وَالْقى عُمَيْرٍ بَالْعْذَيْبَهْ مُوَقِّفْ ... على شَلْشل بيْضَ الجمَال الشَّرايفْ
ومن الأخبار التي يتناقلها السمَار مَا حدثني به الشيخ إبراهيم ابن عثمَان أن فارس بن شهوان سكن معه والده بوادي الدواسر، فكان يعطي جارته من صيده وغنائمه، فتطور ذلك إلى أن أظهرت له الَوْد، فلَمْ يستجب لذلك، إكرامَا لجاره، فلَمْا رأت انصرافه عنها أظهرت لَوْالده أنه يُسِيْءٌ إليها، فلَمْا التآثر في وجه والده رحل مع من خف معه من قومه وممَاليكه، فأرسل شهوان عَبْدَةَ عمَاراً ليرافق فارساً، ويعرف اتجاهه، فلَمْا أحس فارس بمرافقة عمَار له صار يأخذ بيض نعام، فكلَمْا نزل منزلاً أظهر بيضة وملأها مَاءً، ووضع بجنبه تمراً ودفنها تحت مبرك ناقته حتى نزل منزلاً قريباً من ظفار سمى فارسا باسمه. وبعد ذلك أمر عمَاراً أن يعود إلى والده، ووصف له مدافن بيض النعام، لتكون له زاداً ومعالَمْ لطريقه، وقال بهذه الَمْناسبة قصيدة مطلعها:
عَمَار عَلِّك عن ذَا تنثني ... من يَمّ شْهوان عزيز جار
ويزيدنا عبد الجبار الراوي تفصيلاً فيذكر أن شمراً قتلت بهيجا شيخ العبيد فهاجرت العبيد إلى جزيرة العراق. وقد أشارت شَمَّرُ على بهيج أن يدخل على شيوخ شمر، ويصالحهم فأبى ذلك وقال:
يقول بهيج بن ذبيانٍ مثايلْ ... ودَمْعِه على الاملاك دُوْنَ الشَّلايلْ
جَلَوْنَا عنْ ديارنا الْعَذِبَّات شَمَّرْ ... قَرَاح وبرْدِ مَا، يدْاوي الغلايِلْ
ونَحَّيْنا رقاب الْقُوْد عنهم وغربنا ... وعين الزُّبَيْديُّات لنجد مَايِلْ
لاَ صارْ مَا عِدْل يُعادِلْ عَدِيْلَهْ ... مَا ينقعد بالدارْ والشَّيْلْ مَايلْ
ولاَ صَارْ مَاحقَّ الفتى بِذرَاعِهْ ... هَبَّيْتْ يا حُكْم يِجِى بَالدَّاخايِلْ
صبَّار على الزهدة بِسُوّ فعلهم ... بالنسب مَا يوجد لهم بالقبايِلْ
لئام لَوْ حَجَّجُتُهُمْ كعبة الرضا ... يجازونك عنها البايرات الفسايِلْ
رحيل آل الجرباء إلى العراق
وآل الجرباء هم زعمَاء شمر ورؤساء الجبل، وأبعد ذكر لهم وجدته عن وفاة اثنين منهم عام 1100هـ وعام 1103هـ وقد رحلَوْا من نجد عام 1205هـ بعد هزيمتهم أمَام ابن سعود فبنوا زعامتهم في العراق وسوريا. قال حسين خزعل: وكانت الرئاسة العامة لشمر في اُسرة الجرباء من بطن سِنْجَارة، وقد أجلاهم الأمير سعود ابن عبد العزيز عن ديارهم عام 1205هـ بعد أن نازلهم قرب مدينة حائل وقتل مصلط بن مطلق. وسار مطلق من جبل شمر إلى العراق وبر الشام، ورافق أحمد باشا الجزار إلى الحج، ثم أقام في بادية السمَاوة من العراق. أمَا عن رحيل آل الجرباء فيذكر عباس العزاوي أن آل محمد الجرباء أُمراء شمر برئاسة فارس الجرباء مَالَوْا إلى العراق في أوائل القرن الثالث عشر الهجري. ويزيدنا يوسف البسام تفصيلاً فيقول: ويعرف رؤساء شمر السابقون بآل محمد وآخرهم فارس الجرباء وقد لقب بالجرباء نسبة لأُمه التي ابتليت بمرض الجدري، واصبحت جرباء على أثر هذا الَمْرض. وعلى عهد الأمير محمد بن سعود مؤسس الدولة السعودية الأولى وابنه الإمَام عبد العزيز نزح فارس الجرباء من جبل شمر واستوطن بادية الجزيرة في العراق بين دجلة والفرات، وذلك بعد أن انقطعت الأمطار مدة طويلة وأجدبت الأرض. وعلى أثر نزوح فارس الجرباء تبعه الكثير من شمر واستقروا في العراق ولا يزالَوْن حتى الآن وتولى أمر جبل شمر آل علي. وذكر عبد الجبار الراوي أن نجداً أصابها محل، فاضطر شيخ عشيرة شمر فارس إلى الهجرة مع أربعين بيتاً من قومه، طلباً للَمْرعى، حتى وصل إلى جزيرة العراق، فنزل جاراً على عشائر العبيد، ثم ذكر قصة شبه خرافية، لا سيمَا مَا يتعلق برثاثة شمر في حين أنه من الَمْعروف عند أهل نجد شهرة قبائل الشمَال - وبالأخص الشمَامرة - باللباس الأنيق والَمْظهر الباذخ. وذكر في موضع آخر أن أول من رحل من نجد إلى الجزيرة في العراق هو فارس الجرباء، وأنه الرئيس الأول لآل محمد ثم ذكر بنيه وأحفاده. وذكر أن فارساً لقب بالجرباء نسبة إلى أُمه، التي ابتليت بالجدري، فسميت به وإن كانت قد شفيت من هذا الَمْرض. قال أبو عبد الرحمن: ولا بأس من سياق هذه القصة التي أوردها الراوي. قال: أصاب نجداً محل، اضطر شيخ عشيرة شمر حينئذ فارساً إلى الهجرة مع أربعين بيتاً من بيوت الشعر، طلباً للَمْرعى، ومضى سائراً حتى بلغ الجزيرة، فنزل قصيراً " أي مجاوراً " على عشائر العبيد، التي أضافته، وأولَمْت له وليمة كبيرة دعت إليها رئيس عشائر طيء والجبور، وكان الَمْهاجرون من شمر في ثياب رثة، يعلَوْها الَوْسخ، بحيث اشمَازَّ الَمْدعوون منها فتناولَوْا الطعام على كره منهم، وقد خُيِّل إليهم أن هؤلاء الَمْهاجرين هم من عشيرتي صُلُبة، أو هُتيم اللتين يعدهمَا البدو من العشائر الحقيرة، ولَمْا شعر فارس شيخ شمر بمَا بدا على وجوه رؤساء العبيد وطيء والجبور، من الاشمئزاز، أراد أن يثبت لَمْضيفيه أنه هو وعشيرته من النبل والكرم بحيث يضرب بهمَا الَمْثل، فقرر أن يقابل الَوْليمة بمثلها، ودعا رؤساء العبيد وطيء والجبور، لتناول الطعام عنده، إلا أن هؤلاء ترددوا في قبول الدعوة، اعتقاداً منهم بأن هؤلاء ليسوا أهلاً لإجابه دعوتهم، وحضور وليمتهم، ولكنهم بعد لأْيٍ أجابوا الدعوه على مضض، فرأوا الَمْناسف - جمع منسف وهو مَا يوضع فيه الطعام - وقد ملئت بالطعام واللحم، إذ نحر لهم جُزُرَا، وكانت الَمْناسف من الضخامة بحيث علقت بها السكاكين لتساعد كبار السن على تقطيع اللحوم. وضخامة الَمْناسف تدل عند البدو دلالة قاطعةً على عظمة صاحبها، ولذلك حسبوا لهؤلاء النازلين ألف حساب، خوفاً على أنفسهم، لاعتقادهم أن وراء هذه الَمْناسف عشائر كبيرة العدد، فقرروا أن يغتالَوْا فارساً وجمَاعته قبل أن تصل إليه عشائره. كانت وليمة الشيخ فارس باعثةً للشيوخ الثلاثة على التآمر لقتل فارس ورهطه، كمَا أسلفنا، إلا أن فارساً شعر بالَمْؤامرة، فطلب من نسائه أن يخلعن حليهن، ويقدمنه إلى نساء الرؤساء الثلاثة هدية، على أن يتوسطن عند أزواجهن للحيلَوْلة دون الفتك به وبأعوانه، فلبين الطلب، ووعدنهن خيراً، فلَمْا أقبل الليل لَمْ تفرش نساء زعمَاء عبيد وطيء والجبور الفرش - وهي عند العرب علامة يستدل منها الرجال على حدوث أُمور خطيرة -، فسئلن عن السبب، فطلبن الأمَان للَمْهاجرين
النازلين
فأُعطين الأمَان، وأُجبن إلى مَا أَردن، فمدت الفرش وهكذا تمكنت جمَاعة فارس من الاستيطان في الجزيرة، والاستقرار فيها، ثم إن فارساً قطع نمَاذج من جميع الأعشاب والحشائش التي تنبت في الجزيرة، وملأ منها زكيبةً وأرسلها مع أعوانه إلى عشيرته في نجد، قاصداً بذلك إخبارهم بأنواع الحشائش الَمْمتازة للرعي، في الأرض التي نزح إليها، حاثا إياهم على اللحاق به، فمَا لبثت عشائر شمر أن لبت طلبه، ورحلت إليه جمَاعات، لا تقل كل جمَاعة منها عن خمسين بيتاً، فتكاثرت شمر، وحدث مَا كان يخشاه رؤساء العبيد وطيء والجبور، فأورث هذا الأمر نزاعاً بين هؤلاء بالاتفاق مع الصايح من جهة وبين شمر من جهة أخرى، على أرض الجزيرة التي نزلَوْها، ونشب قتال دام تسعين يومَا، انتصرت فيه شمر، وأجبرت عشائر الصايح والعبيد وطيء على الجلاء، عن أمَاكنها في الجزيرة، فعبرت الصايح دجلة، متجهة نحو الحويجة، فاتخذتها منازل لها، وانتقلت طيء من مكانها، وجعلت مساكنها غرب سنجار، أمَا الجبور فقد سكنوا منطقة الخابور، وهكذا خلا الجو لشمر في الجزيرة، وتمت لها السيطرة على أطرافها ونواحيها، حتى آل بها الأمر إلى أن تفرض نوعاً من الضرائب يسمى " الخوة " تأخذها من كل عشيرة تنزل منطقتها، واضطر كل من يعبر الجزيرة إلى أدائها صاغراً، وظلت هذه " الخوة " نافذة الَمْفعول، وشملت جميع القرى الَمْجاورة للبادية. ولَمْا تألفت الحكومة العراقية، بدأت قواتها النظامية تكافح هذه " الْخُوَّة " بكل مَا أُوتيت من قوة، إلا أنها لَمْ تتمكن من استئصال شأْفتها وقطع دابرها بالَمْرة. وقد بذلت جهوداً كثيرة لإنشاء مركز حكومي في الجزيرة حتى تم ذلك في السنة الأُولى من تسلَمْى زمَام مديرة الشرطة العامة، كمَا سبق أَن أَلفت في بادية الشامية مثلها قبل ذلك، واستطاعت أَن تمنع الخوة فيها. أَمَا " الْخُوَّة " في حد ذاتها فهي ظريبةس تدفعها العشائر التي تدخل الجزيرة طوعاً أَو كرهاً، وهي مقدار مُعَيّن من الدهن والغنم، يدفع إلى شيخ معين من شَمَّر في كل سنة، وتؤخذ " الخوة " من الَمْستطرق أيضاً، حيث يجب عليه أن يدفع مقداراً من النقود عن كل جمل يمر بالجزيرة، وكذلك في القرى التي تدفع مَا عليها من الحبوب في كل موسم، وتقسم " الخوة " على شيوخ شمر الذين يعرف كل منهم نصيبه منها، فالشيخ الفلاني يأخذ " الخوة " من الحديديين، والآخر من الجبور أو الَمْستطرقين أو من قرى الَمْوصل أو من غنم التجار التي ترسل إلى سورية. وهكذا لا يفلت أحد من أيدي جباة هذه الضريبة. ولَمْ تزل عشائر شمر في تكاثر وازدياد، منذ استيلاء السعوديين على حائل عاصمة ابن الرشيد، حيث هاجر عدد كبير من عشيرة عَبْدَةَ من نجد إلى الجزيرة في العراق ويؤلف هؤلاء الآن القسم الأكبر من شمر عَبْدَةَ. ومن أشهر رؤساء عَبْدَةَ النازحين إلى العراق الشيخ عقاب العجل، رئيس فرقة الأحية من عَبْدَةَ، وسبب نزوحه وهجرته هو عدم اعتراف شمر بشيخ أو زعيم في حائل إلا إذا كان من آل الرشيد. هذا، وأغلب عشائر منطقة حائل عاصمة ابن الرشيد القديمة من شمر، في الَوْقت الحاضر. قال أبو عبد الرحمن: لي على هذه النصوص تتميمَات واستدراكات على هذا النحو: أُعطين الأمَان، وأُجبن إلى مَا أَردن، فمدت الفرش وهكذا تمكنت جمَاعة فارس من الاستيطان في الجزيرة، والاستقرار فيها، ثم إن فارساً قطع نمَاذج من جميع الأعشاب والحشائش التي تنبت في الجزيرة، وملأ منها زكيبةً وأرسلها مع أعوانه إلى عشيرته في نجد، قاصداً بذلك إخبارهم بأنواع الحشائش الَمْمتازة للرعي، في الأرض التي نزح إليها، حاثا إياهم على اللحاق به، فمَا لبثت عشائر شمر أن لبت طلبه، ورحلت إليه جمَاعات، لا تقل كل جمَاعة منها عن خمسين بيتاً، فتكاثرت شمر، وحدث مَا كان يخشاه رؤساء العبيد وطيء والجبور، فأورث هذا الأمر نزاعاً بين هؤلاء بالاتفاق مع الصايح من جهة وبين شمر من جهة أخرى، على أرض الجزيرة التي نزلَوْها، ونشب قتال دام تسعين يومَا، انتصرت فيه شمر، وأجبرت عشائر الصايح والعبيد وطيء على الجلاء، عن أمَاكنها في الجزيرة، فعبرت الصايح دجلة، متجهة نحو الحويجة، فاتخذتها منازل لها، وانتقلت طيء من مكانها، وجعلت مساكنها غرب سنجار، أمَا الجبور فقد سكنوا منطقة الخابور، وهكذا خلا الجو لشمر في الجزيرة، وتمت لها السيطرة على أطرافها
ونواحيها، حتى آل بها الأمر إلى أن تفرض نوعاً من الضرائب يسمى " الخوة " تأخذها من كل عشيرة تنزل منطقتها، واضطر كل من يعبر الجزيرة إلى أدائها صاغراً، وظلت هذه " الخوة " نافذة الَمْفعول، وشملت جميع القرى الَمْجاورة للبادية. ولَمْا تألفت الحكومة العراقية، بدأت قواتها النظامية تكافح هذه " الْخُوَّة " بكل مَا أُوتيت من قوة، إلا أنها لَمْ تتمكن من استئصال شأْفتها وقطع دابرها بالَمْرة. وقد بذلت جهوداً كثيرة لإنشاء مركز حكومي في الجزيرة حتى تم ذلك في السنة الأُولى من تسلَمْى زمَام مديرة الشرطة العامة، كمَا سبق أَن أَلفت في بادية الشامية مثلها قبل ذلك، واستطاعت أَن تمنع الخوة فيها. أَمَا " الْخُوَّة " في حد ذاتها فهي ظريبةس تدفعها العشائر التي تدخل الجزيرة طوعاً أَو كرهاً، وهي مقدار مُعَيّن من الدهن والغنم، يدفع إلى شيخ معين من شَمَّر في كل سنة، وتؤخذ " الخوة " من الَمْستطرق أيضاً، حيث يجب عليه أن يدفع مقداراً من النقود عن كل جمل يمر بالجزيرة، وكذلك في القرى التي تدفع مَا عليها من الحبوب في كل موسم، وتقسم " الخوة " على شيوخ شمر الذين يعرف كل منهم نصيبه منها، فالشيخ الفلاني يأخذ " الخوة " من الحديديين، والآخر من الجبور أو الَمْستطرقين أو من قرى الَمْوصل أو من غنم التجار التي ترسل إلى سورية. وهكذا لا يفلت أحد من أيدي جباة هذه الضريبة. ولَمْ تزل عشائر شمر في تكاثر وازدياد، منذ استيلاء السعوديين على حائل عاصمة ابن الرشيد، حيث هاجر عدد كبير من عشيرة عَبْدَةَ من نجد إلى الجزيرة في العراق ويؤلف هؤلاء الآن القسم الأكبر من شمر عَبْدَةَ. ومن أشهر رؤساء عَبْدَةَ النازحين إلى العراق الشيخ عقاب العجل، رئيس فرقة الأحية من عَبْدَةَ، وسبب نزوحه وهجرته هو عدم اعتراف شمر بشيخ أو زعيم في حائل إلا إذا كان من آل الرشيد. هذا، وأغلب عشائر منطقة حائل عاصمة ابن الرشيد القديمة من شمر، في الَوْقت الحاضر. قال أبو عبد الرحمن: لي على هذه النصوص تتميمَات واستدراكات على هذا النحو: ونواحيها، حتى آل بها الأمر إلى أن تفرض نوعاً من الضرائب يسمى " الخوة " تأخذها من كل عشيرة تنزل منطقتها، واضطر كل من يعبر الجزيرة إلى أدائها صاغراً، وظلت هذه " الخوة " نافذة الَمْفعول، وشملت جميع القرى الَمْجاورة للبادية. ولَمْا تألفت الحكومة العراقية، بدأت قواتها النظامية تكافح هذه " الْخُوَّة " بكل مَا أُوتيت من قوة، إلا أنها لَمْ تتمكن من استئصال شأْفتها وقطع دابرها بالَمْرة. وقد بذلت جهوداً كثيرة لإنشاء مركز حكومي في الجزيرة حتى تم ذلك في السنة الأُولى من تسلَمْى زمَام مديرة الشرطة العامة، كمَا سبق أَن أَلفت في بادية الشامية مثلها قبل ذلك، واستطاعت أَن تمنع الخوة فيها. أَمَا " الْخُوَّة " في حد ذاتها فهي ظريبةس تدفعها العشائر التي تدخل الجزيرة طوعاً أَو كرهاً، وهي مقدار مُعَيّن من الدهن والغنم، يدفع إلى شيخ معين من شَمَّر في كل سنة، وتؤخذ " الخوة " من الَمْستطرق أيضاً، حيث يجب عليه أن يدفع مقداراً من النقود عن كل جمل يمر بالجزيرة، وكذلك في القرى التي تدفع مَا عليها من الحبوب في كل موسم، وتقسم " الخوة " على شيوخ شمر الذين يعرف كل منهم نصيبه منها، فالشيخ الفلاني يأخذ " الخوة " من الحديديين، والآخر من الجبور أو الَمْستطرقين أو من قرى الَمْوصل أو من غنم التجار التي ترسل إلى سورية. وهكذا لا يفلت أحد من أيدي جباة هذه الضريبة. ولَمْ تزل عشائر شمر في تكاثر وازدياد، منذ استيلاء السعوديين على حائل عاصمة ابن الرشيد، حيث هاجر عدد كبير من عشيرة عَبْدَةَ من نجد إلى الجزيرة في العراق ويؤلف هؤلاء الآن القسم الأكبر من شمر عَبْدَةَ. ومن أشهر رؤساء عَبْدَةَ النازحين إلى العراق الشيخ عقاب العجل، رئيس فرقة الأحية من عَبْدَةَ، وسبب نزوحه وهجرته هو عدم اعتراف شمر بشيخ أو زعيم في حائل إلا إذا كان من آل الرشيد. هذا، وأغلب عشائر منطقة حائل عاصمة ابن الرشيد القديمة من شمر، في الَوْقت الحاضر. قال أبو عبد الرحمن: لي على هذه النصوص تتميمَات واستدراكات على هذا النحو:
أ - ليس من البعيد أن آل محمد لقبوا بآل الجرباء لأن أُمهم أُصيبت بالجدري، إلا أن فارساُ ليس أول من لقب بذلك كمَا زعم يوسف البسام والراوي، لأنني وجدت هذا اللقب مستعملا قبل مولد فارس بن محمد الجرباء بعشرات السنين، فقد ذكر مؤرخو نجد في أحداث سنة 1100هـ قتل عمَار الجرباء. وذكروا في أحداث سنة 1103هـ أو 1104 قتل مصلط الجرباء.
ب - لَمْ يرحل آل الجرباء بسبب الَمْحل، بل رحلَوْا بسبب هزيمتهم أمَام آل سعود كمَا سيأتي بيان ذلك في الأحداث التاريخية. ولَمْ يرحلَوْا بزعامة فارس وإنمَا رحلَوْا بزعامة أخيه مطلق، يصحبه أخوه فارس وقرينيس. ولكن الَمْؤرخين العراقيين لَمْا رأوا أن الإمَارة في ذرية فارس ظنوا أن شمراً رحلت بزعامته. وإنمَا كان فارس زعيمَا قبل ابنه صفوق ولعل من أحفاده فارس الَمْذكور في عهد محمد بن عبد الله بن رشيد.
ج - سكنوا في جزيرة العراق بين ثلاثة أنهر وهي دجلة من الشمَال والشرق والفرات من الجنوب والخابور من الغرب. ونزح قسم آخر إلى جزيرة سوريا جنوب الفرات غربي الخابور. ومشايخ عشائر سنجارة في سوريا أبناء عم آل محمد وتعدادهم في عَبْدَةَ على الأصح الَمْشهور.
د - منذ رحل آل محمد بقوا هناك بقاء استقرارٍ، أمَا عشائرهم فهم لا يزالَوْن رُحلاً بين العراق ونجد، إلا أن أقاربهم الأدنين بقوا هناك، كمَا أن جمهرة عَبْدَةَ بقيت هناك أيضاً، إلا من لَمْ يؤثر العودة إلى جزيرة العراق بعد عودتهم إلى نجد. وعن قصة عودتهم إلى نجد بعد رحيلهم إلى الجزيرة نجد إشارتين: أولاهمَا: في سنة 1224هـ بعد انهزام شمر أمَام الظفير، في جزيرة العراق كاتبوا الإمَام سعوداً فأذن لهم وظهروا إلى نجد.
وأُخراهمَا: سنة 1231هـ بعد قتل زعيمهم بُنَيَّةَ بن قرينيس، جلَوْا من الجزيرة ونازلَوْا قومهم في الجبل.
هـ - ذكر يوسف البسام في النص الآنف الذكر أن فارس الجرباء نزح من جبل شمر، واستوطن بادية الجزيرة في العراق، وذلك بعد أن انقطعت الأمطار مدة طويلة، وعلى أثر نزوح فارس تبعه الكثيرون من شمر واستقروا في العراق وذلك في عهد الإمَام محمد بن سعود وابنه عبد العزيز. ووصف فارساً بأنه آخر آل محمد رئاسة في نجد. قال أبو عبد الرحمن: إنمَا كانت رحلتهم في آخر عهد الإمَام عبد العزيز حيث أجلاهم ابنه سعود، ولَوْلا أنه قال " واستقروا " لقلت: يحتمل أن شمراً رحلت مع فارس بسبب الجدب في عهد محمد بن سعود ثم رحلت جالية في عهد سعود.
و - من الَمْعروف الَمْشهور بين الَمْؤرخين أن زعامة الجبل لآل الجرباء بادية وحاضرة ثم لآل علي ثم لآل الرشيد بيد أن الدكتور العثيمين يأبى ذلك. قال متعقباً الريحاني: ولعله أدق لَوْ قيل: إن الجرباء كان زعيم بادية جبل شمر، لأن إمَارة حاضرة الجبل " حائل " كانت لآل علي قبل انضمَام الَمْنطقة إلى آل سعود. ولَمْ يرتض الدكتور رأي " هوجارث " في قوله بأن عبد الله ابن رشيد زعيمَا لقبائل شمر. ولَمْ يرتض قول الفاخري عن عبد الله بن رشيد " رئيس بادية شمر ". قال أبو عبد الرحمن: حيثمَا أطلق الجبل فإنمَا يراد به سكانه من بادية وحاضرة. وزعامة آل الجرباء للجبل إنمَا هي زعامة لكافة قبائل شمر كزعامة ابن ربيعان مثلا لكافة قبائل عتيبة وكزعامة ابن هادي لكافة قبائل قحطان. وهذا لا يمنع من وجود إمَارة لخاصة الحاضرة، وأن آل الجرباء لا يهتمون بخاصة الحاضرة، إلا أن الرابطة بين الحاضرة والبادية الغارات والَمْغازي والقرابة من ناحية النسب " أو الَوْلاء في الأغلب الأعم ". لهذا فالحاضرة تبع لراية آل الجرباء. ثم تحولت زعامة الجبل بادية وحاضرة من شيخ كافة البادية التقليدي وهو الجرباء إلى أمير خاصة الحاضرة وهو ابن علي. وليس من شرط هذا التحول أن يكون مقراً في عرف مشيخة البادية أو أن تكون قبائل شمر مذعنة لهذا التحول. وإنمَا تم هذا التحول من ولي الأمر الحاكم من آل سعود، فهو الذي اختار أن تكون زعامة الجبل بادية وحاضرة لابن علي، ثم لابن رشيد، بحيث يعتبر من شذ عن هذه الطاعة من قبائل شمر متمرداً. وعلى هذا دلائل: منها أن أمَارة آل علي لَمْ تسبق عهد آل سعود كمَا قال الدكتور العثيمين، فقد بينت في حديثي عن آل علي أن قبيلة شمر دانت للدعوة قبل عام 1178هـ بناء على نص من " لَمْع الشهاب ". ومنها أن الشيخ عقاب بن عجل نزح من حائل لأن شمراً أبت الاعتراف بشيخ أو زعيم في حائل إلا إذا كان من آل رشيد، فهذا دليل على أن ابن رشيد زعيم الكافة من باديته. ومنها أن حاضرة حائل حاربت مطلق الجرباء وباديته وكاتبت الإمَام عبد العزيز تخبره بأن مطلقاً نكث فهذه الأحداث تدل على أن لأمير الحاضرة زعامة رسمية على البادية تطالب بها وتقاتل عليها. ومنها أن قبائل شمر الَمْوجودة بنجد شاركت في غزوات آل سعود، ولَمْ نر الراية معقودة لأحد مشايخ شمر، وإنمَا كانت القيادة لابن علي أو ابن رشيد. وقال الدكتور شفيق الكمَالي تعليقاً على نص ل " دائرة الَمْعارف الإسلامية " في مَادة بلاد العرب حول دفع طيء وزبيد " الخوة " لشمر: أمَا عدم دفع " الخوة " فصحيح، وقد استبدلت " الخوة " حين دخول فارس الجرباء إلى الجزيرة بالَمْصاهرة، فقد زوج ابنه صفوق من عمشة ابنة شيخ طيء، وكان ذلك في حدود عام 1225هـ. قال أبو عبد الرحمن: ولعل تواريخ الحجاز تكشف لنا عن تاريخ الضياغم، فقد رأيت عراراً يذكر الأشراف في شعره، كمَا رأيت العصامي يذكر وقعة بين الأشراف وشمر كمَا يذكر أن الشريف إدريس الذي نافسه ابن عمه محسن يموت في جبل شمر ويدفن بياطب سنة 1033.
ويذكر مصطفى مراد الدباغ أنه من الَمْحتمل أن قرية جربا من عمل جنين في فلسطين وجرباء في شرقي الأردن تنسبان إلى قبائل الجربة الشمرية العراقية نزلتها وطبعت اسمها عليها. قال أبو عبد الرحمن: وليلاحظ أن آل محمد من آل الجرباء دون العكس، وأن آل محمد لا تشمل آل الجرباء وإنمَا تقتصر على ذرية محمد بن سالَمْ الجرباء. وَلِسُؤدُدِ آل الجرباء صارت بادية شمر في العراق تسمى شمر الجرباء. وبقى آل الجرباء على ذكر من أهل نجد يقصدهم الشعراء وينالَوْن منحهم ويستفزع بهم أبناء عمهم في شمَال نجد. وبعكس ذلك وجد في شمر الجزيرة من يتشوق إلى نجد فهذا شاعر من شمر، يتبرم من شيعة العراق ويتشوق إلى حائل فيقول:
ياعَون منْ طَالِعِكْ يا بَرْزَانْ ... ونام بَاشْنَاقِكْ هَني
ياعَون منْ فارِقكْ يَا الْبِرْغُوْثْ ... وفرَاق عَبَّادَةْ علِى
من أحداث آل الجرباء التاريخية
أ - في سنة 1205هـ جهز شريف مكة غالب بن مساعد أخاه عبد العزيز، بجيش اشتركت فيه بعض البوادي، لَمْهاجمة الدرعية، ثم خرج غالب بجيش عظيم، لأمداد أخيه، ثم لَمْا انهزمَا بعد محاصرتهمَا لبلد الشعراء، بدأ سعود بن عبد العزيز يغير على القبائل التي تمردت، وانضمت إلى الشريف، ومن هؤلاء مُطَيْرٍ وشَمَّر، كانوا على الَمْاء الَمْعروف بِالْعُدْوَةِ لشمر، قرب حائل، ورئيسهم حصان إبليس. وقد قصدهم الإمَام سعود في هذا الَمْكان، فهزمهم، وقُتل في الَمْعركة رئيسهم مسعود " حصان إبليس " وسمرة "؟ " الَمْشهور رئيس العبيات من مُطَيْرٍ، وأبو هُليبة من مُطَيْرٍ. وكانت هذه الَوْقعة في آخر ذي الحجة من هذا العام. إلا أن هؤلاء القوم بعد انهزامهم استنفروا بقية قبائلهم، وأرسلَوْا إلى سعود يدعونه للَمْنازلة، وينذرونه بمسيرهم إليه، وكان في مكانه بالعدوة، يقسم الغنائم، فثبت لهم بعد مَا وصلَوْا إليه بزعامة مسلط بن مطلق الجرباء، الذي نذر أن يخترق " صيوان " سعودٍ بفرسه. وقد أرخى مسلط عنان فرسه ليتم نذره، فاختطفه قوم سعود بعد مَا ضربه رجل بعود يشوي به القرص، فطرحه عن جواده، ومن ثم قُتل وأنهزم اتباعه. وكانوا عندمَا قدموا عليه أقبلَوْا مقرنين إبلهم، فثبت لهم سعود وجيشه، وأوقدوا فيهم وفي إبلهم بالرصاص، فلَمْا انهزموا تركوا إبلهم مقرنة بالحبال، فغنم منهم سعود أحد عشر ألف بعير، وأكثر من ألف من الغنم، وتبع أثرهم يومين يأخذ الأموال ويقتل الرجال. وقد كان مطلق الجرباء والد مسلط، يرى التريث في مهاجمة آل سعود، بعد هزيمتهم الأولى بالعدوة، ويقال: إن هذه القصيدة لَمْسلط الجرباء قيلت في هذه الَمْناسبة:
عَدَّيتْ روس مْشَمْرخاتَ الَمْراقيبْ ... رِجْمٍ طويلٍ نايْفٍ مِقْلِحِزِّ
جرَّيْتَ صوتٍ مثل مَاجَرّه الذيْبْ ... أَوْجِسْ ضميري من ضلَوْعي يِنز
خوفي من اللِّيْ روُسهم كالْجعابِيْبْ ... وسيفٍ على غيرَ الَمْفاصِلَ يِجِز
لا صار مَانَاتِي سْواةَ الجلالِيبْ ... بْقَلاَيْعٍ بَايْمَاننا لَهْ نِخِزِّ
احسن تصبَّر واجمل الصبر بالطيبْ ... هذِي حياةٍ كلّ ابوها تَلَزِّيْ
والحر لا صكَّتْ عليه الَمْغاليبْ ... ملزوم عن دار الَمْذلة ينِزِّ
قال أبو عبد الرحمن: البيت الأخير إيذان بالجلاء من جبل شمر، ومَا كان في نية مسلط الجلاء، والأشبه أن يكون هذا الشعر لَمْطلق الجرباء وال مسلط، وهذا مَا حصل بالفعل فبعد هزيمة شمر، وقتل مسلط، رحلت شمر بزعامة مطلق الجرباء إلى العراق، فاستقرت في منطقة الجزيرة وأصبح لها نفوذ قوي هناك. وقال ابن سند بأُسلَوْبه الأدبي العاطفي: وله أيام منها العدوة لسعود بن عبد العزيز عليه، وفي ذلك اليوم قتل ابنه مسلط، وكان شجاعاً هزبراً طاعن ذلك اليوم حتى كف كل رعيل، وقرى كل ذابل وصقيل، كيف ومطلق أبوه ذلك الباسل، ومحمد جده الذي تحامَاه القنابل، وأمَا مطلق فإنه في ذلك اليوم هزم الكتائب، وأروى من دم الفرسان كل سنان وقاضب:
قومٌ إذَا حَرَبُوا فآسادُ الشِّرَى ... وإذا هُمُ أَعْطَوْا فَأَبْحُرُ جُوْدِ
ياعيْن إِنْ مَاتُوا فقد مَاتَ النَّدَى ... فعليهم حُزْناً بِدَمْعِكِ جُودِي
خَاضوا الَوْغَا بصوارم وشياظم ... قُبِّ الْبُطُوْنِ، تَؤُمُّ جَيْشَ " سُعُوْدِ "
فتفرقتْ منه الْكَمَاةُ كَأنَّهمْ ... نَقَدٌ نوافِرُ منْ زَئِيْر أُسُوْدِ
لاَقَاهُمُ الأَسدُ الضُبَارِمُ " مطلقٌ " ... فتعلقوا بشليل كلِّ قَعَوْدِ
فلَمْا ضاقت على سعود الأوهاد والنجود، خان ابن هذال فلَمْ يكن لَمْطلق مجال، فنكص على العقب وهو يطاعن ذلك الجيش اللجب.
كلَمْا كَرَّ على فُرْسَانِهِ ... هربوا منه كَشَاةٍ مِنْ أَسَدْ
مَا رَأَوْا صَيْلَمْةً إلا رَأَوْا ... هَرَباً مِنْهُ وَإنْ كانَ أَسَدْ