الذي لا يزال الكثيرون يهللون و يكبرون و يهتفون بإسمه على أنه هو مكتشف الدورة الدموية، و قد سبق بها غيره ...
المنجزات الطبيّة لابن سينا:
و عن إبن سينا و قانونه في الطب، نجدهم يقولون: «ان من حسنات هذا الكتاب: أنه يميز بين التهاب المنصف الصدري (الحيزوم) و بين ذات الجنب، و ينص كذلك على أن السحاق ينتقل بالعدوى، و أن عدوى الأمراض تسري بواسطة الماء و التراب»[1].
قال الأستاذ محمد الخليلي: «لقد امتاز الرئيس إبن سينا على أبقراط و أرسطو و جالينوس بدقته في مناقشة الحالات المرضية، و مهارته في فن التشخيص، و مبحث أسباب الأمراض.
فهو أول من وصف الإلتهاب السحائي، أي البرسام الحاد، و ميزه عن سائر الأمراض الحادة المصحوبة بالهذيان. و قد كان ذلك يشتبه على اليونانيين، و هو أول من أوضح أن التهاب البلورا «ذات الجنب»، و التهاب الرئة «ذات الرئة» قد تنتج عنهما أعراض سر سامية، و أن التهاب السحايا في تلك الحالات يعتبر نذيرا بالموت.
و هو أول من أجاد في شرح أمراض الجهاز التنفسي، و أتقن وصف الأمراض العصبية. و له الفضل في إبتكار كثير من طرق العلاج النفساني.
و هو أول من اختص بالقول: بأن الحصبة اكثر ما تكون عدواها في الربيع و الخريف، و أنها اكثر وقوعا في هذين الفصلين، و أن الاطفال اكثر اصابة بهما. و هو أول من وصف علاج البواسير بالشق.
[1]- موجز تاريخ الشرق الأدنى ص 194.
و هو أول من اكتشف اندعام عضلات العين، و أدخل من أنواع العقاقير الطبيّة في العلاج كثيرا لم يكن مستعملا من ذي قبل.
و هو أول من اكتشف الطفيلية أي الدودة الموجودة في الإنسان المسماة اليوم في اصطلاح الطب الحديث «انكلستوما» و قد ذكرها في فصل ديدان المعدة، من كتاب القانون. و قد اعاد اكتشافها «زوييني» الإيطالي في القرن التاسع عشر (أي القرن الثالث عشر الهجري)، أي بعد اكتشاف إبن سينا بتسع قرون، و قد أخذ جميع مؤلفي الغرب بهذا الرأي في مؤلفاتهم الحديثة سيما في مؤسسة (روكفلر) معترفين لإبن سينا بالفضل في سبقه.
و هو أول من اكتشف الآلة المسماة اليوم (الوارنية) و هي الآلة المستعملة لقياس الأطوال بالدقة المتناهية.
و هو أول من شرح قلب الجنين، و قسمه إلى الأقسام المعروفة عندنا اليوم، و وصف الثقب الموجود في الجدار الفاصل بين الاذنين، و قال: ان هذا الثقب يسد حالا عندما يتنفس المولود لاول مرة، و بذلك تبتدىء الدورة الدموية الرئوية ...»[1].
و ما قاله إبن سينا في تشريح العين، و وصف عضلات الحدقة مطابق تماما لما توصل إليه الطب في هذه الأيام، كما أنه قد أدرك أهمية عصب العين، و هو أول من تنبه لذلك فيما نعلم ..
كما أن ما ذكره إبن سينا عن مرض السل، و مرض آسم (و هو الربو) هو نفس ما توصل إليه أطباء اليوم[2].
[1]- معجم أدباء الأطباء ج 1 ص 117/ 218.
[2]- تاريخ طب در إيران ج 2 ص 589 و 592 و في ص 600- 605 يذكر بعض ما ذكره إبن سينا مما لا يزال معترفا به حتى الآن و أيدته التجارب الحديثة.
و يقول جرجي زيدان و كذلك هم يقولون: «أما ما أحدثوه من عند أنفسهم رأسا؛ فالاحاطة به من الأمور الشاقة الّتي يعسر تحقيقها، فنذكر ما ثبت عندنا حدوثه على سبيل المثال:
من ذلك: أنهم أحدثوا في الطّب آراء جديدة، تخالف آراء القدماء في تدبير الأمراض، و ان لم يصلنا إلّا خبر القليل منها، مثل نقلهم تدبير أكثر الأمراض الّتي كانت تعالج قديما بالادوية الحارة على اصطلاحهم إلى التدبير البارد كالفالج، و اللقوة، و الاسترخاء، و غيرها ... و العرب[1]اول من استخدم المرقد (البنج) في الطب ... و هم أول من استخدم الخلال ...
و قد وجد محققوا الافرنج أن العرب[2]أوّل من استخدم الكاويات على نحو استخدامها اليوم، و أنهم أول من وجه الفكر إلى شكل الاظافر في المصدورين، و وصفوا علاج اليرقان، و الهواء الأصفر. و استعملوا الأفيون بمقادير كبيرة لمعالجة الجنون. و وصفوا صب الماء البارد لقطع النزف، و عالجوا خلع الكتف بالطريقة المعروفة في الجراحة برد المقاومة الفجائي.
و وصفوا إبرة الماء الأزرق، و هو قدح العين، و أشاروا إلى عملية تفتيت الحصاة»[3].
و يضيف گوستاف لوبون: أن المسلمين كانوا يقومون بعمليات جراحية لإخراج الماء من العين، و يقومون باخراج «جليدية» منها .. كما أن الزهراوي قد قدم شرحا وافيا عن عملية تفتيت الحصاة، و استعمال الماء البارد لقطع نزف
[1]- لم يكن العرب أهل ابداع و علم قبل الإسلام .. و الإسلام هو الّذي صنع منهم و من غيرهم المعجزات، و المسلمون هم اكتشفوا في مجال الطب و في غيره، و حققوا أعظم المنجزات ...
[2]- لم يكن العرب أهل ابداع و علم قبل الإسلام .. و الإسلام هو الّذي صنع منهم و من غيرهم المعجزات، و المسلمون هم اكتشفوا في مجال الطب و في غيره، و حققوا أعظم المنجزات ...
[3]- تاريخ التمدن الإسلامي، المجلد الثاني ص 202/ 203.
الدم، و استعمال المكويات و الفتائل للجراح، و الكي بالنار.
و كان المسلمون يعتمدون على قوانين الوقاية الصحية كثيرا و معرفتهم بها كانت كاملة، و يستفيدون من الطبيعة اكثر، و مسألة الحمية التي هي من التعاليم الأكيدة في الطّب الحديث كانت أصلا عندهم، و كانوا موفقين جدا في ممارساتهم الطبيّة بالقياس إلى هذا العصر، بل لم يكن الأطباء المسلمون في القرن العاشر الميلادي يقدمون من الضحايا بقدر ما يقدمه أطباء اليوم، و الأحكام القرآنية، كالوضوء، و الغسل، و التيمم، و تحريم المسكرات، و ترجيح الأغذية النباتية على اللحوم في المناطق الحارة كانت حكيمة و نافعة جدا في الوقاية. كما أن التعاليم الصحية الّتي جاءت عن نفس النّبي6قد كانت في غاية الدقة و المتانة، و لا يمكن الاعتراض عليها، و قد وردت على شكل كلمات قصار يسهل حفظها على كل أحد[1].
الصيدلة:
لقد نبغ المسلمون في الصيدلة، و اهتموا بالنباتات، و معرفة خواصها، و ممن نبغ منهم في علم النبات، إبن الصوري، و إبن البيطار، و إبن أبي أصيبعة، و غيرهم، و يقولون أيضا: أنهم هم الذين اخترعوا فن الصيدلة، و أنشأوا حدائق نظامية لدراسة علم النبات و الأعشاب في بغداد، و غيرها من المدن[2]. و قد أدخل المسلمون في المادة الطبيّة كثيرا من أنواع الأعشاب و المعادن، مما لم يكن معروفا لغيرهم[3].
و كان رشيد الدين إبن الصوري، المتوفي سنة 639، صاحب كتاب
[1]- راجع: تمدن إسلام و عرب ص 616 و 615 و 614 بتصرف.
[2]- مختصر تاريخ العرب ص 283، و راجع تاريخ التمدن الإسلامي المجلد الثاني.
[3]- دائرة معارف القرن العشرين ج 5 ص 666.
الأدوية المفردة الّذي استقصى فيه ذكر الأدوية المفردة، و ذكر فيه أدوية اطلع على معرفتها، و منافعها لم يذكرها المتقدمون[1]- كان رشيد هذا- يخرج لدرس الحشائش في منابتها، و يستصحب مصورا معه الأصباغ و الليق على اختلافها، و تنوعها، و يتوجه إلى المواضع الّتي بها النبات في جبل لبنان و غيره من المواضع؛ فيشاهد النبات و يحققه، و يريه المصور؛ فيعتبر لونه، و مقدار ورقه، و أغصانه و أصوله، و يصور بحسبها بالدقة.
ثم أنه سلك في تصوير النبات مسلكا مفيدا، و ذلك أنه كان يرى النبات للمصور في أبان نباته و طراوته فيصوره. ثم يريه إياه أيضا، وقت كماله و ظهور بزره، فيصوره تلو ذلك. ثم يريه إياه أيضا في وقت ذواه و يبسه، فيصوره، فيكون الدواء الواحد شاهده الناظر إليه في الكتاب و هو على أنحاء ما يمكن أن يراه في الأرض، فيكون تحقيقه له أتم، و معرفته له أبين[2]، قال زيدان:
و ذلك غاية ما يفعله الباحثون في هذا العلم اليوم[3].
و يقول إبن أبي أصيبعة: «و اطلع رشيد الدين إبن الصوري أيضا على كثير من خواص الأدوية المفردة، حتى تميز على كثير من أربابها، و أربى على سائر من حاولها، و اشتغل بها»[4].
و الظاهر أن إبن الصوري كان من الشيعة، لانه من أهل صور في جبل عامل، الذي كان شيعيا من قديم الأيام.
و على كل حال: .. فقد كان للمسلمين: فضل كبير في الصيدلة، و قد
[1]- عيون الأنباء ص 703.
[2]- عيون الأنباء ص 703، و راجع تاريخ التمدن الإسلامي، المجلد الثاني ص 205.
[3]- تاريخ التمدن الإسلامي، المجلد الثاني ص 205.
[4]- عيون الأنباء ص 700.
بذلوا الجهد في استجلاب العقاقير من الهند و غيرها، منذ أيام يحيى بن خالد البرمكي. و هم واضعوا أسس فن الصيدلة، و هم أول من اشتغل في تحضير الأدوية و العقاقير، فضلا عما استنبطوه من الأدوية الجديدة، و هم أول من ألّف الاقرباذين[1].
و كانوا يعتمدون أولا على اقرباذين سابور بن سهل المتوفي سنة 255 ه حتى ظهر أقرباذين أمين الدولة إبن التلميذ، المتوفي ببغداد سنة 560 ه[2].
و في حقل النبات لابد و أن نذكر هنا إبن البيطار الذي راح يقوم هو بذاته بدراسة النّبات في إسبانيا، و شمال أفريقيا، و مصر، و سورية، و آسيا الصغرى، و قد ذكر في كتابه 1400 نبتة، منها مئتان جديدة، لا عهد للناس بها من قبل[3].
و على كتاب إبن البيطار المالقي في النّبات، و الفريد في بابه كان معول أهل أوروبا في نهضتهم الحديثة، كما يقوله جرجي زيدان.
كما أنه يقول: أن أسماء العقاقير الّتي أخذها الافرنج عن العرب لا تزال عندهم باسمائها العربية، أو الفارسية، أو الهندية، كما أخذوها عن العربية[4].
بل: «ان أعظم العلماء و النباتيين في پولندا يعتمدون في مؤلفاتهم بشكل كامل على مؤلفات إبن سينا، مثل: شيمون لونج، عالم النبات الپولندي
[1]- عن طبقات الأطباء ج 1 ص 183.
[2]- عيون الأنباء ص 371، و تاريخ الحكماء ص 207، و الكلام قد كان هنا لجرجي زيدان في تاريخ التمدن الإسلامي المجلد الثاني ص 203.
[3]- موجز تاريخ الشرق الادنى ص 194/ 195.
[4]- تاريخ التمدن الإسلامي المجلد الثاني ص 203.
الكبير ... كما أن البروفسور آنانباچ زايا چوفسكي أستاذ جامعة وارشو، و رئيس اتحاد الشرق الأوسط في پولندا له تحقيقات قيمة حول كتب إبن سينا و خصوصا النباتات الطبيّة في كتاب القانون»[1].
كما أن گوستاف لوبون يقول: «الرقى الطبّي عند العرب كان في فن الجراحة، و علائم الأمراض، و أقرباذين الأدوية أكثر منه في غيره، و قد اكتشفوا الكثير من المعالجات الّتي لا تزال متداولة إلى اليوم، كما أن أكثر الأدوية الّتي ركبوها لا تزال مستعملة حتى اليوم، و كذا فان لهم اكتشافات في كيفية استعمال الأدوية، و بعضها يعد- غلطا- من المكتشفات الحديثة ...
الخ»[2].
و أخيرا ... فانهم يقولون: أن المسلمين هم أول من أنشأ حوانيت الصيدلة على هذه الصورة[3]، كما أن الشيخ الرئيس إبن سينا قد ذكر الكثير من المواد الطبيّة، الّتي لم تكن معروفة للقدماء، و هي من مكتشفات إبن سينا نفسه، و القسم المربوط بالنباتات الطبيّة المستعملة في أمراض الكبد ممتاز جدا، و هو مطابق تماما مع الطّب اليوم، كما أن آثار الأدوية في الطب من حيث وظائف الأعضاء و أقرباذين الأدوية صحيحة جدا[4].
كما ان الصيدلة تعتمد كثيرا على صناعة الكيمياء، و قد قطع المسلمون شوطا كبيرا في هذا المجال، الأمر الذي مكنهم من اختراع الكثير من الأدوية الّتي لا تزال مستعملة حتى اليوم.
[1]- تاريخ طب در إيران ج 2 ص 605.
[2]- تمدن إسلام و عرب ص 616 باختصار.
[3]- تاريخ التمدن الإسلامي، المجلد الثاني ص 203.
[4]- تاريخ طب در إيران ج 2 ص 571 و 587.
امتحان الصيادلة:
و لقد كان الصيادلة كثارا، و شاع الغش منهم في الأدوية، فدعت الضرورة إلى امتحانهم، و اعطاء الإجازات أو المنشورات إلى من تثبت أهليته و أمانته و حرمان الآخرين، و منعهم من مزاولة هذه الصنعة.
و قد التفتوا إلى هذا الأمر في وقت مبكر، أي من زمن المأمون، الذي كتب إسما لا يعرف و لا واقع له، و أرسله إلى الصيادلة ليبتاع منهم، فكلهم ذكر: أن هذا الدواء عنده، و أخذ الدواء و أعطاه شيئا من حانوته، فصاروا إلى المأمون بأشياء مختلفة، فمنهم من أتى ببعض البزور، و منهم من أتى بقطعة من حجر، و منهم من أتى بوبر.
و في زمن المعتصم قال الافشين لزكريا الطيفوري: «يا زكريا ضبط هؤلاء الصيادلة عندي أولى ما تقدم فيه، فامتحنهم، حتى نعرف الناصح منهم من غيره، و من له دين، و من لا دين له».
فامتحنهم الأفشين بمحنة المأمون، فوقعوا فيما وقعوا فيه أولا، فكانت النتيجة أن نفى الأفشين من وقع في الفخ عن العسكر، و نادى المنادي بنفيهم و بإباحة دم من وجد منهم في عسكره[1].
[1]- راجع: عيون الأنباء ص 224/ 225، و تاريخ الحكماء ص 188/ 189، و تاريخ التمدن الإسلامي، المجلد الثاني ص 201 عن إبن العبري، و راجع مختصر تاريخ الدول ص 140/ 141.