و - من الَمْعروف الَمْشهور بين الَمْؤرخين أن زعامة الجبل لآل الجرباء بادية وحاضرة ثم لآل علي ثم لآل الرشيد بيد أن الدكتور العثيمين يأبى ذلك. قال متعقباً الريحاني: ولعله أدق لَوْ قيل: إن الجرباء كان زعيم بادية جبل شمر، لأن إمَارة حاضرة الجبل " حائل " كانت لآل علي قبل انضمَام الَمْنطقة إلى آل سعود. ولَمْ يرتض الدكتور رأي " هوجارث " في قوله بأن عبد الله ابن رشيد زعيمَا لقبائل شمر. ولَمْ يرتض قول الفاخري عن عبد الله بن رشيد " رئيس بادية شمر ". قال أبو عبد الرحمن: حيثمَا أطلق الجبل فإنمَا يراد به سكانه من بادية وحاضرة. وزعامة آل الجرباء للجبل إنمَا هي زعامة لكافة قبائل شمر كزعامة ابن ربيعان مثلا لكافة قبائل عتيبة وكزعامة ابن هادي لكافة قبائل قحطان. وهذا لا يمنع من وجود إمَارة لخاصة الحاضرة، وأن آل الجرباء لا يهتمون بخاصة الحاضرة، إلا أن الرابطة بين الحاضرة والبادية الغارات والَمْغازي والقرابة من ناحية النسب " أو الَوْلاء في الأغلب الأعم ". لهذا فالحاضرة تبع لراية آل الجرباء. ثم تحولت زعامة الجبل بادية وحاضرة من شيخ كافة البادية التقليدي وهو الجرباء إلى أمير خاصة الحاضرة وهو ابن علي. وليس من شرط هذا التحول أن يكون مقراً في عرف مشيخة البادية أو أن تكون قبائل شمر مذعنة لهذا التحول. وإنمَا تم هذا التحول من ولي الأمر الحاكم من آل سعود، فهو الذي اختار أن تكون زعامة الجبل بادية وحاضرة لابن علي، ثم لابن رشيد، بحيث يعتبر من شذ عن هذه الطاعة من قبائل شمر متمرداً. وعلى هذا دلائل: منها أن أمَارة آل علي لَمْ تسبق عهد آل سعود كمَا قال الدكتور العثيمين، فقد بينت في حديثي عن آل علي أن قبيلة شمر دانت للدعوة قبل عام 1178هـ بناء على نص من " لَمْع الشهاب ". ومنها أن الشيخ عقاب بن عجل نزح من حائل لأن شمراً أبت الاعتراف بشيخ أو زعيم في حائل إلا إذا كان من آل رشيد، فهذا دليل على أن ابن رشيد زعيم الكافة من باديته. ومنها أن حاضرة حائل حاربت مطلق الجرباء وباديته وكاتبت الإمَام عبد العزيز تخبره بأن مطلقاً نكث فهذه الأحداث تدل على أن لأمير الحاضرة زعامة رسمية على البادية تطالب بها وتقاتل عليها. ومنها أن قبائل شمر الَمْوجودة بنجد شاركت في غزوات آل سعود، ولَمْ نر الراية معقودة لأحد مشايخ شمر، وإنمَا كانت القيادة لابن علي أو ابن رشيد. وقال الدكتور شفيق الكمَالي تعليقاً على نص ل " دائرة الَمْعارف الإسلامية " في مَادة بلاد العرب حول دفع طيء وزبيد " الخوة " لشمر: أمَا عدم دفع " الخوة " فصحيح، وقد استبدلت " الخوة " حين دخول فارس الجرباء إلى الجزيرة بالَمْصاهرة، فقد زوج ابنه صفوق من عمشة ابنة شيخ طيء، وكان ذلك في حدود عام 1225هـ. قال أبو عبد الرحمن: ولعل تواريخ الحجاز تكشف لنا عن تاريخ الضياغم، فقد رأيت عراراً يذكر الأشراف في شعره، كمَا رأيت العصامي يذكر وقعة بين الأشراف وشمر كمَا يذكر أن الشريف إدريس الذي نافسه ابن عمه محسن يموت في جبل شمر ويدفن بياطب سنة 1033.
ويذكر مصطفى مراد الدباغ أنه من الَمْحتمل أن قرية جربا من عمل جنين في فلسطين وجرباء في شرقي الأردن تنسبان إلى قبائل الجربة الشمرية العراقية نزلتها وطبعت اسمها عليها. قال أبو عبد الرحمن: وليلاحظ أن آل محمد من آل الجرباء دون العكس، وأن آل محمد لا تشمل آل الجرباء وإنمَا تقتصر على ذرية محمد بن سالَمْ الجرباء. وَلِسُؤدُدِ آل الجرباء صارت بادية شمر في العراق تسمى شمر الجرباء. وبقى آل الجرباء على ذكر من أهل نجد يقصدهم الشعراء وينالَوْن منحهم ويستفزع بهم أبناء عمهم في شمَال نجد. وبعكس ذلك وجد في شمر الجزيرة من يتشوق إلى نجد فهذا شاعر من شمر، يتبرم من شيعة العراق ويتشوق إلى حائل فيقول:
ياعَون منْ طَالِعِكْ يا بَرْزَانْ ... ونام بَاشْنَاقِكْ هَني
ياعَون منْ فارِقكْ يَا الْبِرْغُوْثْ ... وفرَاق عَبَّادَةْ علِى
من أحداث آل الجرباء التاريخية
أ - في سنة 1205هـ جهز شريف مكة غالب بن مساعد أخاه عبد العزيز، بجيش اشتركت فيه بعض البوادي، لَمْهاجمة الدرعية، ثم خرج غالب بجيش عظيم، لأمداد أخيه، ثم لَمْا انهزمَا بعد محاصرتهمَا لبلد الشعراء، بدأ سعود بن عبد العزيز يغير على القبائل التي تمردت، وانضمت إلى الشريف، ومن هؤلاء مُطَيْرٍ وشَمَّر، كانوا على الَمْاء الَمْعروف بِالْعُدْوَةِ لشمر، قرب حائل، ورئيسهم حصان إبليس. وقد قصدهم الإمَام سعود في هذا الَمْكان، فهزمهم، وقُتل في الَمْعركة رئيسهم مسعود " حصان إبليس " وسمرة "؟ " الَمْشهور رئيس العبيات من مُطَيْرٍ، وأبو هُليبة من مُطَيْرٍ. وكانت هذه الَوْقعة في آخر ذي الحجة من هذا العام. إلا أن هؤلاء القوم بعد انهزامهم استنفروا بقية قبائلهم، وأرسلَوْا إلى سعود يدعونه للَمْنازلة، وينذرونه بمسيرهم إليه، وكان في مكانه بالعدوة، يقسم الغنائم، فثبت لهم بعد مَا وصلَوْا إليه بزعامة مسلط بن مطلق الجرباء، الذي نذر أن يخترق " صيوان " سعودٍ بفرسه. وقد أرخى مسلط عنان فرسه ليتم نذره، فاختطفه قوم سعود بعد مَا ضربه رجل بعود يشوي به القرص، فطرحه عن جواده، ومن ثم قُتل وأنهزم اتباعه. وكانوا عندمَا قدموا عليه أقبلَوْا مقرنين إبلهم، فثبت لهم سعود وجيشه، وأوقدوا فيهم وفي إبلهم بالرصاص، فلَمْا انهزموا تركوا إبلهم مقرنة بالحبال، فغنم منهم سعود أحد عشر ألف بعير، وأكثر من ألف من الغنم، وتبع أثرهم يومين يأخذ الأموال ويقتل الرجال. وقد كان مطلق الجرباء والد مسلط، يرى التريث في مهاجمة آل سعود، بعد هزيمتهم الأولى بالعدوة، ويقال: إن هذه القصيدة لَمْسلط الجرباء قيلت في هذه الَمْناسبة:
عَدَّيتْ روس مْشَمْرخاتَ الَمْراقيبْ ... رِجْمٍ طويلٍ نايْفٍ مِقْلِحِزِّ
جرَّيْتَ صوتٍ مثل مَاجَرّه الذيْبْ ... أَوْجِسْ ضميري من ضلَوْعي يِنز
خوفي من اللِّيْ روُسهم كالْجعابِيْبْ ... وسيفٍ على غيرَ الَمْفاصِلَ يِجِز
لا صار مَانَاتِي سْواةَ الجلالِيبْ ... بْقَلاَيْعٍ بَايْمَاننا لَهْ نِخِزِّ
احسن تصبَّر واجمل الصبر بالطيبْ ... هذِي حياةٍ كلّ ابوها تَلَزِّيْ
والحر لا صكَّتْ عليه الَمْغاليبْ ... ملزوم عن دار الَمْذلة ينِزِّ
قال أبو عبد الرحمن: البيت الأخير إيذان بالجلاء من جبل شمر، ومَا كان في نية مسلط الجلاء، والأشبه أن يكون هذا الشعر لَمْطلق الجرباء وال مسلط، وهذا مَا حصل بالفعل فبعد هزيمة شمر، وقتل مسلط، رحلت شمر بزعامة مطلق الجرباء إلى العراق، فاستقرت في منطقة الجزيرة وأصبح لها نفوذ قوي هناك. وقال ابن سند بأُسلَوْبه الأدبي العاطفي: وله أيام منها العدوة لسعود بن عبد العزيز عليه، وفي ذلك اليوم قتل ابنه مسلط، وكان شجاعاً هزبراً طاعن ذلك اليوم حتى كف كل رعيل، وقرى كل ذابل وصقيل، كيف ومطلق أبوه ذلك الباسل، ومحمد جده الذي تحامَاه القنابل، وأمَا مطلق فإنه في ذلك اليوم هزم الكتائب، وأروى من دم الفرسان كل سنان وقاضب:
قومٌ إذَا حَرَبُوا فآسادُ الشِّرَى ... وإذا هُمُ أَعْطَوْا فَأَبْحُرُ جُوْدِ
ياعيْن إِنْ مَاتُوا فقد مَاتَ النَّدَى ... فعليهم حُزْناً بِدَمْعِكِ جُودِي
خَاضوا الَوْغَا بصوارم وشياظم ... قُبِّ الْبُطُوْنِ، تَؤُمُّ جَيْشَ " سُعُوْدِ "
فتفرقتْ منه الْكَمَاةُ كَأنَّهمْ ... نَقَدٌ نوافِرُ منْ زَئِيْر أُسُوْدِ
لاَقَاهُمُ الأَسدُ الضُبَارِمُ " مطلقٌ " ... فتعلقوا بشليل كلِّ قَعَوْدِ
فلَمْا ضاقت على سعود الأوهاد والنجود، خان ابن هذال فلَمْ يكن لَمْطلق مجال، فنكص على العقب وهو يطاعن ذلك الجيش اللجب.
كلَمْا كَرَّ على فُرْسَانِهِ ... هربوا منه كَشَاةٍ مِنْ أَسَدْ
مَا رَأَوْا صَيْلَمْةً إلا رَأَوْا ... هَرَباً مِنْهُ وَإنْ كانَ أَسَدْ
فمَا زلَوْا معه على كر وفر، ومضاربة بكل صارم ذكر، حتى سئموا من الَمْضاربة، فرجعوا بصفقة خائبة، ونجا هو وبنو عمه، وباء الخائن بخزيه وإثمه، فأناخ رجاله في بادية العراق، إلى أن اخضر عيشه وراق. ووجدت في كراسات الشيخ منديل هذه الأبيات لزوجة مطلق ترثى مسلطاً وأباه:
ونَّيتْ وَنَّة من شَلَع ضِرْسِه الْقَازْ ... اللِّي صبر لَلْجزْ يَجْذبْ مِنْينِهْ
عليكْ يا حَامِي الَمْظَاهِير، طهْمَازْ ... لَجَّتْ فَرَاقِيْنَ الْعَرَبْ فَاقْدِيْنِهْ
جانا عقابٍ فَرَّقَ الْحُرّ والْبازْ ... وَغَدا بْصَيَّادَ الْحَبَارِي حَثِيْنهْ
الدمع من عيني يِجِيْ فَرْد واجْوَازْ ... والشَّيْب لاح بْقِذْلِتي قَبْل حِيْنِهْ
وقال صاحب " لَمْع شهاب ": ثم إن عرب الشريف الذين كانوا ملتجئين به من بداة نجد تفرقوا عنه راجعين إلى أطراف نجد، فقحطان احتاروا إلى تثليث، وعتيبة إِلى بَرِّيَّةِ مّكَّة كَرُكْبَةَ ومَا يليها، وأمَا مُطَيْر فاحتازوا إِلى أَرض شَمَّر، واتفقوا مع مُطلق الجرباء، وبادية شَمر جميعها التي في الجبل، وصار بينهم أَهل القرى التي في الجبل حرب، فأَرسل أَهلُ الجبل إِلى عبد العزيز بن سعود أَنَّ هذا مُطلق الجرباء نكث، والتجأَتْ مُطَيرْ إِليه فهذا اليوم نحاربه، وكان إِذًا شيخ مطير حسين بن وطبان رجل شجاع، فلَمْا سمع عبد العزيز بهذا الخبر بعث ولده سعود بجيش إِليهم، وعه بعض من عَنَزَةً، وكانوا أضددًا لَمْطَيْر، وعه أَيضاً بَدْو العارض: سُبيْع والعجمَان، وهذه الَمْسيرة أول معاضدته لآل سعود، وشهور شأْنه في جزيرة العرب، ثم صار له صيت كبير، وهذا الجيش يبلغ خمسة آلاف رجل " بواردي " وثمَان مئة فارس، فصبَّحَ عرباً يقال لهم البراعِصَة من مُطَيْرٍ، وزعيمهم اسمه سعود؟ يكنى بحصان الشيطان، أَو بحصان إِبليس، وهو الذي كَنَّى نفسه بهذه الكنية، وهو شجاع معدود، ومعه مئتا فارس من رفقته، فحاربوا سعوداً وقد قتل من فرسانه نفر وقد قتل حصان إِبليس وأَولاده، وأَولاد أَخيه، وأُخِذَت بيوته وأغنامهم، وكانت إِبلهم غائبة في الفلاة. وبعد هذا اشتدَّ الأَمُر على مطلق الجرباء، وحسين الدويش، وضاقت بهم الدنيا وكانا على مَاء يسمى " يا طب " عن حائل ثمَان ساعات، فأَقبلا صائلين على سعود، وعسكروا يريدون منا جزة الحرب معه، فوقعت الحروب بينهم وبين سعود، فَساقَ أولا في وجوههم حتى دفع جموعهم بها، ثم أعقبهم بالخيل والرجال، فقتل ولد مُطلق الجرباء اسمه سلطان، وانهزمت تلك البوادي، وعددهم كثير، فأَخذ أَموالهم وقتل من قتل وأُسر من أُسر، وجملة أمولهم لا تحْصَى عدا، فجلا مُطلق الجرباء إلى العراق من ذلك اليوم.
ب - في رمضان من سنة 1212هـ نازل الإمَام سعود بن عبد العزيز عرباناً كثيرة من عدة قبائل بزعامة مُطلق بن محمد الجرباء في وادي اْلأُبيِّضِ قُرْب السمَاوة بالعراق ومَا كان أَحد يقف أَمَام كَراتِ مُطلق ذكر ذلك ابن بشر وابن سند وقتل قُرَيْنِيْس أَخو مُطلق. وقال ابن سند - كمَا نقلت من أَوراق الشيخ حمد الجاسر غزا سعود بن عبد العزيز بن محمد سعود في سنة 1212 أَطراف بني الَمْنْتَفِق، فصبَّح القرية الَمْعروفة بأَم العباس، فقتل منها وممن حولها خلقاً كثيراً ونهب وحرقَّ، ثم كَرَّ راجعاً وحمود في البادية، فلَمْا بلغه الخبر جَدَّ، في السير ليدركه، كمَا أَدركه، وبعدمَا كَرَّ سعود راجعاً ووصل إلى أَطراف نجد، عطف وأغار في سنته تلك على بادية العراق، وكان مُطلق بن محمد الجرباء نازلاً في بادية العراق، فلَمْا صَبَّحهم سعود فَرَّ من فَرَّ منهم وثبت من ثبت، وقاتل جيش سعود مُطاق الجرباء، فكَرَّ الفرسان مرة بعد مرة، فكلَمْا كَرَّ على كتيبة هزمها، فحاد عن مطاعنته الشجعان، فكان من الله تعالى الذي لا يُرَدُّ أَنه كَرَّ عليهم في بعض كراته فعثرت فرسه في شاة، فسقط من ظهر فرسه فقتل، رحمه الله تعالى - وكان قتله عند سعود من أَعظم الفتوح إِلا أَنه وَدَّ أَسره دون قتله.
ج - في سنة 1231هـ كانت الَوْقعة بين باشا العراق وبين عدة قبائل بزعامة بُنَيَّةَ بن قرَيْنِيْس بن محمد الجرباء، ومعه فارس بن محمد، وكان الباشا قد أَجلاهم عن العراق. فَهُزِمَتْ هذه القبائل بعد قتل زعيمها بُنَيَّةَ في حادثة ممَاثلة لحادثة قتل عمه مُطلق بن محمد، وذلك أَنه لحقه فارسان فأَحسَّ بهمَا أَوْ أَنهمَا دعواه للَمْبارزة، فجذب عنان جواده جَذبةَ منكرةً ليَحرِفهَا عليهمَا، فوقعت الفرس على رأُسها ويديها، وسقطت على ظهرها، فصار تحت السرج والفرس فوقه فأُدركَ وقتل ولَعلَ سبب هذا مَا حدث سنة 1228هـ وهو أَن أَسعد بن سليمَان باشا خاف من عبد الله باشا صاحب بغداد وهرب إلى الَمْنتفق، فلَمْا أَبى حُمُوْدُ بن ثامرٍ زعيم الَمْنتفق وبعد القتال، انحازت شَمَّرُ للَمْنُتفق، وخانت عبد الله باشا، فانهزمت العساكر العراقية. قال أبو عبد الرحمن: والعامَّةُ في نجْد تنطق الجرباء هكذا " الجربا " بدون همزة، وذلك لثقل حرف الهمزة على نطق العامة قال ابن سَنَد: وفي السنة الحادية والثلاثين بعد الَمْئتين والأَلف من الهجرة، له (عدد مَا أحاط به العلَمْ، وتَعَلَّقَت به مِن الَمْمكنات القدرة، قُتلِ بُنَيَّةَ بن قُرَينيْيس الجرباء، وأُتِيَ بِرَاْسِهِ إِلى الَوْزير سعيد. واعلَمْ أَن بُنَيَّةَ عَبَر من الجزيرة لغربي الفرات، عندمَا ولَّى وزارة بغداد سعيد باشا، لَمْا بين عمه فارس وآل عُبَيْدِ من الضغائن، لاسيمَا أَميرهم قاسم بن محمد بن عبد الله بن شاوي الْعبَيدِي، وقد كان سعيد باشا وَلَّى زمَام أَكثر أُمُورِهِ له، فلَمْا بين فارس والَمْذكور لَمْ يستقر في الجزيرة فنزل بعشيرته على خُزَاعة، في تلك السنة، ليكتال، وكان بين الدُّرَيعي الْعَنزيِ الرُّوَيلي - بضم الراء وفتح الَوْاو ولام بعدها ياء النسب - اقتفى أَثره ونزل قريباً منه، وأَرسل إِلى حمود بن ثامر، استنفر، فنفر بفرسان عشيرته لَمْساعدة الدُّرَيْعي، لَمْا بينهمَا من الائتلاف، وكذلك خرج عسكر الَوْزير سعيد، كبيرهم قاسم ابن شاوي، ومعه عُقيل - بضم العين وفتح القاف وسكون الَمْثناة التحتية - وهم عسكر للَوْزير، فقامت الحربُ على ساق وذاذ الفرسانُ، فَقَدَّر الله عليه في بعض كَرَّاتِهِ أَنْ أصابته بندقُ فَخَرَّ من صهوَة فرسه - رحمه الله وإيانا - وقد سمعته ينتسب إلى طيء القبيلة الَمْعروفة الَمْنسوب إليها حَاتِمُ بن عبد الله بن سعد الطائي وابنه عدي بن حاتم الطائي الصحابيُّ الجليل وهذا نص أَدبي، بأُسلَوْب عاطفي انتسخته من أَوراق شيخي حمد الجاسرنقلا عن " مطالع السعود بطيب أَخبار الَوْالي داود " لعثمَان بن سند. قال ابن سند: " د " وفي سنة 1237هـ وقد كان أَرسل والي كَرْمَانَ مقدار أَلف من عسكره للَمْيرة من تلك الأَوطان، فلقيهم صُفُوقُ الجرباء، وقراهم طعناً وضرباً، وسقاهم بدل العْذَابِِ عَذَابأ، وجَرَّعَهم بالسيوف مُرًّا وصاباً، فقتل منهم الكثير، والباقي بين منهزم وأَسير. ثم قال بعد كلام طويل يتعلق بداود باشا: أَخبرني ثقاتُ عدَّة أَنَّ صفوقَ بن فارسٍ الجرباء غزا ابن الشاه، وعبر دِيَالةَ، بفوارس من عشيرته، إلى أَن كان من عسكر ابن الشاه بمرآة، فركب فرسان العسكر لَمْا رأََوه وكَرَّوا عليه، فاستطردهم حتى عبروا دِيالَةَ، وبعدوا عنها، فعطف هو ومن عشيرته ومن الروم عليهم، فأَدبرتِ فرسان العجم، وقفاهم فوارس شَمر، وقتلَوْا منهم من أَدركوا، وأَتوا بخيلهم وسَلَبِهِمْ - ولله الحمد والَمْنة -.وأخبرني غير واحد أَن هذه غير الأُولى التي ذكرها الَمْؤرخ التركي
أُسَرُ آل الجرباء
وبعض مشاهيرهم 4 - بيان أسرهم، والتنويه ببعض أعلامهم قال عبد الجبار الراوي:
قبل تفصيل القول في فروع كل قسم من هذه الأَقسام، نسوق مقدمة عن الأُسرة الشهيرة التي أُلقيت إِليها مقاليد الرئاسة العليا في شَمَّر الجربة. إِن الذين تزعموا هذه العشيرة هم " آل محمد "، وإِذ تكاثروا حتى أَصبحوا جمَاعة بل عشيرة كبيرة، لَمْ نجد بدًّا من ذكر من ينتسب إِلى هذا البيت منذ أَول نشوئه حتى اليوم، منوهين بأَشهر رؤسائهم في الَمْاضي والحاضر: كان أول من رحل من نجد إلى الجزيرة في العراق هو فارس الجربة، فهو إِذن الرئيس الأَول لآل محمد شيوخ شَمَّر في الجزيرة. وقد خلف فارس جمَاعة سُميت باسم آل فارس، واشتهر من هؤلاء صفوق، واشتهر من اولاد صفوق فرحان باشا الَمْشهور، وقد خلف فرحان باشا أَولاداً كثيرين، انقسموا أربعة فروع كل فرع انتسب إلى أُمه " أَي إلى إحدى زوجات فرحان باشا " الأَربع، وهذه الفروع هي: الدرة والجزعة والسرحة والباشات.
الفرع الأول - الدرة
ويقدر هذا القسم مع مواليهم بخمس مئة بيت، وأَشهرهم آل عبد العزيز، وآل فيصل،وآل شلال، وبرز من آل عبد العزيز فرأَس عشائر شَمَّر كلها الشيخ " عَقِيل الياور بن عبد العزيز بن فرحان باشا " رحمه الله، ولاتزال الرئاسة في عقبه
الفرع الثاني - الجزعة ويقدرون مع مواليهم ب500 بيت أَيضاً، وأَشهرهم العاصي، والجار الله، وآل مجِولْ. وقد عاش العاصي " 120 " عامَا، وصار شيخاً لِشَمَّر كلها ثم آلت الَمْشيخة إِلى ولده الهادي في عهده، وهو على قيد الحياة ثم قتل الهادي، وآلت الَمْشيخة إِلى دهام رئيس عشائر شَمَّر القاطنة في سورية الآن.
الفرع الثالث - السرحة
ويقدرون مع مواليهم ب100 بيت، وأشهر رؤسائهم مطلق وهايس وثويني وعبد المحسن وسلطان.
الفرع الرابع - الباشات
وسموا باسم الباشات، لأَنهم لَمْ يفارقوا بيت فرحان باشا حتى وفاته، ويقدرون مع مواليهم ب " 50 " بيتاً، ومنازله الآن في الفرحانية قرب بلد " ناحية تابعة لقضاء سامَراً في محافظة بغداد "، وأَشهر رؤسائهم الحُمَيْدي الذي آلت مشيخة شَمر إليه في العهد العثمَاني، ومِيزر وبندر، وقد توفوا، وأَحمد وزيد، وهمَا حيان يرزقان. وهناك غير هؤلاء ينتسبون إلى آل محمد، مثل: آل عمرو: ويقدرون مع مواليهم ب " 300 " بيت، أَبرزهم زيد العمرو. آل زيدان: ويقدرون مع مواليهم ب " 300 " بيت أيضا. آل فهد: ويقدرون مع مواليهم ب " 30 " بيتاً، وأشهرهم سطام الفهد، ولَمْ تعهد إلى أَحد منهم مشيخة شَمَّر.
الشاعر ابن حطاب.
قال أبو عبد الرحمن: ومن آل الجرباء الذين لَمْ يرحلَوْا إلى الجزيرة السعديون وآل سراح بالجوف، منهم آل سلَمْان من آل حبوب من آل سراح. ومن آل سَرَّاح الشاعر غالب بن حَطَّاب، من شعره قوله يخاطب شَرِيْدَة، خادم مضيفه:
لاَواهَنيِ من نط راسَ الفريدهْ ... وشَافَ الطويلُ وْشَافْ خشْمَ الاَضارِعْ
أَخَيْر عندِي منْ مقابَلْ شِرِيْدَهْ ... مْنَاخَى النَّشَامَى عند قَصْر ابن زراع
ووالده هو الذي يعنيه عُبَيد الرشِيْد بقوله:
يامنْ يبَشِّرْ بِيْ خْلَيْفٍ وْحَطَّابْ ... تَبْشير فِرْعَوْنٍ بْمُوْسَى وهَارُوْن
ووجدت في كراسات الشيخ مِنْديل هذه الأَبيات لحطَّاب، وذكر أَنه قالها وهو في سجن ابن رشيد:
يا موفَّقين الخَيْر يا أهل النجايِبْ ... عَسَى السَّعدْ في نحورهنْ حين تمشونْ
مع النَّقيب ادعْوا طريق الركايِبْ ... والعَصر بَاكِر باللَّقايِطْ تحطُّوْن
تلقون ناصِرْ مثْل حُرَّ الجلايِبْ ... مَاكَرْ ولا عُمْرَ الَمْوَاكِر يبُورُونْ
تلقون فِنْجالٍ من الْبُنِّ رَايِبْ ... زَوْدٍ على اللِّيْ بالَمْناسِفْ يِحِطُّوْنْ
لَوْا على من شَافْ هَاكَ الْخَرَايِبْ ... في سَاعَةٍ يَحْضرْ بها كلِّ ملْعَونْ
ومن شعر غالب بن حطاب قصيدة حدثني بها أبو محمد البازعي - رحمه الله - يقول فيها:
يا الله يا اللي فوقنا معتلِينَّا ... حنَّا ومن يَرْجى ثابك حْذَانَا
حنَّا بْلَيَّا طلبتك مَا بَغَيْنَا ... حِتِّى ايْشْ لَوْجَا زادْنَا مَاهَنَانا
يَا البيْضْ عَدِّنَّ الَمْلاثِمْ علينا ... عدن ملاثمكن ودُوْكنْ لْحَانَا
حِطِّنْ مفاتيلَ الذَّهَبْ في يْدَي ... وتقلدَنْ بسْيُوْفْنَا يانْسَانَا
لاعادْ منْ زَمْلَ الَمْحامِل نشينْا ... وحنَّا علينا حرْدِهِنْ وشْ بَلانَاَ
من عقْب مَانَادَى القبايل وُدِيْنَا ... اليوم لَوْ يَأتي سفيه ودَانَا
ومن عقب مَانَاطَا القبايلْ وُطِيْنَا ... اليومْ بالرجلينْ كِل وَطَانَا
وحدثني أبو محمد البازعي بهذه الأبيات لحطاب:
مَاطِعْتْ شَوْري يومَ انا بالسِّقِفَيةْ ... انْتَ تقول: هْنَا وانا اقولْ هانا
من عقب مَاحِنَّا زَهَاهَا ورِيْفَهْ ... اليوم نَتْنَى مَقْعَد في غدَانَا
ياوَنَّتِى وَنَّةْ مْعِيْدٍ ضعيفةْ ... على ديارٍ خابْرِيْنَهْ ورانَا
لَوْ البكا يَفْرِجْ بكينا " مْنِيْفَةْ " ... الحوطةَ اللِّي شَرَّعوا بَهْ عَدانَا
اليوم تَمْر " الْكَسْبِ " عندي طَريفه ... من عقب مَا ناكل مْذَنِّبِ حْلانَا
أمَا القصيدة التي منها:
تِفِّ على الدّنيا لَوْ بَهْ طربْنَا ... لعادْ فيها عن هوانا نِحيْنَا
فقد نسبها ابن خميس مرة لحطاب، ونسبها مرة لبرغش ابن زيد بن عريعر، ونسبها ابن سيحان لنمر بن عدوان. قال أبو عبد الرحمن: الَمْحقق أنها لابن عريعر، وإنمَا يوجد على وزنها وقافيتها قصيدة لَمْرخان بن دابس - أبو ابن سمحان - الَمْرخان من أهل الجوف يقول فيها:
لاعادْ حِنَّا يوم دَوْرِكْ صبرنا ... وِشْ مِجْزعِكْ مِنْ دَوْرنا يوم جانا
غَرّك زمَان لَلدرَيْعِي غترنا ... بالبوق وِالاَّ بالنَّقا مَا ولانا
حنا ليا ثار الدَّخَنْ وانْتشرنا ... بالْقِنَّبَ الَمْصيْصْ نَمْقِسْ دْلانا
من دُون غَرْسٍ مَا بطَلْعِهْ تِجَرْنَا ... ولا قِيل: صَكَّ البابْ عَمَّنْ نصانا
يا ابو طواري لا تْبَيَّحْ خَبَرْنَا ... عيْبٍ لغاك، وعيب حِنَّا لَغَانَا
حِنَّا لعوراتك ورُمْلكْ سترنا ... وعَيَّتْ على الشِّيْمة سواعِدْ لحانا
ومن شعر غالب بن سراح قوله يرد بها على عبيد العلي الرشيد:
إنْ جيتنا ياعْبَيْد نفتح لك البابْ ... حنَّا نِقِيف وْفِنّ رَبْعِكْ يِخِشُّوْن
الجوف تلقى به خليفٍ وحطابْ ... مَاهم فريق ضعوف عنكم يهجُّونْ
يا عبيْد مَا قصدِك زكاةٍ ونوَّابْ ... هذي بغاضي مَير يا عْبَيْد تَكْمُوْنْ
يا عبيد يوم انّك رفيقٍ لحطَّابْ ... والدَّبْس عند حْسَيْن يِغْرَفِ بْمَاعُوْنْ
مطلق بن محمد الجربا
من أبرز أعلامهم في الجزيرة وسوريا مطلق بن محمد بن سالَمْ الجرباء، الذي تزعم من هاجر معه إلى العراق من الشمريين يصحبه أخوه فارس بعد أن قتل أخوه قرينيس بن محمد وابنه مسلط بن مطلق. قال ابن سند بأُسلَوْبه العاطفي نحو هذا البيت الشريف: هذا ومطلق من كرام العرب، عريق النجار شريف النسب، من الشجعان الفرسان، الذين لا يمتري بشجاعتهم إنسان، له مواقف يشهد له فيها السنان والقاضب، ووقائع اعترف له بالبسالة فيها العدو والصاحب، وأمَا كرمه فهو البحر حدث عنه ولا حرج، وأمَا أخلاقه فألطف من الشمول وأذكى من الخزامى من الأرج، وأمَا بيته فكعبة الَمْحتاجين وركن الَمْلتمسين، جمع البسالة والكرم في ردائه، بحيث نادت ألسنة نظرائه: إنه العلَمْ الفرد، والشمري الذي لا يوقف لكرمه على حد، ولقد والله أعجز من بعده من سراة البادية، بمكارم لا توصف إلا بأنها ظاهرة بادية:
يا بَحْرُ لاَ تَفْخَرْ بمَدِّكَ واقْصِر ... عَنْ أنْ تُضَارعَ حاتِمِيًّا شَمَّريْ
مَا حلَّ في كَفَّيْهِ مَقْسُوْمٌ على ... كلِّ الأنام غَنِيِّهمْ والَمْقْتِر
مَا ثَمَّ مَاثرةٌ سمتْ إلا روى ... مرفوعها عنه لسانُ الأعْصُر
فَفِنَاؤُهُ مَاوى طَرْيد خائف ... وحِبَاؤهُ مَغْنَى مسيف مُعْسِر
وقال عن هجرته: ثم دعته الهمة العربية إلى ارتقاء الَمْناصب العلية، فسار من العراق إلى الشام، وتوجه مع أحمد الجزار إلى البيت الحرام، ثم لَمْا قضى نسكه رجع إلى العراق من مكة محارباً بالبنان والسنان، أُلئك الَمْبتدعة لا باللسان، فبقي في بادية العراق مطاعاً أمره، مشاعاً في الأغوار والأنجاد ذكره، لا يضرب مثلٌ إلا بشجاعته وكرمه، ولا يلَوْذ طريدٌ إلا بساحة حرمه، ولا تستمَاح إلا راحتاه، ولا تُقَبَّلُ إلا يمناه، إلى أن أصابه سهم الحمَام ودرج شهيداً إلى دار السلام. ثم نظم ابن سند هذه القصيدة في مدح مُطلق:
بَكَتْهُ الْعَوَالي والرِّقاقُ الصَّفَائِحُ ... لَدُنْ غابَ منه في الضريح الصَّفَائِحُ
بكى أَجَا مِمَا شَجَاهُ ومَاسَلُ ... وضَجَّتْ ضَجيْجاً بالنَّوَاح الصَّحَاصِحُ
لِرُزْءِ امْريٍْ صلْت جُرَازٍ صَلَنْفَح ... صَبُورٍ إذا اشْتَدَّتْ عليهِ الْفَوَادِحُ
صَفوحٌ سَمُوحٌ مُطْلَقُ الْكَفِّ بالنَّدَى ... كأَنَّ يَدَيْهِ لِلْهَباتِ الَمْفَاتِح
أشمُّ عِصامِيٌّ مِنَ النَّفَر الأُلَى ... فَخَارُهُم كالشَّمْسِ أَبْيَضُ واضِح
سيوفٌ، صَنَادِيْدٌ، عِظَامٌ، أمَاثِلٌ ... ثِمَالٌ لَمْعتَرِّ غُيُوْثٌ مَسَامِحُ
لأَ غْزَرهِمْ مدًّا وأَشَّهَرهمْ عُلىً ... وأَكْبَرهمْ قَدْراً أُتِيح الطوائحُ
فَأُوْدِعَ في بطْن الثَّرى مِنْهُ بَاسِلُ ... عزِيْزُ لَدَيْه مَشْرَفُّي وسَابِحُ
فَمَا أَغْمَضَ الْعَيْنَيْنِ يومَا عَلَى قَذًى ... وَلا رامَ إلا مَاتَرُومُ الَّصفَائِحُ
فتىً كَانَ خَوَّاضًا لِكُلِّ كَتِيْبَةٍإِذَا لَمْ يَخُضْ إِلا الْهِزَبْرُ الصُّمَادِحُ
أُتْيِح لهُ سَهْمُ فَأسْكَنَهُ الَّثرَى ... فَهَا كُلُّ قُطْرٍ فِيْه نَاع ونَائِحُ
فكَادتْ بهِ سَلَمْى تُهَدُّ، وَأَوْحَشَتْ ... مَرَاتِعُ في أَكْنَافِهَا وَمَسَارحَ
أَمُطْلَقُ مَا لِلبَدْو بَعْدَك بَهْجَةٌ ... فهَا هُوَ مِنْ فُرْط الِكآبةِ كالِحُ
وَهَا هُوَ لاَ قَطْرٌ يُرَادُ، ولاَ خِباً ... يُشَاد، ولا خَالٌ من الجُوْدِ سَافحُ
ولا شِيْدَ منْ فَوْقِ الهِضَابِ قِبَابُةُ ... ولا شَمَّ أرواحَ النَّدَى مِنْهُ رائِحُ
لَدُنْ متَّ قَال الْجُوْدُ: هَا أَنَا مَيِّتٌبِمَوْتِ امْريٍْ يَبْكِيْه غَادِ وَرَائِحُ
فَمَا أُسْرجَتْ لَوْلاكَ خَيْلٌ لِغَارَةٍ ... ولا عَشِقَ الأشْعَارَ لَوْلاكَ مَادِحُ
ولاَ تَبِعَ الأَظْعَانُ مثلَكَ سَيِّداً ... نَمَتْهُ إلى الْعَلْيَا الكرامُ الْجَحَاجِحُ
ومَا سَرَّ عَيْشٌ بَعْدَ فَقْدِكَ واحِداً ... تَأَثَّفٌهُ لَوْلاَ نَدَاك الْجَوائِحُ
فلا قَلْبَ إلاَّ فِيْك مُشْتَعِلُ أسى ... ولا طَرْفَ إِلا فِيْهِ جَار وسَافِحُ
َنَمَاك إلى الْغرُ اَلأكَارِمِ طَّيٌْ ... ضَحُوكُ الَمْحَيَّا هَامِرُ الْكَفِّ مَانِحُ
غَيُوْرُ علىَ الْجَارَاتِ لا َمُتَطَلِّعُ ... عَلَيْهَا وََلا للِّسِّر مِنْهُنَّ فَاضِحُ
فَمِنْكُمْ وَفي أَوْصَافِكُمْ يُرْتجَى النَّدَى الْنعَيِمُ ويُسْتَحْلَى الرِّثَا وَالَمْدَايحُ
إذَا مَا أَجَرْتُمْ بالسُّيُوفِ مُطَرَّداً ... تَجَنَّبُهُ مِمَا تَخَافُ الْجَوَارِحُ
وأَصْبَحَ في ظلِّ مِنَ اْلأمْنِ وَارِفِ ... يُراعِيْهِ سَّيافُ وَرَامٍ وَرَامحُ
كَأَنكُمُ لَلَمْعْتَفُيْنَ غَمَائِمٌ ... تَظَلُّ وَهُنَّ الْغَادِيَاتُ الرَّوَاِئُح
فَمَا زَالَتِ الأَعْرابُ تَرْجُو لُحُوقَكُمْ ... وَمَا كَرِيَاح في النَّسِيمِ الَمْرَاوح
وأَيْنَ مِنََ الْهَامَاتِ في الْفَضْلِ أَرْجُلٌ؟ وَأَيْنَ مِنَ الأَدْلِى الْغُيُوْمُ الدَّوَالِحُ؟
فَلَوْلاَكُمُ لَمْ يُطْرِبِ الْبَدْوُ وَالْفَلاوَلاَ طَرِبَتْ لِلْغَزْوِ كُمْتٌ قَوَارِحُ
سَقَى جَدَثَا أَصْبَحْتَ فِيْهِ مِنَ الرِّضَا ... سَحَابٌ مُلِثٌّ مُرْجَحِنُْ وَدَالِحُ
وَلاَ زَالَ مِنْكُمْ من يُؤَمُّ فِنَاؤُهُ ... وَيَغْشَاهُ في الْجُلَّى طَرِيْدٌ وَمَادِحُ
قال أبو عبد الرحمن: قتل في حياة مطلق أخوه قرينيس عام 1212 وابنه مسلط عام 1205.
بُنَيَّةَ بن قرينيس الجرباء
قال أبو عبد الرحمن: لا أدري متى توفى مطلق، وقد تولى الزعامة بعده أخوه فارس، وقد كبر وكان شيخ " الشداد " وقائد الَمْعارك في عهد فارس ابن أخيه بُنَيَّةَ بن قرينيس ابن محمد. قال ابن سند: وبُنَيَّةَ - بضم الَمْوحدة وفتح النون وتشديد الَمْثناة التحتية وهاء تأنيث - من فرسان العرب وكرمَائهم، وكانت له كَعَمِّهِ فارس أيام الَوْزير علي باشا أُبهة عظيمة وصدارة وبُنَيَّةَ هاذا يكاد يضاهي بالبسالة فارس النعامة، ومحطم ابن الأرقم ذا الغزالة، وأمَا الكرم فهو الغيث بل البحر الخضم وأمَا منع الجار بكل رسوب بتار، فهو منه في الذروة، والناس إنمَا يحذون فيه حذوه، وأمَا غض طرفه عن جاراته، فأمر لا يُطمع فيه بمباراته. وأمَا النسب فهو من بيوتات العرب.
تَنْمِيْهِ للشَّرَفِ الْعَاليِ بَنُو ثُعَلأُسْدُ الشَّرَى وسَرَاةُ الْقَادِة الأُوَلِ
النَّازلَوْنَ مِنَ الْبَيْداءِ فَوْقَ رُبًىًوالشَّائِدُوْنَ بُيُوْتَ الْعِزِّ بِاْلأَسلِ
النَّاحِرُو جُزُرَ اْلأَضْيَافِ نَحْرَهُمُأُسْدُ الْعريْن، بمَا سَلَوْا مِنَ النُّصُل
والَمْانِعُو الْجار باْلأَسْيَافِ لاَمِعَةًبَيْنَ الْخَمِيْسَيْن والعَسَّالةِ الذُّبُل
وقال ابن سند: ولَمْا لبُنَيَّةَ من الَمْكارم والشجاعة وارتفاع الصيت وللَمْودة بيني وبينه رثيته ارتجالا ثم ذكر هذه القصيدة:
قَضَى فَلِدَمْعِي في الْخُدُوْدِ سُفُوْحُ ... هِزَبْرٌ عَلَيْهِ الَمْشْرفيٌّ يَنُوحُ
أَغرُّ كَريْمُ النِّسْبَتَيْن مِنَ الأُلَى ... فَخَارُهُمُ كَالنّيِّرَيْن يَلَوْحُ
عَلى مِثْلِهمْ يَبْكِي غَريْبٌ تَطَوَّحَتْ ... بهِ نُوَبٌ مُسْوَدَّةٌ وَبُرُوْحُ
وسارٍ بمَوْمَاةٍ مِنَ الزَّادِ مُقْفِرٌ ... هَدَاهُ إِلَيْهمْ أَنْؤُرٌ وسُرُوْحُ
وَتَبْكِيْهمُ الْحَرْبُ الْعَوَانُ وقَارحُ ... أَقبُّ كَسِرحَان الْفَلاَةِ سَبُوْحَ
كَأَنَّهُمُ لِلْفَضْل في النَّاسِ أَعْيُنٌ ... ولِلَمْجْدِ قَلْبٌ وَالَمْكَارم رُوْحُ
هُمُ الَمْوْقِدُوْنَ النَّار في الْبَدْو، لِلْقِرَىولِلْنَّجْم في لَيْل الشِّتَاءِ جُنُوْحُ
وأَبْيَضَ مِنْهُمْ شَمَّريٌّ بَكَيْتهُ ... نمَاهُ إلَى الأَصْل الأَصِيْل سَمُوْح
وأَرْوَعُ أَمَا جَدُّهُ فَهْوَ حَاتمٌ ... وسَعْدٌ وَأَمَا مَدُّهُ فِسِفًوْحُ
كِأِن النَّدى الطَّبْعِيَّ قَارَنَ رُوْحَهُلَدُنْ قَرّ في الفُلْكِ الَمْكَرَّمُ نُوْحُ
فيا جُوْدَهُمْ إِنْ تَبْكِهمْ تَبْكِ سادةً ... بنَشْرهِمُ بُرْدُ الْفَخَار يَفُوْحُ
وتَبْكِ الأُلَى كَانَتْ بذَوْب نَجيْعِهمْ ... تُدَاوَي قُرُوْحٌ أَعْضَلَتْ وَجُرُوْحُ
فوارس وَصَّاِليْنَ بالْخَطْو بِيْضَهُمْ ... وللأُسْدِ منْ لَمْع السيوف دُنُوْحُ
بَكَيْتُ وَوَاصَلْتُ الْبُكَاءَ سَمَيْدَعاً ... بهِ كُنْتُ أَرْبَابَ الشِّقَاق أَكُوْحُ
بُنَيَّةَ وَالْقَرْم الذِي لَمْ يَزَلْ بهِ ... تَخِبُّ لِدَأْمَاءِ الْحُرُوْب مَرُوْحُ
مَكَرُّ دِمَاءِ الدَّارعِيْنَ كَأَنَّهَا ... غَبُوْقٌ لَهُ في كَرِّهِ وصَبَوْحُ
فقدتُّ بهِ الْبَدْرَ الَّذي غَاضَ مُذْقَضَى ... بحُورٌ لَهَا مِنَ رَاحَتَيْهِ سُفُوْحُ
فَنُحْتُ وأَسْرابُ الدُّمُوْع كَأَنَّهَا ... سحابٌ، وَمَفْجُوْعُ الْكِرَام يَنوْحُ