مَتَّيَات عِقْبِ مَاهِنْ عَسَايفْ ... رَعَنّ عْظَامَ الربْع عام باثَرْ عَامْ
يِبْدِنْ كَلاَم منْ دْمَاغِي طَرَايِفْ ... من رَاس عَوْد صَايْيبِهْ غِشّ وِهْيامْ
يلْفِنْ علَى عَبْد الكريم " ابو نَايِفْ " ... يَاعَلِّ عِزِّهْ دَايْم دبَّ الايَّامْ
يَا شَيْخْ يَا اللِّيْ لَلَمْحَزَّمْ خَلاَيِفْيَا شِبْهِ زِمْلَوْقَ الثّريَّا إلى زَامْ
يَالَوْلَبَ الحُكَّامْ وَافي الْكَلاَيِفْلَوْلاَ عَلَيْكِ مْنَ الَمْثَالَمْ مِثْلاَمْ
أَصْغَيْت رَاسِكْ يَمِّ رَاعِي غَرَايِفْ ... لاقَاعْدٍ عِزِّكِ بْرَاسهْ وَلاَقَامْ
حَطَّاطِ غِلٍّ بَالْقْلَوْبَ النَّظايِفْ ... عَجل عَلَى نَقْلَ الَمْشَالِيْتْ مِيْلاَمْ
الزَّمِلْ غَرَّبْ منكم الْيَوْم خَايفْوِشْ عِلَمْكُمْ يَا مْدَ لِّهَةْ كِلِّ مِرْزَامْ؟
ثَلاَثِ جموعٍ عَايْزَاتَ الَوْصَايف ... متْنَحِّريْن دَار " جَدْعَان " و " ودْهَامْ "
امكنْ تَرَاهَا مَا تْفِيْدَ الْحَسَايفْ ... شَيِّ يفوتَ الْيَوْم عِدِّهِ مْنَ الْعَامْ
قال أبو عبد الرحمن: هذه القصيدة ممَا نقلته من كراسات الشيخ منديل، وذكر عن مناسبتها أن الأحدب وقومه من الثابت من شمر، قتلَوْا غريمَا لهم اسمه ابن درعان، في بيت عبد الكريم الجرباء، فغضب عبد الكريم وأمرهم بالرحيل عنه. إلا أن الشاعر ردهان خشي أن يلجأَ الأحدب وقومه إلى الأعداء، ولَمْ يستطع أن يشير على عبد الكريم في الحال، فاحتالت زوجة عبد الكريم للشاعر بأن فتقت ذرا البيت من كل جانب، وعبد الكريم نائم، فلَمْا أستيقظ أمر بستر البيت وتسويته فقالت: إني كشفت البيت لأجل الأعداء. فلَمْا مهدت له الَمْناسبة قدم مشورته في القصيدة الآنفة الذكر. ووجدت في كراسات الشيخ منديل هذه الأبيات للشيخ عبد الكريم الجرباء بمناسبة طلب " البيه " مفوض الدولة لفرسه الكحيلة وإصراره بأنه سيأخذها بثمن أو غير ثمن.
قال عبد الكريم:
أَرْسَلْتْ لي يْا " بيه " خْطٍّ يُروْعِ ... تَطْلُبْ عَذَابِ مْلاَوْيَاتَ الْفْرُوْع
أَبْغِي إلَى مَا حَضَّبَنَّ الْجُمُوْع ... أَثْنِي عَليْهَا مَع جْمُوْعَ الطَّنَايَا
يَا " بَيْه " مَاهِي قَنبَرٍ بَالصُّحُوْنِ ... هذي " كْحَيلَةْ " مِثْلِ عَنْزَ الْبْدُونِ
أِبِغي إِلَى جَوْا لاَبْتي يِنتِخُونِ ... في سَاعَةٍ حَامَتْ طٌيُورَ الْمَنَايَا
الْبَيْع وَاللهْ مَا نِبِيعَ " الْكْحَيْلَةْ " ... الاَ وَلاَ نِصخِيْ بَهَا رُبعٍ لَيلَةْ
أَبي إلَى مَا سَنَّدوا مَعْ طِوِيْلَةْ ... أَثِني عَلَيْهَا عِنْد تَالي الرَّذَايَا
مَا هَمني " البيه " ولاَ هَم " شريف " ... حِنَّا مْنَزِّحْةَ الْعِدا والْحَفيف
بَالغَصْبْ مَا نِعْطِي عدَالَ الرّغِيْف ... وْعنْدَ الرضَا حِنَّا كْبَارَ الْعَطَايَا
وقال فهد الَمْارك رحمه الله: يقول الأستاذ أدهم الجندي: كنت ذات يوم في نادي الَمْرحوم مشل باشا الجرباء، في دمشق فَسُئِل الشيخ مشل عن أعظم شيء سمعه ورآه من مواقف الشجعان النادرة، فأجاب بقوله: إن أروع وأهم مشهد رآه في حياته هو شجاعة فارس من فرسان قبيلة عَنَزَة.. ويمضي الشيخ مشل في حديثه حسب رواية الراوي إلى أن قال: كنا غزاة من قبيلتنا " أي قبيلة شمر " بقيادة الَمْرحوم عبد الكريم الجرباء، قاصدين غزو قبيلة عَنَزَة، فوجدنا إبلا ترعاها فتاة، فاغتنمناها، اعتقاداً منا أنها لقمة سائغة، وقد لفت انتباهنا نظرة الفتاة الَمْختصة برعاية الإبل، فقد كانت تنظر إلينا نظرة الساخر، أو الَمْستهتر، ومَا كنا نظن أن وراء نظرتها هذه مَا ورائها من سرِّ دَفِيْنٍ. ومَا أن قطعنا مسافة ليست بالبعيدة حتى لحقنا فارس بمفرده وعندمَا دنا منَّا طلب منا " الْحَذِيَّة " أي الهبة كمَا هي العادة الَمْتبعة بحالة كهذه، فالَمْغتنم حسب العرف الَمْتبع يتحتم عليه أن يهب من غنيمته. فيقول مشل: لَمْ نتردد من هبته ناقتين، ظانين أن ذلك كاف له، ولكنه عاد فطلب " الْحَذِيَّة " مرة ثانية فوهبناه ناقتين أيضاً، ثم عاد ثالثة فطلب، فوهبناه عدداً ممَاثلاً، ثم عاد رابعاً يطلب " الْحَذِيَّة " ولكن بلهجة توحي أنه لَمْ يكن مُسْتَجْدِياً، كمَا بدا لنا من الَوْهلة الأولى في طلبه السابق، وإنمَا كان هذه الَمْرة متحدياً، ولذلك برز لَمْنازلته ستة من فرساننا بينمَا نحن نسوق الإبل التي اغتنمناها، فظل برهة يتصارع مع الفرسان بين كرٍّ وفرٍّ، وبعد ذلك لحقتنا أفراس رفاقنا خالية سروجها من فرسانها الذين أبادهم هذا الفارس. فلَمْ يسعنا إلا أن أبرزنا فرساناً أكثر عدداً من السابقين بينمَا ظل البقية منا يسوقون الإبل، ومَا أن أخذنا فترة حتى لحقنا أفراس قومنا الذين كان مصيرهم كمصير سابقيهم. فكانت النتيجة أن أرهبنا الفارس وأدخل في قلب كل منا الرعب، فهربنا تاركين له إبله، مغتنمين السلامة بعد أن قتل منا فتياناً من خيرة فرساننا. وبعد، فقد وجدت السيد الجندي راوي القصة مُندهشاً ل من البطولة التي قان بها الفارس، وبالرغم من أنها بطولة خارقة حقاً، ولكنه مندهش ومعجب في آن واحد من اعتراف الَمْرحوم مشل الجرباء بشجاعة عدوه. ولكنني شخصياً لَمْ استغرب ذلك بحكم معرفتي الراسخة لأخلاق العرب. وستأتي أخبار لعبد الكريم وفرحان في آخر هذا الفصل. وقد مَات عبد الكريم مشنوقاً، شنقه الأتراك في حدود عام 1265هـ. وممن عني بمدح عبد الكريم فجحان الفراوي فمن ذلك قصيدته الَمْيمية. حدثني بها محمد بن يحيان - رحمه الله - ولا أضبط نص لفظه وأملاها علىَّ رضيمَان بن حسين الشمري، ونشر منها ابن بليهد بيتين، وأوردها الشيخ منديل في كتابه قالها عند انتجاعه لعبد الكريم الجرباء، بعد تردده بين أبي بندر طلال بن عبد الله بن رشيد وابن الإمَام عبد الله الفيصل: قال فجحان الفراوي:
أَخَذْتِ ليْ من بَيْنَ الاثِنَيْن سَجَّهْ ... مَا بَيْنَ " ابو بَنْدَر " و " ولْدَ الاِمَام "
منْ عُقْبُهُمْ نَاخِذْ على الْهجْن هَجَّهْ ... لِدْيَار سَمحِينَ الْوجيهَ الْكرَام
لَمْشَاهَدَ " الْجرْبَان " فَرضٍ وحِجَّه ... منْ بدِّ بَنَّايَ الشَّعَرْ والْخِيَام
امَا الْكَرَم صَجهْ وَلَجَّهْ ... مَا احْد مْنَاحِيْهُمْ جنُوبٍ وْشَام
مَنصَايْ هُوْ مَلفَايْ يَومَ اتوَجَّهْ ... عَبْد الكريم اللَّيْثِ غَايَة مَرَامِي
كَمْ وَاحِد جَا مِنْ بِعْيد يسِجِّهْ ... يَبي يشُوْفِكْ يَا بِعْيدَ الْعَلاَم
وَكَمْ مَرِةَّ خَلَّى عَلى الضَّدِّ عَجَّهْ ... بْنمْراً يجرَّة مِثْل وَسْط الكِتِام
تَلْقَى بْقَلْبَ الِّلي يْعَادِيْهِ رَجَّهْ ... منْ خَوْفِتِهْ يحْرَمْ عَلَيْهَ الَمْنَام
وَشِلْف تْوَسِّعْ بَالاَبضاهِرْ مفَجَّهْ ... وْحِدْبَ الظهور اللَّيْ تِقِصَّ العِظَام
عَلَى مهار يَرْعَبَ الْقَلْب عَجَّهْ ... فِرسان يكْدُوْنَ الْعَدُو بَالزِّحَام
آخِرْ كَلاَمِي " لِبُو خَوْذَةْ " مْوَجَّهْ ... شَطَّ الفِراَتَ الَى حَدَتْكَ الَمْظَامِي
يَالله يَاوالي لَمْقادِيْر نَجِّهْ ... حَيْثِهْ كريْم ومْنْ مُوَارثِ كْرَام
ثم قصيدته التي أَملاها عليَّ رُضَيْمَان بن حسين وذكر أَن الفِرَاوي قالها بعد رجوعه من الجرباء ونشرها الشيخ منديل في كتابه. قال فجحان مشيرا إلى أن عبد الكريم الجرباء أعطاه فرسا:
سُوَالْفي عِنْدَ النّشامى طِريْفَهْ ... مَاهِي خَرَابيْط تْعَوِّدْ عَلَى مَاشْ
قَلْبي يحِبّ مْلافْخَاتَ السِّفِيْفهْ ... نوْمَ الْخلا عِنْدِي مَضاريْبْ وفْراشْ
جِبْت الْحْصَان وجِبْت " هَدْبَا " وْريْفهْ صُمَّ الْحَوَافِرْ مِنْ مَرَاكِيْبَ " الاَبْوَاشْ "
مَانابِ مْقابلْهَا تِقِلْ لَوْنِ جيْفَهْ ... لاَ صَارْ غَازْي رحْتِ طرَّاشُ
الشيخ العاصي
ومن أعلام آل الجرباء البارزين أبو الهادي الشيخ العاصي من الجزعة وهو شيخ شمر كلها في الجزيرة. ووجدت في كراسات خطية للشيخ الأمير أحمد بن محمد السديري جمع فيهن أحديات الخيل من الشعر العامي أخبارا تتعلق بالعاصي، وابنه الهادي، فنقلتها هاهنا. وكان الأمير السديري عهد إِليَّ بشرح كتابه فأنهيت الجزء الأول، فلَمْا توفى رحمه الله استرد مني ابنه مشعل أُصول الكتاب، مع مَا شرح منه، ولا أدري مَاذا تم بتلك الأسفار النفيسة. فمن أخبارهم مَا يتعلق بالخلاف بينهم وبين الثابت، وقد بين الأمير السديري - رحمه الله - سبب العداوة بين الهادي والثابت، فذكر أن العرجاني العريفي الظفيري كان جاراً عند مناور بن سوقي شيخ العفاريت من عبدة من شمر، ثم رحل عنهم ورجع بعد سبع سنوات، إلا أنه قبل أن يصل إلى مناور، أغار عليه الهادي ونهب منه رعيتين، وقد اعتذر مناور عن إغاثة العرجاني، لأنه إنمَا كان جاراً له منذ سبع سنوات، إلا أن العرجاني ألح على نجدته وأثار نخوته، وتعلل بأن الهادي أخذه وهو في طريقه إلى الجوار، فثارت النخوة في رأس مناور، وراح يستنجد بمتعب الحدب، وجمَاعته الثابت، فركب متعب لنجدته في ستين فارساً ونزل على الهادي شافعاً في رعيتي العرجاني، بيد أن الهادي رفض وجاهته، فركب الحدب جواده غاضباً، فناداه الهادي متهكمَا: قدامكم الْحُمُر " يعني نياقه "! وهو بهذه الجملة يتحداهم أن يأخذوا نياقه. فاصطف الحدب وجمَاعته صفين يحدون بهذه الأُحدية لشاعر من الثابت:
حِنَّا هَلَ الْجَدْعَا وُكَادْ ... إن اقفنْ واقْبَلَنْ بناَ
حِنَّا ذَرَاكُمْ منْ شِمَالْ ... وْكِلَّ الْحِرَابِ بْجَنْبنَا
يا من يْسَايلْ شَيْخَنَا ... يَارَبْعَنَا وشْ ذَنْبَنَا
ومروا على إبل الهادي الحمر، واستولَوْا عليها. فطلب الهادي جواده، وأهاب بجمَاعته، فبادر والده العاصي بالأمر بربط ابنه الهادي، ووضع الحديد في يديه ورجليه، كمَا أمر بإرجاع رعيتي العرجاني للحدب، مع جمَاعة من الخرصة وبالَمْقابل قام الحدب بإرجاع إبل الهادي. وأمَا الهادي فقد أُغمي عليه من الغضب. ومن هذه الحادثة اشتعلت نار العداوة بين الطرفين، وفي خلال الَمْعارك بينهمَا قتل الهادي، قتله فهد بن شخير الَوْضيحي حفيد الشاعر بصري الَوْضيحي، وقد فر فهد من جزيرة العراق والتجأ عند ابن مُهيد في سوريا، وبقي عنده إلى أن مَات. وبهذا السبب طرد العاصي أبناء عمه الثابت والفداغة، من جزيرة العراق، فالتجأت هاتان القبيلتان عند ضَنَا مَاجد من الفدعان، وكونوا لهم قوة، ثم رحلَوْا ضيوفاً عند العاصي، وصالحوا إلا أن العاصي استثنى منهم الَوْضحان، القتلة الَمْباشرين للهادي، ولا يزالَوْن جالية عند الفدعان إلى الآن. ولعله قبل هذا الظرف قال فهد بن شخير قصيدته التي يخاطب بها الجرباء. قال فهد - كمَا في كراسات الأمير السديري -:
قالَوا: تْسَيِّرْ قِلتْ مَاني مْسَيِّرْ ... يَكْفُوْني الَمِسْيَار فِتْخَانَ الاَيْدِيْ
إِلاَّ انْ يقولَ الشَّيْخ سَيِّرْ وْسَيِّرْوْيعْطِيْنْيَ اللِّيْ مِثْل عِنقَ الْفِريْدِ
ان مَا ذبَحتِ دْهَامْ والاَّ الَمْير ... يَحرم عَلَيَّهْ لاَبْسَاتَ الْحَدِيدِ
وقد رد عليه دلي الَوْمير شيخ الخرصة من ضنا مَاجد من الفدعان من عنزه:
يَا رَاكْبَ اللِّى مَالَهَجْهَا الْحْوَيِّرْحَمْرا طُوَاهَا الْقَفْلْ عُقْبَ الْفِدِيْدِ
يَارَاكْبَهْ وَصَّلْ سَلاَمِي شْخَيِّرْ ... اللِّي بدَعْ بَالشَّيْخْ قَاف جدِيْدِ
ابُوك قبلك مَا ذِبَحَْ كلِّ خَيِّرْ ... غَيْرَ الْقصايدْ مَاذِكِرْ بهْ حَمِيْدِ
نَرْكَب عَلَى مِثْلَ الْحَمَامَ الَمْطَيِّرْيَاطَنْ حَدِيْد وْلِبْسَ اهَلْهنْ حَدِيْدِ
يَامَا وقَعْ بنْحُوْرْهِنْ كلِّ خَيِّرْ ... عَلَيْه سِحْمَانَ الضُّوَاري تِعْيدِ
دهامْ شيْخَ الْقَوْم مَاهُو صْغَيرْ ... فَرْقه عَلَيْكُمْ يَا الَوْضَيْحي بْعِيدِ
ووجدت في كراسات الأَمير السديري - رحمه الله - هذه الأُحدية لحاد من الثابت من شمر يؤكد مقتل الهادي الجرباء:
يَا للِّىْ تْدَوِّرْ لَلقَضَا ... إِنْشِدْ وحنَّا حِرْوتِهْ
سبْعَ الْخَلا وقفْ عَلَيْه ... والسَّبْع يَاكلْ كِلَوْتِهْ
وقد قال العاصي عدة أُحديات في رثاء ابنه الهادي فمن ذلك قوله:
مَرْحُوم يَامَيْتِ لَنَا ... يذْكَرْ لَنَا تَحْتَ الثَّرَى
يَاالْهادِي يَالَيْتكْ تَقُوْمْ ... وتْشُوفِ عِقْبكْ وشْ جَرَى
مْنَاورٍ يَطْلُبْ حَلِيْبْ ... يَبى مْنَ الْحُمْر عَشْرَا
وقال يخاطب الحدب شيخ الثابت بعد قتلهم لابنه الهادي:
يَاوَنة وَنَّيْتَهَا ... مِنْ ضامِريْ يا ابُو عَلِي
يَالِعْن ابُو ... الْحَدَبْ ... لَوْلا الِّردِي يزْري عَلَي
وقال الهادي يرثي ولده الهادي:
يَا الْهَادِي مَا انْسى عَبْرتِكْ ... كُوْد الْجمَلْ يَنْسَى الْهَدِيْرْ
مِنْ عقْب فَقْدِي سِرْبتَكْ ... الُّدنْيَا مِنْ عِقْبكْ تدِيْرْ
يَامَا وقَعْ منْ حَرْبتَك ... رَاسٍ مَعَ السَّرْبَةْ كِبيْرْ
وذكر عبد الجبار الراوي أَن الهادي تولى شيخة الجربان بعد أَن هرم والده فنافيه أَولاد عمه جار الله، فقال العاصي يشجع ولده الهادي:
لِكْ دِيْرة فَيْضَهْ نِعِيمْ ... مِتْعِب والسّيبْ يْريْدَهَا
الَّشيْخ مِثْلكْ مَا يَنَامْ ... يَتْعْبْ عَلَى تَبْريْدَهَا
فقال الهادي يخاطب والده:
أَدْري بها قَبْل تقُولْ ... بنْتِ تْنَسِّفْ عِيْدَهَا
مِفْرَاص بَالَوْدَ الْحَدِيْدْ ... بحْنُوكِ مَنْ يريْدَهَا
وقال يخاطب ابنه الهادي:
يَا الْهْادِي رَبْكْ وَاهَمُوكْ ... رَاحُوا عَلَى نَبْطَ الْعَجَاجْ
ولْد الظِّفِيْري جَهُلَمْ ... حِرٍّ تَوَلَّى لِهْ دِجَاجْ
وقال العاصي:
يا الْهادِي هذي هقْوتي ... مَاهِي هقْوْ خَطْوَ الَوْلَدْ
تِر لاَيتكْ غوشَ الْيمن ... مَاهُم مْجَمَّعْ مِنْ بَلَدْ
يا الْهادي يا طَير الْهداد ... منْ جيْت في وجْهكْ سعدْ
وقال في ابنه البكر:
يا ضَنْوة خَسَرْتِهَا ... مِنْ غَيْر اخو شَاهَةْ فِسَادْ
فيهَ الزعيلي والدُّويْش ... وعْضَيْب خَال امِّهْ وُكَادْ
وقال في ابنه هادي من لحن الَمْسحوب:
يا طَير ياللِّي مَا كركْ بَالطُّويْلَهْ ... بَالْمِسْتِوي مَا بَينَ ابَانَاتِ وسوَاج
مَا يَذْبَح الاَّ كلِّ بَرْقاً جِليْلةْطَيرَ السَّعْدَ دَايِمْ عَلَى الصَّيْدِ مِزْعَاجْ
وقال العاصي يستحث حفيده دهام:
تَرَكْتِ عْيَالِي كلهمْ ... وَانخَاكِ يَا وِلْدُ وْلِدِيْ
مَا كَرْ حَرَارٍ مِنْ حَرَارْ ... مَحْفوظُ وْلاَ عِرْقِكْ رِدِيْ
خَلَّيتِ لْعَبْدَةْ مَرَّتَيْنْ ... والثالْثَة لاِبِنْ جَدِيْ
احْذَرْ، تَنَبَّهْ لا تَنَامْ ... افطَنْ لِحَقِّك لا يْغَدِيْ
وقال العاصي يخاطب حفيده دهام بن الهادي:
يَا دْهَامِ عَبْدَةَ غَرَّبَتْ ... إِقْعِدْ تَحَزَّمْ لا تَنَامْ
عَدُّوْا بِمْنَسِّفْ قِذْلِتِهْ ... الْهَادِي زَيْزُوْمَ الْجَهَامْ
وكان عقيل الياور قبل أن يتولى الَمْشيخة، يكثر الإغارات ويحالفه النجاح، فيوزع الغنائم على بيوت شمر، فخشي العاصي من انتقال الزعامة إليه وانتزاعها من ولده، فقال يستحث ولده حاكم على أخذ الزعامة وهي من لحن الحداء:
اللِّي يبِي شربَ اللبَنْ ... يَنْزلْ عَلَى الْيَاوَرْ عقِيْلْ
كل يَوْم يَاخِذْ لِهْ عَرَبْ ... يُومِي لْشَمَّر بَالشلِيْل
نَازوْعِ يَاخَطْوَ الْوَلَدْ ... مجنعٍ مَال الصَّلِيْل
وذكر الأمير السديري - رحمه الله - أن قبيلتي الثابت والفداغة من سنجارة استنجدت بالباشا برهة، فأغاروا على العاصي، وأخذوا نياقه هبوب فقال العاصي:
هَبُوب تِذْكرْ عِنْدُهُمْ ... حَلُوْبةٍ لَهلْ قناة
لاَبدِّ نَاخِذْ ثَارَهَا ... بْيَوْمٍ يهيْلَ الْمرضِعَاتْ
يَلْزَمْ عَلَيْنَا رَدَّهَا ... فَرْضٍ كَمَا فَرْضَ الصَّلاةْ
وقال العاصي في هذه الَمْناسبة:
هبوب تبغي له مصيف ... تنزحوا عن جوها
تنزحوا يا اهل القناة ... والحرب نشعل ضوها
فقال حاد من سنجارة يرد على العاصي:
يَا الْعَاصِي يَا الرَّاسَ الْكِبيْرْ ... تَبي الْمَرَاجل تَوَّهَا
هَبُوب تَبْغِيْ لَهْ صُبَاحْ ... تَمْشِي وتْخَازرْ بَوَّهَا
وذكر الأمير السديري - رحمه الله - أن متعب الحدب شيخ الثابت التجأ إلى إبراهيم باشا. وإبراهيم باشا أصله من الرولة، وقد سكن العراق، والتف حوله جمَاعة من العربان فهادن الأتراك ومنحوه لقب " باشا ". فقال العاصي بهذه الَمْناسبة:
يَا طَارشٍ يَمَّ الْحَدَبْ ... من ورا كوكب يِدِيْرْ
من عِقْب مِنزَالَ الطَّرَبْ ... يَنْزلْ عَلى خنسْا قِصِيْرْ
يَا حَيْفِ يَا سَبْعَ الْجَنبْ ... يَقْعِدْ لاَ عِنْدِهْ شِويْرْ
وقال العاصي رداً على خزعل أحد عبيد شمر:
يَا عَبْدِ مَا حِنَّا عليْكْ ... عَلى جَارَ اللهْ وَلَوْالدْ
وْعَسْكرْكِ طوعتهم بَالسَّيْفْ ... الْيَوْم وَاَّيامٍ بَعد
وقال العاصي:
جَدِّكْ لِجدَّانِهْ ضِدِيْدْ ... قِدْرَاني، مَاتَّدَان النكادْ
مَادّكِّ بكْ بَرْقَا عَبَاةْ ... طَلْعِكْ بعِيْد بَالْحمَادْ
بْكَ الزعيلى والدُّويْشْ ... وعْضَيبْ خَال أُمك وُكَادْ
قال الأمير السديري: حصل اختلاف بين العاصي وبين مطنى الصديد شيخ الصايح، فانضم آل جار الله من الجرباء إلى الصديد، وانضم ابن حسان شيخ الأسلَمْ إلى العاصي مع أنه معدود من الصديد. فقال العاصي بهذه الَمْناسبة:
ولْدَ الَمْحَزَّمْ عاشره جَدْعَانْ ... كِلِّ يَوْم يَصْفِقْ لِهْ عَرَبْ
الحرْب ثَار وذِبْحِ بهْ شِجْعَانْ ... والْيَوم اخُو شَاهةْ حَرَبْ
قال الأمير السديري - رحمه الله -: كان الثابت عند العاصي على الطعام وقد صالحهم بعد قتلهم لابنه الهادي، وقد أراد العاصي أن يروعهم دون أن يغفر ذمة ضيوفه، فوضع العاصي هذه الأُحدية على لسان بعض أصحابه، وأمره أن ينشدها بعد الطعام بصوت عالٍ:
يَا الْعَاصِي قَطِّعْ رُوْسُهُمْ ... لِعْيُوْنِ مَنْ رِكْبَ الْحِنِيْ
الْهَادِي خِلِّي بَالْمَحَاسْ ... والْجَفْنِ مَا لَجْلَجْ هَنِي
وقال العاصي مخاطباً عُبيد بن شُرَيْعِيب:
يَا عْبَيْد وَيْنَ الاوَلِّيْنْ ... اللِّي صِلِيْبٍ شَوْرُهُمْ؟
اللِّي يِصِكُّوْنَ الْكِمِيْنْ ... وطْعُوْنُهُمْ بِصْدُوْرُهُمْ
إنْ طِعْتُوا شَوْرِي يَاالْحَيِيْنْ ... نحُطكمْ بِقْبُوْرُهُمْ
قال أبو عبد الرحمن: وفي وضع آخر من كراسات الأمير السديري نسب هذه الأحدية لحاد من عنزة بهذه الصيغة:
يَا زَيْدِ وَيْنَ الاوَّلِيْنْ ... اللِّي صِلِيبٍ شُوْرُهُم؟
نَطاحَة وَجْهَ الْكِمْينْ ... وِطْعُوْنُهُمْ بِصْدُوْرُهُمْ
وكان عبيد بن شريعيب الشمري سليط اللسان، يحرض القبائل على أخذ الثأرات، وقد طلب جوار عقيل الياور، فاشترط عليه عقيل أن يترك إثارة الفتن، على أن يجري له أي راتب يريده. فقال عبيد يخاطب عقيلاً:
عَقِيل هَرجِي فِضّةٌ وذِهْبَانْ ... مَا اقُولَ انَا هَرجٍ ضِعِيْفْ
الْحُكْم مَا دام لْبِنِي عِثْمَانْ ... الحكُم للخالِقْ يِقِيفْ
والحُكم قَبْلِك زوَّله سلطانْ ... نَهَجْ مَلَطْ مَالِهْ رِدِيْفْ
واخْوَانِ نوْرةْ تَرَّكوا بَرْزَانْ ... والْبَيْتِ خَلاَّهَ الشِّرِيْفِ
وفي موضع آخر من كراسات السديري وردت الرواية هكذا:
عقيل هرجي فضّة ومرجَان ... ولا حَكَيْنَا حَكْىَ الضعِيْفْ
واخوات نورة دَشّروا بَرْزان ... ......................إلخ
وفي مرة - كمَا ذكر ذلك الأمير السديري - كان الجربان متهيئين لغزو برهة باشا، وبرهة هذا من الكواكبة من الرولة نزل بالعراق، وتزعم عدداً من القبائل، وأعطته الدولة لقب باشا لتأمن جانبه، وتستفيد من نفوذه في تطويع البدو. فلَمْا شعر عبيد بن شريعيب بمسير الجربان طلب منهم أن يأذنوا له بالذهاب إلى أهله عند برهة، وكان قصده أن ينذر برهة لأنه صديق له، فأذنوا له بعد أن أخذوا عليه العهود والَمْواثيق بكتمَان الخبر، وصعب على عبيد أن يخيس بعهده فقال هذه الأحدية ملغزاً:
اللهِ مِنْ دَابٍ دَبَا ... مَا بَيْن ثَوْبي وْصَايِتِيْ
أَقْرَا قْرَايَة مَغْربي ... ولاَ احْدٍ فَهْمِ قْرَاِيتي
بَلاَيْ مَاجَا مِن بعِيْدْ ... أنَا بلاَيِ بْلاَبتي
مَا اقْدَر ابِيحِ بْسِرَّهَا ... يَنْهَدِّ سُوْرِ بْنَايِتيْ
ورغم ترديده لهذه الأحدية فلَمْ يفهمها جمَاعة برهة إلا بعد مَا هزمهم الجربان هزيمة قاسية. وروى الأمير محمد السديري - رحمه الله - أن حكومة تركيا بالعراق أرسلت سرية تبحث عن العاصي، فالتجأ إلى أخيه، واختبأ في سدرة بجانب البيت، وطلب من أخيه أن يوهمهم بأنه الأمير إلى أن هرب العاصي، فلَمْا تكشف الأمر رجعت السرية بدون طائل، فقال عبيد بن شريعيب يتندر بالعاصي:
تَقليطةَ الْعَاصِي لِخوْهْ ... قنية مِتينْ لْبِسِّتُهْ
سطَتْ عَلَى نِحْوٍ شَرَاهْ ... دِهْنُ وْطِحِيْنٍ مَسّتهْ
رقتْ عَلى جْرَابَ الشَّحَمْ ... فَاتَتْ عَليْه وْمَسِّتهْ
يَا حَيْفِ يَا شَيخَ الْجَهَامْ ... " فَصل " من بيته نَسِّتُهْ
زِبَنْ علَى السِّدْرَةْ وَرَاهْ ... شَوْكَ الطوِيلَةْ دَسِّتهْ
وقال العاصي:
عدله شَقَّتْ ثُوْبَه زبُوْنْ ... والدمْع مَلَّي عْيُوْنَهَا
نتْنَى ضَنَا صُبْحِي يِجُوْنْ ... والشيمة مَا يَرْمُوْنَهَا
وقال العاصي:
مَا ارِيدِ حَربْ الْمِرْتِكِي ... غْلَيِّمْ وسْلاَحه قَنَاةْ
نَتْنَى ضَنَا صُبْحِى يِجُوْنْ ... أهْلَ الدّرُوْعَ الْمِبْهَمَاتْ
وقال العاصي:
يَا خشْمِ قِلْ لِلَمِعْتِدِي ... جْرُوح كان انِّكْ نِسِيْتْ
يَصْبِر وْنَاخِذْ ثَارَنَا ... الصبْح مَا هُو بَالْمِبِيْتْ
مِنْ فَوقِ خَيْلٍ مُكْرَمَاتْ ... مِنْ فَوْقِهِن بِعْتُ وْشَرَيْت
وقال العاصي:
مِنْ دَوْرِ سَالِمْ وَالشِّرِيف ... مَا حنَا للِقَاسِي ليانْ
حِنَّا كمَا غِشَّ الْعراق ... نلْحَقْ عَلى طوْل الزَّمَان
وقال العاصي:
الَبيْرَقْ بَيْرق الدَّراتْ ... واليوم بَيرَقْنَا نصَلْ
الحْيل حَيْل ابو عَقِيْلْ ... وْحَيْلي مْنَ الرُّكْبَةْ نصَلْ
الْعَامِ مَشْرُوْبي حَلِيْبْ ... والْيَوم مَاكُوْلي بصَلْ
مِن عُقْبِ ركْبي للاصِيْلْ ... الْيَوْم مَرْكْوبي عَصَلْ
وقال العاصي:
يَا حيْف يَا طَيْرِي غَدَا ... ضَّيعْتِ بَايَّامَ الْهَدَادْ
عنْد الْخليْبِصْ حِروِتِهْ ... وِالا هَلَ الْجَدْعَا وكَادْ
وقال العاصي:
يَا طَارِش يَمَّ الفِدْعَانْ ... مَا يِمِّنِعْ مقدُوْرها
وخيْل السِّيَافا اللِّي تقولْ ... يَامَا لجتوا بنحورها
من دَورْ سَالِمْ والشَّرِيْف ... الخَيلِ حِنَّا نوْرَهَا
وقال العاصي يمدح مسلط بن ملحم شيخ الجبور، لأنه أعانه في حروبه مع الثابت:
ابُو شِبِلْ قَدَّ الْحَرَايِبْ ... مَا دَاوَرَ الْخِيْراتِ عَنَّا
الشِّيْخ هُو عِزَّ الْقَرَايِبْلَوْلاَه والله مَا سَكَنَّا
وقال العاصي:
صِرْتوا لاِبِنْ حَيمى؟ نِحِيْلَة ... اخْسَوْا عَسَاكُمْ لَلذَّهَابْ
مَا مِنْ غْلامٍ يِنْتِبِي لِهْ ... يِمِلِّهْ بَالاَبْهَرْ صُوَابْ
وقال العاصي:
اشقر ذوْيبه عَذبَكْ ... واغواك نَقَّاضَ الْجَعَدْ
بِنت الرِّدِي لا تَأْخْذَهْ ... يِجِيْكِ مِثْلِ ابْوهْ ولدْ
وقال الهادي:
مِنْ دَوْرِ سَالَمْ والشَّريْفْ ... يَا مِتْعِبْ وانْتُمْ حقَّنَا
الصَّايْحِي جَابِهْ بَلاَهُ ... عن الْجَزِيْرَةْ صَدَّنا
وقد أورد الأمير السديري هذه الأحدية في موضع آخر من كراساته منسوبا للعاصي بهذا اللفظ: يا متعب وانتم عزنا قال الراوي: فهذه عشيرة شمر الجربة بالعراق قد عقد لَوْاء الَمْشيخة فيهل إلى الهادي وابوه العاصي حي، وإلى عقيل الياور وأبوه عبد العزيز حي.
قال أبو عبد الرحمن: هو عقيل بن عبد العزيز بن فرحان ابن صفوق بن فارس بن محمد بن سالَمْ الجرباء.
توفى سنة 1940م ولاتزال الرئاسة في عقبه في 14 تشرين الثاني. ومن أخبار الجربان التي لا أُحقق زمَانها حادثة سجلها أحد شعراء شمر بالجزيرة علي بن سريحان أوردها فهد الَمْارك - رحمه الله - وذكر أنها في رثاء ظاهر الجرباء الذي قتله ابن عمه فهد الجرباء:
بالله عَلَيْك بْجَاهَتِكْ يَا خَلَوْج ... لاتَقْطِعِيْن قْلَوْب نَاسٍ مْرنِّيْن
انتِ غَدَا لك حَاشْي تِقِلْ بُوْجِي ... اللِّيْ إلَى طَبَّ الَمْبِيْعَةْ بْعِشِريْن
وَانَا غَدَا ظاهِرْ وسِيْعَ الْفْجُوْج ... اللِّيْ بْبَيْتِهْ يَشْبعُوْنَ الَمْساكِيْن
خريصات؟ فَوْق الْخَيْل مِثْلَ الْبْرُوْجِ ... على الْكِمِين وْغَالْى الْعُمْر مُرْخِيْنْ
وذكر الَمْارك أن ممثلي قبيلة شمر الفرات من أُسرة الجربان في كل من البرلَمْانين السوري والعراقي في الحين الذي يكون فيه انتخاب في القطرين. وذكر الَمْارك مَا يتعلق بزيد بن عمرو الجرباء الذي نزح مع بعض جمَاعته من الفرات إلى الأراضي التركية الَمْتاخمة للحدود السورية عام 1350هـ. وعن إحدى معارك شمر وعنزة قالت مُوَيْضِي البرازية مفتخرةً ببلاءِ قومها الَمْطران:
وَاقْفَنْ بَالْجُرْبَانْ مِثْلَ الْعَفارَى ... والشَّيْخ صابهْ مِطْرَقٍ شقّ لاَحِيْهْ
نفوذ آل الجرباء في العراق
وعن نفوذ آل الجرباء في العراق قال كحالة نقلا عن جونز: جربة شمر من عشائر العراق التي كان يمتد نفوذها إلى شمَالي أرض مَا بين النهرين من شمَال سنجارة ونهر الخابور إلى الصقلاوية غربي بغداد وفي بعض الأحيان إلى الحي. وقد وصف هذه العشيرة جيمس فيلكس جونز سنة 1853م بقوله: وهم يمثلَوْن الرعب بالنسبة إلى السلطات التركية وللأهلين، ويعيشون في البرية والقفار، وفي الَمْناطق التي تبدو غير مَاهولة، ولا ترغب السلطات في الاستحواذ عليها، حيث ينطلقون منها في أعمَال غزو ينهبون فيها كل مَا تصل إليه أيديهم، حتى يصلَوْن إلى أبواب الَمْدينة في بغداد، ولَمْا عجزت السلطات التركية عن صدهم، فقد رضيت في الأخير أن تدفع إلى زعيمهم راتباً شهرياً لكي يضمنوا ولاءه، وبالرغم من تلك الاتفاقية حصل في بعض الأحيان نهب وسلب صغيرة. وقال عبد الجبار الراوي:
لَمْ تكن للحكومة العثمَانية على امتداد سلطانها ورقعة البلاد التي تديرها أية سيطرة تذكر على البادية، ففي كل هذا الحكم كنت ترى مثلاً عشائر شمر تنتقل في الجزيرة بين الخابور ودجلة والفرات، وكل مَا فعلته السلطات آنذاك أنها نصبت شيخين أحدهمَا " بداوة " يسير مع عشيرته وينتقل معها والاخر " مدينة " مركزه بين بغداد والَمْوصل، وبذلك يكون قريباً من السلطات ليستعينوا به على الإدارة البدوية، والأول ينتخب من الشيوخ الشجعان الكرمَاء الَمْوفقين بالغزو أمَا الاخر فيكون من أصحاب الَوْجاهة ولين العريكة، ولكن الشرط فيهمَا أن يكون كلا الشيخين من آل محمد لأنهم بيت الَمْشيخة، وبيت الَمْشيخة وقف على آل محمد، وهذا مَا فصلناه في الجزء الثاني من هذا الكتاب. ومرد ذلك إلى أن معظم أهل الَمْوصل أهل بغداد يعرفون آل محمد شيوخ شمر الجربة وهم أولاد فرحان باشا. وكثيراً مَا كانت الحكومة العثمَانية تغضب عليهم، أو تهددهم. وقد حدث مرة كمَا نوهت في فصل آخر أن أحد الَوْلاة غضب على أحد الشيوخ وكتب إليه كتاباً مهدداً إياه، اختتمه بقول ابن الَوْردي:
جانبِ السلطانَ واحْذرْ بَطْشَهُ ... لا تخاصمْ مَنْ إذا قَالَ فعلْ
فأجابه الشيخ مستعطفاً إياه، مردداً في ختام رسالته إليه قوله:
جانبِ السلطانَ واحْذرْ بَطْشَهُ ... لا تخاصمْ مَنْ إذا شَدَّ رَحَلْ
والحكم العثمَاني لَمْ يقتصر على اتخاذ طريق الَمْشيخة وسيلة للسيطرة، بل إنه أنشأ قلاعاً للجند لتكون مركز قوة لفرض النفوذ تسير منها قوات كبيرة بين آونة وأُخرى، وهذا مَا حدث يوم سارت حملة كبيرة من تلك الأمَاكن على شمر حين عاث شيخها عبد الكريم الجربة فساداً في منطقة الَمْوصل، فألقت القبض عليه وشنقته على رأس جسر الَمْوصل، وقد عرف اعتداء شمر وشيخها بالَمْوصل آنذاك باسم " خراب عبد الكريم "، وذلك يرجع إلى مَا قبل مئة وثلاثين عامَا تقريباً، ولا بد أن نذكر في هذا الصدد أن الَمْوصل أصابها خراب على يد اثنين أحدهمَا عبد الكريم الجربة قديمَا، وثانيهمَا عبد الكريم قاسم حديثاً، وهمَا باسم واحد مع اختلاف اللقب، ورغم الَوْسائل التي اتبعها الحكم العثمَاني، بقيت عشائر شمر تغزو عشائر عنزة وعلى الأخص بالشامية ممَا سبب الفوضى والتعدي على القرى والطرق التي يمر عليها الغزو، والَمْعابر التي يعبر منها على نهر الفرات ومَا زلت أذكر أيام الطفولة في راوة تلك الغزوات الكثيرة وكيف كانت الرمَاح الطويلة تملأُ واديها، إذ كان البدو يتخذون الَمْعابر والَمْخاضات في راوة وجوارها مسرحاً لهم، ومَا زلت أذكر أسمَاء الرجال الشجعان الذين كان يتردد ذكرهم ممن كانوا يقودون الغزو ومَا كان بينهم من منافسة، ولا سيمَا من عائلة الَمْشيخة أمثال منيف ونايف ونواف أولاد جار الله والهادي بن العاص، الذين كانوا يتنافسون على الَمْشيخة في الجزيرة، حتى بلغ بهم الأمر حد الاقتتال واغتيال بعضهم بعضا، وكان الأباء آنذاك يشجعون أولادهم على تولي الَمْشيخة ويحثونهم عليها، لقد كان العاصي يردد لَوْلده الهادي:
الشَّيخْ مِثْلِكَ مَا يَنَامْ ... يَسْعَى عَلى تَبْريْدَهَا
كمَا كان يمتدحه دون إخوته بقوله: " يا ظنية بعد أبو شاته فساد ". واستمر الحال بين العشائر البدوية يغزو بعضها بعضا، ويتقاضون بذلك تفاخرهم بعاداتهم التي جاء الإسلام قبل 1390 سنة فحاربها وندد بها واعتبرها عصبية جاهلية إلا أن ذلك لَمْ يلق أي أثر على البدو، فأنه يروى أن فرحان باشا مر يومَا بقرية تدعى " الَمْشاهدة " فرأى رجالها وقد امتلأت أجسامهم وضخمت قامَاتهم، فقال لهم: لَمْاذا لا تغزون؟ فقالَوْا له: لا نعرف، فقال لهم: اغزوا من هو أطقع منكم. وقال: أمَا في الشمَال في منطقة الَمْوصل، فقد ألف بيرق لشيخ شمر دهام الهادي إلا أن هذا البيرق لَمْ يكتب له النجاح، وبعد إنشاء الحكم الأهلي ألفت الحكومة بيرقاً في الشمَال لشيخ شمر الشيخ عقيل الياور وقد انتخب حديثاً، ولَمْ يقبل أن يكون بيرقة بإمرة ضابط بريطاني، فاختارت الحكومة مؤلف هذا الكتاب قائداً لهذا البيرق في 2021922.