جماعة من الأطباء و المشتغلين يأتون إليه، و يقعدون بين يديه، ثم تجري مباحث طبية، و يقرىء التلاميذ، و لا يزال معهم في اشتغال و مباحثة و نظر في الكتب مقدار ثلاث ساعات[1].
و مجلس الرازي لتعليم الطب معروف و مشهور، فقد كان يجلس في مجلسه، و دونه التلاميذ، و دونهم تلاميذهم، و دونهم تلاميذ آخرون، و كان يجيء الرجل، فيصف ما يجد لأول من يلقاه منهم، فإن كان عنده علم، و إلّا تعداه إلى غيره، فان أصابوا و إلّا تكلم الرازي في ذلك[2].
و أول مدرسة طبيّة منفصلة عن المستشفى كانت- فيما أعتقد- في سنة 622 ه قال إبن أبي أصيبعة: «.. و لما كان في سنة اثنتين و عشرين وست مئة.
و ذلك قبل سفر الشيخ مهذب الدين عبد الرحيم بن علي عند الملك الأشرف و خدمته له، وقف داره و هي بدمشق عند الصاغة العتيقة، شرقي سوق المناخلين، و جعلها مدرسة يدرس فيها من بعده الطب، و وقف لها ضياعا و عدة أماكن، يستغل ما ينصرف في مصالحها و في جامكية المدرس، و جامكية المشتغلين بها»[3].
امتحان الأطباء:
لقد رأينا: أن المسلمين كانوا يمتحنون الأطباء، و يعطونهم اجازة لممارسة التطبيب، و ممن كان يمتحن الأطباء في سنة 309 ه، سنان بن ثابت
[1]- عيون الأنباء ص 628.
[2]- تاريخ الحكماء ص 273 و عيون الأنباء ص 416، و غير ذلك كثير.
[3]- عيون الأنباء ص 733.
في بغداد[1]و مهذب الدين الدخوار في مصر[2]، و إبن التلميذ، المتوفي سنة 560 ببغداد[3]و يضيف البعض إلى هؤلاء: إبراهيم بن سنان، و أبا سعيد اليماني[4].
و ذكر في كتاب: تاريخ البيمارستانات في الإسلام اجازتين قد بقيتا من القرن الحادي عشر الهجري، احداهما ترتبط بالفصد، و الاخرى ترتبط بالجراحة[5].
الاختصاص في الطب:
لقد كان الاختصاص في فروع الطب ظاهرة شائعة بين الأطباء المسلمين؛ فهناك الطبيب المختص بالجراحة، و آخر بأمراض العين، و ثالث بأمراض النساء، و رابع بالأمراض العقلية، و خامس في الأسنان، و هكذا ...
النساء و الطب:
و لم يكن الطب مقصورا على الرجال، بل لقد كان في النساء أيضا عالمات في الطب، و قد تقدمت الإشارة إلى هنيدة، و زينب الأودية
[1]- تاريخ الحكماء ص 191، و عيون الأنباء ص 302، و تاريخ طب در إيران ج 2 ص 282 و 686 و تاريخ التمدن الإسلامي المجلد الثاني ص 201. و تاريخ مختصر الدول ص 162.
[2]- عيون الأنباء ص 731، تاريخ التمدن الإسلامي المجلد الثاني ص 201.
[3]- عيون الأنباء ص 351 و 352.
[4]- تاريخ طب در إيران ج 2 ص 686 و راجع ص 816 و فيه أن إبراهيم بن سنان قد كلف أبا سعيد بذلك، فكانت النتيجة: أن اجيز 800 طبيب و جراح. و لكن الظاهر هو أن الأمر قد اشتبه على هذا البعض فخلط بين سنان بن ثابت، و إبراهيم بن سنان كما يظهر من مراجعة: عيون الأنباء ص 302 و غيره.
[5]- تاريخ طب در إيران ج 2 ص 820.
و غيرهما ... و نزيد هنا: أنهم يقولون: ان أخت الحفيد ابن زهر الأندلسي و ابنتها كانتا عالمتين بصناعة الطب، و لهما خبرة جيدة بمداواة النساء، و كانتا تدخلان على نساء المنصور الأندلسي، و لا يقبل سواهما[1].
كثرة الأطباء المسلمين:
ان عدد الأطباء طيلة فترة الحكم الإسلامي كثير جدا لا يمكن حصره، و لا استطاع مؤلفوا الموسوعات و التراجم، حتى ذكر اسماء أقل القليل منهم ...
و يكفي أن نذكر: أنهم قد أحصوا أطباء بغداد وحدها في زمن المقتدر باللّه سنة 309 و امتحنوهم؛ فأجيز منهم (860) طبيبا، فأعطوهم الإذن في التطبيب، سوى من استغنى عن الإمتحان لشهرته، و سوى من كان في خدمة السلطان[2].
و كان سيف الدولة إذا جلس على المائدة حضر معه أربعة و عشرون طبيبا. و كان فيهم من يأخذ رزقين لاجل تعاطيه علمين[3]. و كان في خدمة المتوكل 56 طبيبا[4].
و كان يخدم في المستشفى العضدي 24 طبيبا من مختلف الاختصاصات[5]و حين بنى المعتضد المستشفى، أراد أن يكون فيه جماعة من
[1]- عيون الأنباء ص 524، و تاريخ التمدن الإسلامي، المجلد الثاني ص 201 عنه.
[2]- عيون الأنباء ص 302، و تاريخ التمدن الإسلامي، المجلد الثاني ص 200 عنه.
[3]- عيون الأنباء ص 610، و تاريخ التمدن الإسلامي، المجلد الثاني ص 200 عنه.
[4]- تاريخ التمدن الإسلامي ج 2 ص 200 عن عيون الأنباء ج 2 ص 140 و فيه: أنهم كانوا من النصارى!!
[5]- عيون الأنباء ص 415.
أفاضل الأطباء و اعيانهم، فأمر أن يحضر له لائحة باسماء الأطباء المشهورين حينئذ ببغداد و أعمالها؛ فكانوا متوافرين على الماءة فاختار منهم نحو خمسين الخ[1].
الخدمات الطبية عند المسلمين:
و كان للمسلمين أيضا عناية خاصة بالأيتام، و العميان، و القواعد من النساء فكان لهم رعاية و دواوين خاصة، تحت إشراف مسؤولين عن أمورهم و أحوالهم[2].
«و كان من الأطباء أو الصيادلة من هو خاص بالجند، يرافقه في اسفاره و منهم من هو خاص بالخلفاء و الأمراء، و لهؤلاء رواتب خاصة، و يعرفون بالمرتزقين، و منهم من يطببون العامة، و هم غير مرتزقين»[3].
و كان لدى المسلمين دار للمجانين، و صيدليات تعطي الدواء مجانا في أيام معينة، و كان الأطباء يذهبون مع أدويتهم إلى الأماكن الّتي لا يمكن بناء مستشفى فيها[4].
و قد ذكر القفطي و غيره في ترجمة سنان بن ثابت: أن الوزير علي بن عيسى الجراح- في سنة كثرت فيها الأمراض و الأوباء- قد وقّع إلى سنان بن ثابت يأمره: بأن يفرد لمن في الحبوس كلها أطباء يدخلون إليهم في كل يوم، و يحملون معهم الأدوية و الأشربة، و ما يحتاجون إليه من المزورات و يعالجوا من فيها من المرضى.
[1]- المصدر السابق.
[2]- وفيات الأعيان ج 1 ص 495 ط. سنة 1310 ه و العيون و الحدائق.
[3]- تاريخ التمدن الإسلامي المجلد الثاني ص 201.
[4]- تمدن إسلام و عرب ص 615.
و وقع إليه توقيعا آخر، يأمره بانفاذ متطببين، و خزانة من الأدوية و الأشربة يطوفون في السواد، و يقيمون في كل صقع منه مدة ما تدعو الحاجة إلى مقامهم و يعالجون من فيه، ثم ينتقلون إلى غيره، ففعل سنان ذلك[1].
كما أن المسلمين قد أنشأوا ما نسميه اليوم بالعيادات الخارجية[2].
هذا ... و لم يكن كل هؤلاء الأطباء يتقاضى أجره، بل كان من بينهم من يعمل مجانا، فمثلا لقد «كان أبو بكر بن القاضي أبي الحسن الزّهري يطبب الناس من دون أجرة، و يكتب النسخ لهم»[3].
و يلاحظ: أنهم كانوا في أوائل أمرهم يهتمون بفحص البول، و بالفصد، و الاستفراغ، و نحو ذلك ... و لكن هذه المعالجات قد بدأت تتطور نحو الأفضل باستمرار، تبعا للتقدم و النبوغ الطبّي، الّذي كان يتجلى يوما بعد يوم، حتى بعث المسلمون في الطب روحا جديدة، كما هو معلوم و معروف لكل أحد.
المستشفيات:
الرازي ... و بناء مستشفى:
يقول گوستاف لوبون: لقد بنيت المستشفيات الإسلامية موافقة لاصول حفظ الصحة، و كانت أحسن من المستشفيات الموجودة في هذه الأيام. و قضية الرازي حينما أراد أن يختار موقعا للمستشفى معروفة و مشهورة، فان الطريقة
[1]- تاريخ الحكماء 193/ 194، و عيون الأنباء ص 301.
[2]- مختصر تاريخ العرب ص 283.
[3]- عيون الأنباء ص 536.
الّتي استعملها، يؤيدها اليوم المحققون في الأمراض المعدية، فان الرازي أمر بعض الغلمان: أن يعلق في نواح مختلفة من بغداد قطع لحم، ليرى في أيّها لا يتفسخ اللحم و ينتن في وقت أقصر، ليكون الموقع الملائم لبناء المستشفى[1]و يقال: ان هذا المستشفى هو المستشفى العضدي.
و لكن ذكر إبن أبي أصيبعة: ان الرازي كان أقدم من عضد الدولة[2]، و عليه فلا بد و أن يكون الرازي قد أراد بناء مستشفى غير مستشفى عضد الدولة و ذلك لأن الرازي توفي سنة 320 ه، و قال الحسن بن سوار بن بابا، و كان قريب العهد منه: انه توفى في سنة نيف و تسعين و ماءتين، أو ثلاثمائة و كسر[3]و عضد الدولة إنما توفي سنة 372 ه، كما هو معلوم.
و لكن قد ذكر القفطي أن الرازي قد توفي سنة 364 و عاش في زمن المكتفي، و بعض زمن المقتدر[4]، و عليه فلا مانع من أن يكون قد شارك في اختيار موضع المستشفى العضدي، كما ذكروا.
بعض أحوال المستشفيات:
أما أحوال المستشفيات في العهد الإسلامي فقد تقدم: أن گوستاف لوبون يقول: أنها كانت موافقة لاصول الصحة، و أحسن من المستشفيات الموجودة في هذه الأيام، كما أنهم قد شيدوا في كل مدينة مستشفيات عامة، كما سنرى[5].
[1]- راجع تمدن إسلام و عرب ص 614 و قضية الرازي مذكورة أيضا في عيون الأنباء ص 415 و موجز تاريخ الشرق الأدنى ص 192.
[2]- عيون الأنباء ص 415.
[3]- عيون الأنباء ص 420.
[4]- تاريخ الحكماء ص 272 و راجع تاريخ الأطباء و الحكماء ص 153 الترجمة الفارسية.
[5]- مختصر تاريخ العرب ص 283.
و كان لكل مرض قاعة أو قاعات خاصة، يطوفها الطبيب المختص بها، و بين يديه المشارفون و القوام لخدمة المرضى، فيتفقد المرضى، و يصف لهم الأدوية، و يكتب لكل مريض دواءه[1].
و كانوا يعالجون جميع المواطنين في مستشفياتهم، سواء أكانوا من المسلمين أو من غيرهم، و كانوا يقومون بعمليات التدفئة للمرضى على أكمل وجه، و يقدمون لهم المؤن، و الدثار، و غير ذلك[2].
و قال المقريزي عن مستشفى إبن طولون الذي اسّسه سنة 259 ه في القاهرة: «و شرط في المارستان أن لا يعالج فيه جندي، و لا مملوك، و عمل حمامين للمارستان، احداهما للرجال، و الأخرى للنساء، حبسهما على المارستان و غيره، و شرط: أنه إذا جيء بالعليل تنزع ثيابه، و نفقته، و تحفظ عند أمين المارستان، ثم يلبس ثيابا، و يفرش له، و يغدي عليه، و يراح بالأدوية و الأغذية و الأطباء حتى يبرأ، فإذا أكل فروجا و رغيفا أمر بالانصراف، و أعطي ماله و ثيابه»[3].
و قال عن المستشفى المنصوري، الّذي بني في القاهرة سنة 683 ه:
«... و رتب فيه العقاقير و الأطباء، و سائر ما يحتاج إليه من به مرض من الأمراض، و جعل السلطان فيه فراشين من الرجال و النساء لخدمة المرضى و قرر
[1]- تاريخ التمدن الإسلامي، المجلد الثاني ص 207، عن طبقات الأطباء ج 1 ص 155.
[2]- تاريخ الحكماء ص 194، و عيون الأنباء ص 302 و 301.
[3]- الخطط للمقريزي ج 2 ص 405، و راجع الحضارة الإسلامية في القرن الرابع الهجري ج 2 ص 205/ 206 و المستشفى لإبن طولون ذكر في كتاب الولاة و القضاة للكندي ص 216/ 217.
لهم المعاليم، و نصب الأسرّة للمرضى، و فرشها بجميع الفرش المحتاج إليها في المرض.
و أفرد لكل طائفة من المرضى موضعا، فجعل أواوين المارستان الأربعة للمرضى بالحميات و نحوها، و أفرد قاعة للرمدى، و قاعة للجرحى، و قاعة لمن به إسهال، و قاعة للنساء، و مكانا للمبرودين، و ينقسم قسمين: قسم للرجال، و قسم للنساء و جعل الماء يجري في جميع هذه الأماكن.
و أفرد مكانا لطبخ الطعام، و الأدوية، و الأشربة، و مكانا لتركيب المعاجين و الأكحال، و الشيافات و نحوها، و مواضع يخزن فيها الحواصل.
و جعل مكانا يفرق فيه الأشربة و الأدوية، و مكانا يجلس فيه رئيس الأطباء لالقاء درس طب ... الخ». و كان وقفه عاما لكل أحد[1].
المستشفيات الميدانية:
لقد كان لدى المسلمين مستشفيات تستصحبها الجيوش معها، فقد قال إبن خلكان، و القفطي عن أبي الحكم عبيد اللّه بن المظفر المغربي، المتوفي سنة 549 ه: «و ذكر العماد الأصفهاني في الخريدة: أن أبا الحكم المذكور كان طبيب البيمارستان الّذي كان يحمله أربعون جملا، و المستصحب في معسكر السلطان محمود السلجوقي حيث خيم». ثم ذكر خدمة إبن المرخم فيه ايضا طبيبا و فصادا[2].
و يقول سيد أمير علي: «... و كان يرافق الجيش في أبان المعارك فريق
[1]- راجع: الخطط للمقريزي ج 2 ص 406.
[2]- وفيات الأعيان ج 1 ص 274 ط. سنة 1309 ه، و تاريخ الحكماء ص 405 و تاريخ التمدن الإسلامي، المجلد الثاني ص 207 عن الأول و عن: تراجم الحكماء.