا ... و كنيتي: أبو الحارث. في حين أنها يجب أن تكون: أبا عيسى، أو أبو زكريا، أو أبو إبراهيم ... و أرتدي عباءة من الكتان الأبيض‌[2]. في حين أنه كان يجب أن ألبس عباءة من الحرير الأسود[3]نعم .. هكذا أصبح الناس يعتقدون في غير المسلمين، و بالاخص‌

[1]- لا نعرف عن هذا الرجل إلّا ما ذكره عنه الجاحظ، و لا ندري انه كان شخصية حقيقية أو مخترعة للجاحظ ليعبر عن مفهوم معين بهذا الاسلوب الطريف.

[2]- قال في عيون الأنباء ص 654:« لما فتح الملك الناصر صلاح الدين يوسف بن أيوب الكرك أتى إلى دمشق موفق الدين يعقوب بن سقلاب النّصراني، و هو شاب على رأسه كوفية، و تخفيفة صغيرة و هو لابس جوخة ملوطة زرقاء، زي أطباء الفرنج، و قصد الحكيم موفق الدين بن المطران و صار يخدمه و يتردد إليه لعله ينفعه؛ فقال له: هذا الزي الذي أنت عليه ما يمشي لك به حال في الطب في هذه الدولة بين المسلمين؛ و إنما المصلحة أن تغير زيك، و تلبس عادة الأطباء في بلادنا، ثم أخرج له جبة واسعة عنابية و بقيارا مكملا، و أمره أن يلبسهما» انتهى ... و هذا يدل على تغيير الزي السابق المشار إليه في المتن.

[3]- البخلاء ص 121 ط. سنة 1960 و تاريخ طب در إيران ج 2 ص 204 و مجلة الهادي سنة 2- عدد 2 ص 62.