بارگزاری ...
جستجو کنید
برای شروع جستجو، متن خود را وارد کنید.
صفحه 41

نعم ... لقد تقلص ظلهم، و أفل نجمهم، مع أنه قد كان لخلفاء المسلمين و حكامهم عناية فائقة بهم، و اهتماما لا نظير له بشؤونهم.

و حسبنا ما ذكرناه هنا، و لننقل الكلام إلى عصر النهضة العلميّة لدى المسلمين ... و الّذي يستدعي منا الحديث في نقاط عديدة، منها:

1- حركة الترجمة في العلوم الطبيّة و غيرها.

2- حركة التأليف، و ازدهار الطب عند المسلمين.

3- بعض المنجزات العلميّة للمسلمين، و أثر المسلمين في النهضة الطبيّة الحديثة.

4- أثر المسلمين في الصيدلة.

5- إشارة إلى بعض الخدمات الطبيّة، كبناء المستشفيات و نحوها.

إلى غير ذلك من الأمور الّتي يقتضيها البحث: و الّتي ربما لا يمكن تجاهلها فإلى المطالب التالية:

حركة الترجمة:

لقد بدأت الترجمة في الحقيقة في القرن الأول الهجري، و لكن بشكل محدود جدا، و نشطت في مطلع الدولة العباسية (الّتي اسست سنة 132 ه) و انتعشت أكثر في زمن هارون، الّذي توفي سنة 193 ه. و بلغت ذروتها في زمن المأمون المتوفي سنة 218 ه.

و بنشاط حركة التأليف و الإبداع لدى المسلمين ... بدأت حركة الترجمة بالتراجع، فلم يعد لها في أواسط القرن الثالث فما بعده رونق يميزها عن غيرها من النشاطات، ان لم نقل: انها لم يعد لها رونق أصلا ... بل يرى البعض: أن أكثر الترجمات قد كانت ما بين أواسط النصف الأول من القرن‌


صفحه 42

الثاني، و حتى النصف الأول من القرن الثالث‌[1].

و على كل حال ... فقد كان غير المسلمين هم الذين يقومون بأمر الترجمة بصورة عامة، سواء في ذلك النّصارى، أو اليهود، أو غيرهم ...

فهم رواد هذه الحركة، و عليهم كان الإعتماد فيها ... و لكننا لا يجب أن ننسى هنا دور النوبختيين في الترجمة، و هم من الفرس، المسلمين الشيعة، فانهم قد أسدوا خدمات جلّى في هذا السبيل.

و يقول گوستاف لوبون: ان أول كتاب طبي ترجم إلى العربية قد ترجمه هارون سنة 685 م‌[2]... و نحن نعتقد: أنه قد غلط في ذلك، ف:

أولا: ان الكتاب هو كناش «أي مجموعة فيها قواعد و فوائد طبية» من مؤلفات (اهرن)، و قد ترجمه ماسر جويه، اما في زمن عمر بن عبد العزيز، أو أنه ترجمه في زمن مروان بن الحكم، و بقي في خزائن الكتب حتّى أخرجه إبن عبد العزيز إلى الناس‌[3].

و ثانيا: إننا نجدهم يقولون: ان إبن أثال طبيب معاوية- الذي قتل في زمنه- قد سبق إلى ترجمة كتاب في الأدوية المفردة من اليونانية إلى العربية[4]... و بمثل ذلك يرد على من زعم أن خالد بن يزيد كان أول من‌

[1]- تاريخ طب در إيران ج 2 ص 194.

[2]- تمدن إسلام و عرب ص 609.

[3]- عيون الأنباء ص 232 عن إبن جلجل، و تاريخ الحكماء ص 324/ 325 و تاريخ طب در إيران ج 2 ص 194 و راجع ص 215، و تاريخ الأطباء و الحكماء لإبن جلجل ص 133 الترجمة الفارسية و هوامشه، و التراتيب الإدارية ج 2 ص 269/ 270 عن تاريخ آداب اللغة العربية ج 1 ص 233.

[4]- تاريخ طب در إيران ج 2 ص 141.


صفحه 43

ترجم كتب النجوم و الطب ... الخ‌[1]، و يقول وجدي: أن إبن وحشية قد ترجم عن الكلدان كتابا في السموم و ذلك في سنة 170 م‌[2].

و هو غلط أيضا، فان إبن وحشية قد عاش في أواخر القرن الثالث، و في مطلع القرن الرابع الهجري‌[3]، و مما ذكرنا نعرف عدم صحة قولهم: ان جورجس هو أول من ابتدأ في نقل الكتب الطبيّة إلى العربية عند ما استدعاه المنصور[4].

و على كل حال ... فانهم يقولون: ان الخليفة العباسي هارون قد أرسل إلى روما من جلب له الكتب الخطيّة الطبيّة ... كما أنه هو نفسه قد جلب معه مخطوطات من أنقرة، و عمورية و غيرها من بلاد الروم، و طلب من يوحنا بن ماسويه، أن يترجمها من اليونانية إلى العربية[5].

أما في زمن المأمون فقد بلغ هذا الأمر ذروته، حتى ليذكرون، أنه كان يعطي وزن ما يترجم له ذهبا[6]، بل لقد ذكر وجدي: أن المأمون قد جعل بعض شروط الصلح مع اليونانيين اعطاءه نسخة من كتاب نادر الوجود[7].

[1]- البيان و التبيين ج 1 ص 328، و شرح نهج البلاغة ج 15 ص 258، و التراتيب الإدارية ج 2 ص 268/ 269 عنهما و عن أوائل السيوطي أنه أول من ترجمت له كتب الطب راجع محاضرة الأوائل ص 71، و الأوائل للعسكري ج 2 ص 145.

[2]- دائرة معارف القرن العشرين ج 5 ص 665.

[3]- تاريخ طب در إيران ج 2 ص 294.

[4]- عيون الأنباء ص 279.

[5]- تاريخ الحكماء للقفطي ص 380، و عيون الأنباء ص 246، و تاريخ طب در إيران ج 2 ص 207/ 208.

[6]- عيون الأنباء ص 260، و تاريخ طب در إيران ج 2 ص 242.

[7]- دائرة معارف القرن العشرين ج 5 ص 665.


صفحه 44

كما أنه قد أرسل جماعة إلى بلاد الروم ليأتوه بالمخطوطات‌[1]. و أسس دار الحكمة المشهورة، و كان فيها قسم للترجمة .. و بعضهم ينسب دار الحكمة للرشيد، لكن من المؤكد أنها قد بلغت أوج عظمتها في عهد المأمون‌[2]...

كما أن الاهتمام بجمع المخطوطات لم يكن مقصورا على الخلفاء، بل كان غيرهم من الأعيان يهتم بذلك أيضا[3]...

و قد نقلوا إلى العربية كتب جالينوس و ابقراط و غيرهما ... و من المعروفين بالنقل: حنين بن اسحاق، و حبيش الأعسم‌[4]و أصطفان بن بسيل، و ثابت بن قرة، و اسحاق بن سليمان، و إبن البطريق، و منكه الهندي، و قسطا بن لوقا البعلبكي، و إبن دهن، و غيرهم كثير، فراجع الباب التاسع من عيون الأنباء للاطلاع على أسماء الكثيرين منهم ...

المشتغلون بالطب في عصر الترجمة:

أما الذين كانوا يمارسون الطب في عصر الترجمة، فقد كان أكثرهم من‌

[1]- الفهرست لإبن النديم ص 353، و عيون الأنباء ص 260، و تاريخ طب در إيران ج 2 ص 208 و تاريخ التمدن الإسلامي المجلد الثاني ص 157.

[2]- تاريخ طب در إيران ج 2 ص 302، و غيره.

[3]- تاريخ التمدن الإسلامي المجلد الثاني ص 157، و تاريخ طب در إيران ج 2 ص 242/ 207 و الفهرست لإبن النديم ص 353/ 354.

[4]- و لعل بعض ما ترجمه حبيش، قد نسب إلى حنين، بسبب اشتباه الاسمين حين القراءة بسبب عدم نقط الكلمات في السابق، حتى قيل: من جملة سعادة حنين صحبة حبيش له فان أكثر ما نقله حبيش نسب إلى حنين. راجع: تاريخ مختصر الدول لإبن العبري ص 145/ 146 و تاريخ التمدن الإسلامي المجلد الثاني ص 160.


صفحه 45

غير المسلمين ... و أكثرهم من نفس أولئك الّذين كانوا يهتمون بالترجمة إلى اللغة العربية ...

و قد اشتهر في ذلك العصر من هؤلاء آل بختيشوع، ابتداء من جرجيس الذي استقدمه المنصور من جنديشابور، ثم ولده بختيشوع، الذي استقدمه الرشيد[1]، و جعله كبير و رئيس الأطباء، ثم إبنه جبرائيل، ثم إبنه بختيشوع، الّذي غضب عليه الواثق فاعاده إلى جنديشابور و صادر كل ما يملك، ثم عاد فطلبه منها، فوصلها بعد موت الواثق ... فاحتفى به المتوكّل، ثم يأتي عبيد اللّه بن بختيشوع.

و هناك من مشاهير أطبائهم: يوحنّا بن ماسويه، الّذي عينه المأمون رئيسا لبيت الحكمة سنة 215، و قسطا بن لوقا البعلبكي، و ثابت بن قرة، و سعيد بن يعقوب، و غيرهم كثيرون ...

بين الشهرة ... و الواقع:

لقد اشتهر الجنديشابوريون في بادى‌ء الأمر بصناعة الطب، بشكل ليس له مثيل، و كان لتأييد الحكام لهم نصيب وافر من هذه الشهرة التي حصلت لهم، و في مقام التدليل على مدى هيمنة غير المسلمين في مجال الطب، و انبهار الناس بهم و تبعيتهم لهم، و لا سيما الجنديشابوريين منهم نذكر القصة الّتي رواها أو صنعها الجاحظ المتوفي سنة 255 ه.

و هي على النحو التّالي:

يقول الجاحظ:

[1]- و قيل استقدمه المهدي لمعالجة ولده الهادي، ثم عاد إلى بلده؛ فاستقدمه هارون راجع: مجلة الهادي سنة 2 عدد 2 ص 52.


صفحه 46

كان أسد بن جاني‌[1]رجلا طبيبا، و في فترة ما توقف عمله، و كسدت سوقه، فقال له أحد الأشخاص: الأوبئة كثيرة في هذه السنة، و قد انتشرت الأمراض كثيرا بين الناس، و أنت رجل عالم، و لك صبر و أناة، كما و أنك خدوم للناس، صاحب لسان، و عارف بأحوال الناس ... و مع كل هذا فما هو السر في كساد سوقك؟!

فأجاب: أولا: إنني مسلم، و الناس قبل أن أكون طبيبا، بل و قبل أن أخلق، يعتقدون: أن المسلم لا يكون طبيبا ناجحا ...

و ثانيا: أن إسمي (أسد) في حين يجب أن يكون أسمي صليبا، أو مرابل، أو يوحنّا، أو بيرا ... و كنيتي: أبو الحارث. في حين أنها يجب أن تكون: أبا عيسى، أو أبو زكريا، أو أبو إبراهيم ... و أرتدي عباءة من الكتان الأبيض‌[2]. في حين أنه كان يجب أن ألبس عباءة من الحرير الأسود[3]نعم .. هكذا أصبح الناس يعتقدون في غير المسلمين، و بالاخص‌

[1]- لا نعرف عن هذا الرجل إلّا ما ذكره عنه الجاحظ، و لا ندري انه كان شخصية حقيقية أو مخترعة للجاحظ ليعبر عن مفهوم معين بهذا الاسلوب الطريف.

[2]- قال في عيون الأنباء ص 654:« لما فتح الملك الناصر صلاح الدين يوسف بن أيوب الكرك أتى إلى دمشق موفق الدين يعقوب بن سقلاب النّصراني، و هو شاب على رأسه كوفية، و تخفيفة صغيرة و هو لابس جوخة ملوطة زرقاء، زي أطباء الفرنج، و قصد الحكيم موفق الدين بن المطران و صار يخدمه و يتردد إليه لعله ينفعه؛ فقال له: هذا الزي الذي أنت عليه ما يمشي لك به حال في الطب في هذه الدولة بين المسلمين؛ و إنما المصلحة أن تغير زيك، و تلبس عادة الأطباء في بلادنا، ثم أخرج له جبة واسعة عنابية و بقيارا مكملا، و أمره أن يلبسهما» انتهى ... و هذا يدل على تغيير الزي السابق المشار إليه في المتن.

[3]- البخلاء ص 121 ط. سنة 1960 و تاريخ طب در إيران ج 2 ص 204 و مجلة الهادي سنة 2- عدد 2 ص 62.


صفحه 47

الجنديشابوريين منهم، كما أرادوا هم لانفسهم و أراد لهم الحكام المتسلطون.

و قد كان العلماء يلومون الخلفاء و الوزراء في تعظيمهم النّصارى للتطبب، كما قدّمنا ...

و لكننا لو راجعنا الوقائع التّاريخيّة، و أردنا ان نحكم عليها حكم المنصف و المتجرد عن كل هوى و تعصب، فاننا نجد:

أنه لم يكن لدى الأطباء غير المسلمين تلك البراعة الخارقة للعادة في صناعة الطب، و ان كان لهم الفضل في نقل تراث الأمم الاخرى إلى لغة الإسلام.

و كمثال على ذلك نذكر: أن سلمويه يعتبر يوحنّا بن ماسويه مثلا و هو أشهر طبيب في عهد المأمون من أجهل خلق اللّه بمقدار الداء و الدواء[1].

كما أن أبا قريش‌[2]قد كان عند المهدي: «نظير جرجس بن جبرائيل في المرتبة، بل أكبر منه حتى تقدمه في المرتبة، و توفي المهدي و استخلف هارون الرشيد، و توفي جرجس، و سار إبنه (أي بختيشوع) تبع أبي قريش في خدمة الرشيد»[3].

و لكن التّجليل و التّعظيم، و الصيت الواسع كان لبختيشوع، دون أبي‌

[1]- تاريخ الحكماء ص 385 و عيون الأنباء ص 237.

[2]- يقال: ان المهدي كناه بهذا إشارة إلى عظمته الّتي جعلته بمنزلة أب للعرب كلهم حين يكون أبا لقريش- راجع عيون الأنباء ص 216.

[3]- عيون الأنباء ص 216.


صفحه 48

قريش .. كما أننا نجد أن هذا الصيت العظيم للأطباء من غير المسلمين، قد أثر على التاريخ كما يظهر ذلك من ملاحظة الموسوعات، و كتب التراجم.

فانهم يهتمون جدا في ترجمة الأطباء غير المسلمين و يطنبون فيها كثيرا .. أما الطبيب المسلم الحاذق العظيم فان ترجمته لا تتجاوز الأسطر القليلة، إلّا إذا كان مثل الرازي، و إبن سينا الّلذين لا يمكن تجاهلهما ...

يكفي أن نذكر: أننا نلاحظ: انهم يترجمون الزهراوي الذي اعتمد عليه الاوروبيون في الطب الجراحي و غيره لم يترجم إلّا بثلاثة أسطر، و كذا بالنسبة لعلي بن العباس و قد أشرنا إلى ذلك فيما تقدم.

و قد بدا أن أهل جنديشابور كانوا مغرورين بأنفسهم جدا، و قد تجاوزوا الواقع في تصوراتهم لقدراتهم الحقيقية، حتى يقول القفطي:

«ان الجنديشابوريين كانوا يعتقدون أنهم أهل هذا العلم، و لا يخرجونه عنهم و عن أولادهم و جنسهم»[1]:

نعم ... و لكن نجم جنديشابور قد أفل، و اشعاعها قد خبا، بنبوغ مهرة الأطباء، افذاذ الفن و أساطينه من المسلمين- و ما أكثرهم ... و آخر من ورد اسمه كرئيس لمستشفى جنديشابور هو سابور بن سهل المتوفي سنة 255[2].

و آخر وقعة ورد فيها اسم جنديشابور هي ما بين سنة 262- 265 حيث‌

[1]- تاريخ الحكماء ص 174 و مجلة الهادي السنة 2 عدد 2 ص 62 في مقال للدكتور محمدي بعنوان: جامعة جنديشابور.

[2]- راجع: الفهرست لإبن النديم ص 413.