بارگزاری ...
جستجو کنید
برای شروع جستجو، متن خود را وارد کنید.
صفحه 92

و القانون؟! و هل يمكن أن يمدحه أحد على ذلك؟! و هل ثمة من يتوقف في توجيه اللوم و التّقريع له؟! و هل يمكن أن لا يطالب كل عاقل منصف بإيقافه عند حده، ثم بتغريمه لكل النقائص و الخسائر الّتي نجمت عن طغيانه ذاك، بالإضافة إلى العقاب الرادع و الجزاء العادل‌[1]، ليكون ذلك موعظة له في نفسه، و عبرة لغيره.

فالمتحصل من كل ذلك اختصاص حق التشريع بالباري سبحانه و تعالى، العالم بكل شي‌ء، و المهيمن على جميع المخلوقات.

شمولية قوانين الإسلام:

و بعد ... فلا ريب في أن التشريعات الإلهية و التّعاليم القرآنية، إنّما تهدف إلى تحقيق الكمال و السّلامة و الهناء و السّعادة- كل السّعادة و الهناء- لهذا الإنسان، بالإضافة إلى تكامل الإنسان في إنسانيته، و في قربه من اللّه تعالى، و الفوز برضاه.

و بديهي: أنه كلما كانت النّظم أدق و أشمل كلما كانت السّعادة و السّلامة لهذا الإنسان أتم و أكمل، و وصوله إلى ذلك الهدف الأسمى أسرع و أيسر.

و من هنا ... فقد كانت تعاليم الإسلام و قوانينه دقيقة و شاملة لجميع شؤون الإنسان، و مختلف أحواله و أوضاعه: سياسية كانت، أو إقتصادية، أو سلوكية، أو نفسية، أو غيرها ... مما يرتبط بالفرد أو بالمجتمع ... فكل شي‌ء محكوم لقانون، و يهيمن عليه نظام، يوجهه لخير الإنسان، و يجعله في خدمته.

[1]- فان من سن سنة حسنة كان له أجرها و أجر من عمل بها إلى يوم القيامة، و من؟؟؟ سنة سيئة كان عليه وزرها و وزر من عمل بها إلى يوم القيامة.


صفحه 93

نعم كل شي‌ء ... فبالنسبة لشخص الإنسان، نجده لم يغفل حتى عن أكله و شربه، و قيامه، و جلوسه، و مشيه، و نبرات صوته، بل لقد تدخل حتّى في اختيار، و مواصفات البيت الّذي يعيش فيه. و الثّياب الّتي يلبسها، و في كيفية تصرفه بها ... بل و حتّى في خلجات الإنسان القلبية، و أفعاله الجوانحية.

كما اننا نجد: أن الإسلام لم يشرع أي قانون يضر بمكانة الإنسان الإجتماعية، أو بذوقه، و سجيته، أو بروحه و حالته النفسية، أو بصحته البدنية.

و كمثال على ذلك: نشير إلى تعاليم الإسلام المتعلقة بتقليم أظفاره، و ترجيل شعره، و أوامره له بالتنظيف و التطهر، حتى لقد ورد: ان اللّه يبغض الرجل القاذورة[1]، و ورد: أن النّظافة من الإيمان‌[2]، و عنه6: «بئس العبد القاذورة»[3]... بل لقد حرم عليه بعض الألبسة الّتي تضر بمكانته الإجتماعية و توجب استهانة النّاس به.

إلى غير ذلك من الشؤون و الأحوال الّتي يمر بها الإنسان أو تمر به، و الّتي غفل عنها أي تشريع آخر سوى التّشريع الإلهي الحق، لإنه صادر عن ساحة الحق سبحانه و تعالى ... حتى ليقول الإمام الصادق (ع): «ان عندنا الجامعة، قلت: (أي الراوي) و ما الجامعة؟ قال: صحيفة فيها كل حلال و حرام، و كل شي‌ء يحتاج إليه النّاس حتّى الأرش في الخدش، و ضرب بيده‌

[1]- البحار ج 76 ص 84 و ج 80 ص 106 عن كنز الفوائد للكراجكي و ج 99 ص 303 فقه الرضا 48 و ج 99 ص 84، و الخصال ج 2 ص 620، و تحف العقول حديث الأربعماءة ص 73.

[2]- البحار ج 62 ص 291 عن طب النبي للمستغفري.

[3]- الفصول المهمة ص 441، و طب الصادق ص 15 عن الدعائم.


صفحه 94

إلي فقال: أتأذن يا أبا محمد؟ قلت: جعلت فداك، إنما أنا لك، فاصنع ما شئت، فغمزني بيده، حتى أرش هذ»[1].

طبيعية قوانين الإسلام:

و نحن لا نريد أن ندعي هنا: أن شمولية الإسلام هذه قائمة على أساس النّص الصّريح على كل كلية و جزئية، فان ذلك أمر متعسر بل متعذر ... و إنّما تكمن شموليته في كونه قد نظر إلى الإنسان، و أحواله، و أوضاعه نظرة واعية تتسم بالشّمول و الدّقة، فقد لاحظ:

أولا: شؤونه الثّابتة الّتي لا يطرأ عليها تغيير و لا تبديل في أي من الظروف و الأحوال، فوضع لها قوانين ثابتة، و أنظمة محددة ... و ذلك من قبيل قوانين الإرث، و الزواج، و الطّلاق، و نحوها ... و يمكن أن يدخل في ذلك جميع الأحكام الثابتة للموضوعات بعناوينها الأولية، حسب الاصطلاح الاصولي.

ثم لاحظ:

ثانيا: الشّؤون الّتي يطرأ عليها التغيير و التبديل، و لا يمكن أن تكون في اطار ضابطة معينة و ثابتة، فجعل أصولا و قواعد عامة، يجري التغيير و التبديل في نطاقها.

فهذه القوانين و الضوابط ثابتة، و المتغير هو ما تنطبق عليه تلك القواعد و الأصول.

و يمكن أن يدخل في هذا الإطار سائر الموضوعات الّتي تعرض لها العناوين الثانوية، حسب الإصطلاح الأصولي.

[1]- الوسائل ج 19 ص 272 حديث 1.


صفحه 95

و من هنا ... فقد كان للإسلام مرونة خاصة بالنسبة لموقفه من الثقافات و العلوم التي تفيد المجتمع الاسلامي، و بالنسبة لشؤون الإدارة الدّاخلية، و شؤون الأمن في البلاد الإسلامية، تبعا للضرورات الّتي تفرضها الظروف و الأحوال الطارئة و المتغيرة.

و قد أعطى ذلك للإسلام قدرة خاصة على استيعاب كل جديد، و على أن يساير التطورات الحضارية المختلفة على مرّ العصور، و على اتخاذ الموقف المناسب في الظروف و الأحوال و المتغيرات باستمرار، و لسوف يبقى محتفظا بهذه القدرة مستقبليا أيضا ... فهو القانون الوحيد، الّذي يستطيع أن يكون إنسانيا، و حضاريا و عالميا، و أبديا.

الفقيه ... و غيره الفقيه:

1- أما وظيفة الفقيه فليست إلا الكشف عن الأحكام الإلهية الثابتة لموضوعاتها، و تطبيق القواعد و الكليات الثابتة على مصاديقها المتحولة المتغيرة فالفقيه لا يجعل الأحكام الشرعية، و إنّما هو يكشف عنها، أو يطبق القاعدة على موردها.

2- هذا ... و لا شك في أن الفطرة و العقل و العقلاء يحكمون على من ليس له قدرة الكشف و التطبيق هذه- حيث لا يمكن الإحتياط[1]و لا يمكن العمل به- بالرجوع إلى الّذي يملك هذه القدرة، و يمارسها فعلا ... لانه هو المتخصص في هذه الجهة، و له خبرات تؤهله لان يكون مرجعا لمن يفقد هذه الخبرات تماما ... كذلك الّذي يراجع الطبيب أو المهندس في ما يرتبط بهما من أمور الطب و الهندسة، لانه هو لا يملك خبرات في هذين المجالين.

3- كما أن الإنسان يفضل بحسب فطرته و سجيته و عقله: الأمهر من‌

[1]- كما في كثير من الموارد العامة: سياسية و اجتماعية و إدارية ... و غيرها.


صفحه 96

الأطباء و أصحاب الإختصاصات؛ و لا يراجع غيره إلّا إذا لم يقدر على الإستفادة منه.

و قد أمر اللّه تعالى إرشادا إلى ذلك، فقال:فَسْئَلُوا أَهْلَ الذِّكْرِ إِنْ كُنْتُمْ لا تَعْلَمُونَ‌[1]... و قال تعالى أيضا مشيرا إلى ان ذلك مرتكز في فطرة الإنسان و سجيته:هَلْ يَسْتَوِي الَّذِينَ يَعْلَمُونَ وَ الَّذِينَ لا يَعْلَمُونَ‌[2].

4- و من الجهة الثالثة: فان فطرة الإنسان و سجيته، تدفعه إلى أن يهتم بمراجعة من يثق بصدقه و إخلاصه من أهل الإختصاصات ... و كلما كان الأمر أهم، كلما زاد اهتمام الشخص في أن يجد من يجمع أقصى الشروط الملائمة لإنجاح و سلامة العمل الّذي يرمي إليه على النّحو الأكمل و الأفضل ..

5- و إذا كان الشرع و الدين هو أعظم قضيّة يمكن أن تواجه هذا الإنسان؛ لانها تمس كل شؤون حياته الفردية و الإجتماعية، و يتوقف عليها مصيره و مستقبله، ان دنيا، و إن آخرة. و كل خلل يطرأ، أو تجاوز يحصل، فسيؤثر مباشرة على حياة الإنسان و مصيره ..

- إذا كان كذلك- فانه لا بد و أن يسعى هذا الإنسان إلى أن يوفر كل الشروط و الضمانات الّتي تجعله يحصل على أعلى درجات الإطمئنان و الثقة في من يفترض فيه أن يكون قائدا و معلما و مرشدا له في هذا السبيل ... سواء من النّاحية العلمية، أو السلوكية، أو غيرها من النواحي، الّتي لها مساس بالمهمة الّتي يريده لاجلها ...

و ليس ذلك إلّا الرّجل المجتهد العادل، الّذي بنى نفسه من الداخل قبل‌

[1]- سورة النحل، الآية: 43.

[2]- سورة الزمر، الآية: 9.


صفحه 97

الظّاهر، و الّذي يكون ظاهره انعكاسا لباطنه .. الرّجل الذي يملك أعظم المهارات و الكفاءات العلميّة في هذا المجال ... إلى غير ذلك من مواصفات نص عليها الفقهاء في كتبهم المعدة لذلك.

الطب ... و الفقيه:

و هكذا .. و إذا كان الطب هو إحدى تلك المجالات الواسعة الّتي تخضع للاحكام و التشريعات الإسلاميّة بشكل مباشر أحيانا، أو غير مباشر أحيانا أخرى .. فان من الطبيعي أن يرجع الطبيب و المريض، و غيرهما ممن له علاقة في هذا المجال- إلى الكتب الّتي ألّفها الرّجل الأعلم في التّشريع الإسلامي للتعرف على الأحكام الشرعية باستمرار، لأن ذلك يؤثر في أحيان كثيرة على مواقفهم و تصرفاتهم بشكل عام ...

الطب في الإعتبار الشرعي:

لا شك في أن الطب يعتبر وظيفة شرعية، واجبا كفائيا، يعاقب الكل على تركه، و يسقط عنهم بقيام بعضهم به، و يمكن أن يؤيد ذلك ب:

1- ما روي عن الصادق (ع)، قال: لا يستغني أهل كل بلد عن ثلاثة يفزع إليه في أمر دنياهم، و آخرتهم؟ فان عدموا ذلك كانوا همجا: فقيه عالم ورع، و أمير خير مطاع، و طبيب بصير ثقة[1].

2- و ما روي عن أبي عبد اللّه (ع)، قال: كان المسيح (ع) يقول: ان التارك شفاء المجروح من جرحه شريك جارحه لا محالة، و ذلك أن الجارح أراد فساد المجروح، و التارك لاشفائه لم يشأ صلاحه؛ فإذا لم يشأ صلاحه؛

[1]- تحف العقول ص 238، و البحار ج 78 ص 235، و سفينة البحار ج 2 ص 78.


صفحه 98

فقد شاء فساده إضطرارا الخ‌[1].

هذا كله ... عدا عن أن الإسلام يعتبر المؤمنين اخوة، يجب الإهتمام بأمورهم، و قضاء حاجاتهم، و معونتهم، و أن يعضد بعضهم بعضا، في مواقع الإبتلاء، و ان يفيد المؤمن أخاه، و أن ينفس كربته إلى غير ذلك مما لا يمكن حصره ... و لا يمكن أن تكون الناحية الطبيّة مستثناة من ذلك في أي من الظّروف و الأحوال، إن لم تكن من أجلى مصاديق الكثير من تلك الأوامر المتضافرة و المتواترة ..

أهمية الطب إسلاميا:

و عدا عن كون الطب مسؤولية دينية تصل إلى حد الوجوب الكفائي ...

فانه يكفي للتدليل على الأهمية الخاصة لهذا العلم بنظر الإسلام، أنه قد اعتبره و علم الأديان- و معهما غيرهما، كما في بعض النصوص- هما العلمان الّلذان ينبغي التوجه إليهما، و العمل في سبيل الحصول عليهما؛ فعن أمير المؤمنين (ع):

العلم علمان: «علم الأديان، و علم الأبدان»[2].

و عنه (ع): العلم ثلاثة: «الفقه للاديان، و الطب للابدان، و النحو للسان»[3]..

[1]- روضة الكافي ص 345، و الفصول المهمة ص 404، و الوسائل ج 2 ص 629 و ج 11 ص 401.

[2]- طب الإمام الصادق( ع) ص 17 و قضاء أمير المؤمنين( ع) للتستري ص 144 و البحار ج 1 ص 220 و ميزان الحكمة ج 6 ص 527.

[3]- تحف العقول ص 144، و طب الإمام الصادق( ع) ص 17 و البحار ج 78 ص 45.


صفحه 99

و بلفظ الكراجكي في جواهره: العلوم أربعة: الفقه للأديان: و الطب للأبدان، و النحو للسان، و النّجوم لمعرفة الأزمان‌[1]...

شمولية الطب و لزوم التداوي:

و قد روي عن النّبي6: «ما أنزل اللّه من داء إلّا أنزل له شفاء»[2].

و عن علي (ع): «لكل علة دواء»[3]و عنه6: «تداووا فان اللّه تعالى لم يخلق داء إلّا خلق له شفاء، إلّا السام. و السام: الموت»[4].

و في لفظ آخر عنه6: «ان اللّه تعالى لم ينزل داء إلّا أنزل له دواء علمه من علمه، و جهله من جهله إلّا السام» الخ‌[5].

و عن الصادق (ع): «أن نبيا من الأنبياء مرض، فقال: لا اتداوى، حتى يكون الذي أمرضني هو الذي يشفيني. أوحى اللّه تعالى إليه: لا أشفيك حتى تتداوى، فان الشفاء مني»[6].

رسالية الطب:

و عدا عن كون الطب مسؤولية دينيّة؛ فانه أيضا ضرورة إجتماعية إنسانية، و رسالة أخلاقية، و مسؤولية عقلية .. ف:

1- هو ضرورة إنسانية إجتماعية؛ حيث يفترض في الإنسان أن يساهم‌

[1]- طب الإمام الصادق ص 17 و كنز الفوائد للكراجكي ص 240 و البحار ج 2 ص 218.

[2]- البحار ج 62 ص 68 و عنه في ميزان الحكمة ج 3 ص 362.

[3]- غرر الحكم ج 2 و ميزان الحكمة ج 3 ص 362 عنه.

[4]- ميزان الحكمة ج 3 ص 363 عن كنز العمال الحديث رقم 28090.

[5]- ميزان الحكمة ج 3 ص 362 عن كنز العمال الحديث رقم 28079.

[6]- البحار ج 62 ص 66 عن مكارم الأخلاق و ميزان الحكمة ج 3 ص 362 عنه.