"ما يقرأ به الأئمة حرف واحد من الأحرف السبعة":
وإذا كان المصحف، بلا اختلاف كتب على حرف واحد من الأحرف السبعة التي نزل بها القرآن، على لغة واحدة، والقراءة التي يقرأ بها لا يخرج شيء منها عن خط المصحف، فليست هي إذا هي السبعة الأحرف، التي نزل بها القرآن كلها.
ولو كانت هي السبعة كلها، وهي موافقة للمصحف لكان المصحف قد/2 ي كتب على سبع قراءات، ولكان عثمان "رضي الله عنه"، قد أبقى الالختلاف الذي كرهه، وإنما جمع الناس على المصحف، ليزول الاختلاف.
فصح من ذلك أن الذي يقرأ به الأئمة، وكل ما صحت روايته مما يوافق خط المصحف، إنما هو كله حرف من الأحرف السبعة التي نزل بها القرآن، وافق لفظها، على اختلافه، خط المصحف، وجازت القراءة بذلك، إذ هو غير خارج عن
خط المصاحف التي وجه بها عثمان إلى الأمصار، وجمعهم على ذلك.
وسقط العمل بما يخالف خط المصحف من الأحرف السبعة، التي نزل بها القرآن بالإجماع على خط المصحف.
فالصحف كتب على حرف واحد، وخطه محتمل لأكثر من حرف. إذ لم يكن منقوطا، ولا مضبوطا. فذلك الاحتمال الذي احتمل الخط هو من الستة الأحرف الباقية، إذ لا يخلو أن يكون ما اختلف فيه من لفظ الحروف، التي تخالف الخط:
إما هي مما أراد عثمان، أو مما لم يرده إذ كتب المصحف.
فلا بد أن يكون، إنما أراد لفظا واحدا أو حرفا واحدا، لكنا لا نعلم ذلك بعينه، فجاز لنا أن نقرأ بما صحت روايته، مما يحتمله ذلك الخط لنتحرى مراد عثمان "رضي الله عنه"، ومن تبعه من الصحابة وغيرهم.
ولا شك أن ما زاد على لفظ واحد في كل حرف اختلف فيه، ليس مما أراد عثمان. فالزيادة لاد أن تكون من الأحرف السبعة، التي نزل بها القرآن. فإن لم تكن كذلك، وقد صح أن عثمان لم يردها كلها إذ كتب المصحف، إنما أراد حرفا
واحدا، فهي إذا خارجة عن مراد عثمان، وعن السبعة الأحرف.
والقراءة بما كان هكذا خطأ عظيم، فمن قرأ القرآن بما ليس من الأحرف السبعة، وبما لم يرد عثمان منها، ولا من تبعه إذ كتب المصحف فقد غير كتاب الله وبدله، ومن قصد إلى ذلك فقد غلط.
وقد أجمع المسلمون على قبول هذه القراءات، التي لا تخالف المصحف.
ولو تركنا القراءة بما زاد على وجه واحد من الحروف، لكان لقائل أن يقول:
لعل الذي تركت هو الذي أراد عثمان، فلا بد أن يكون ذلك من السبعة الأحرف، التي نزل بها القرآن على ما قلنا.
"ليست قراءة كل قارئ من القراء السبعة، هي أحد الحروف السبعة":
فأما من ظن أن قراءة كل واحد من هؤلاء القراء، كنافع وعاصم وأبى عمرو[1]، أحد الحروف السبعة التي نص النبي "صلى الله عليه وسلم" عليها، فذلك منه غلط عظيم؛ لأن فيه إبطالا أن يكون ترك العمل بشيء من الأحرف السبعة، وأن يكون عثمان ما أفاد فائدة. بما صنع من حمل الناس على، /[2]ش مصحف واحد وحرف واحد. ويجب منه أن يكون ما لم يقرأ به هؤلاء السبعة متروكا، إذ قد استولوا على السبعة الأحرف عنده، فما خرج عن قراءتهم فليس من السبعة عنده.
ويجب من هذا القول: أن نترك القراءة بما روى عن أئمة هؤلاء السبعة من التابعين والصحابة مما يوافق خط المصحف، مما لم يقرأ به هؤلاء السبعة.
ويجب منه ألا تروى قراءة عن ثامن فما فوقه؛ لأن هؤلاء السبعة عند[2]معتقد هذا القول، قد أحاطت قراءتهم بالأحرف السبعة. وقد ذكر الناس من الأئمة في كتبهم أكثر من سبعين
[1]سبقت الترجمة لهم.
[2]في الأصل "عن" وما أثبته هو ما يقتضيه السياق.
ممن هو أعلى رتبة، وأجل قدرا من هؤلاء السبعة.
على أنه قد ترك جماعة من العلماء في كتبهم في القراءات ذكر بعض هؤلاء السبعة واطرحهم:-
قد ترك أبو حاتم[1]وغيره ذكر حمزة[2]، والكسائي[3]وابن عامر[4]، وزاد نحو عشرين رجلا من الأئمة ممن هو فوق هؤلاء السبعة.
[1]هو أبو حاتم السجستاني، سهل بن محمد عثمان إمام البصرة في النحو والراءة واللغة والعروض، عرض على يعقوب الحضرمي، وروي عن الأصمعي، وسعيد بن أوس، توفي سنة خمس وخمسين ومائتين "طبقات القراء: 1-320".
[2]هو حمزة بن حبيب الكوفي التميمي، مولاهم الزيات أحد القراء السبعة ولد سنة ثمانين، وكان شيخه الأعمش إذا رآه مقبلا يقول: هذا حبر القرآن توفي سنة ست وخمسين ومائة "طبقات القراء: 1-62".
[3]هو علي بن حمزة بن عبد الله الأسدي، مولاهم وهو من أولاد الفرس من سواد العراق، أبو الحسن الكسائي، الإمام الذي انتهت غليه رياسة الإقراء بالكوفة بعد حمزة الزيات، أخذ القراءة عرضا عن حمزة وعليه اعتماده، وعن محمد بن أبي ليلى، وأبي بكر بن عياش، توفي سنة تسع وثمانين ومائة "طبقات القراء 1-535".
[4]هو عبد الله بن عامر اليحصبي، إمام أهل الشام في القراءة، وإليه انتهت مشيخة الإقراء بها، أخذ القراءة عرضا عن أبي الدرداء، وقيل عرض على عثمان نفسه. ولد سنة ثمان من الهجرة، وتوفي بدمشق يوم عاشوراء سنة ثمان وعشرين ومائة. "طبقات القراء: 2-106".
وكذلك زاد الطبري[1]في كتاب القراءات له على هؤلاء السبعة نحو خمسة عشر رجلا.
وكذلك فعل أبو عبيد[2]، وإسماعيل القاضي[3].
فكيف يجوز أن يظن ظان أنهؤلاء السبعة المتأخرين قراءة[4]كل واحد منهم أحد الحروف السبعة، التي نص عليها النبي "صلى الله عليه وسلم"؟ هذا خطأ[5]عظيم.
[1]هو محمد بن جرير بن يزيد الإمام، أبو جعفر الطبري الآملي البغدادي أحد الأعلام وصاحب التفسير والتاريخ والتصانيف، ولد بآمل طبرستان سنة أربع وعشرين ومائتين ورحل لطلب العلم، وله عشرون سنة. توفي سنة عشر وثلاثمائة.
طبقات القراء: 2-106".
[2]هو أبو عبيد القاسم بن سلام الخراساني الأنصاري، الحافظ العلامة صاحب التصانيف في القراءات والحديث والفقه واللغة والشعر، أخذ القراءة عن الكسائي وغيره توفي بمكة سنة 214 عن ثلاث وسبعين سنة "طبقات القراء 2-17".
[3]هو إسماعيل بن إسحاق بن إسماعيل بن حماد القاضي، أبو إسحاق الأزدي البغدايد مشهور كبير ولد سنة تسع وتسعين ومائة، وروى القراءة عن قالون، وصنف كتابا في القراءات جمع فيه قراءة عشرين إماما، وروى القراءة عنه ابن مجاهد وابن الأنباري -توفي فجأة وقت العشاء لثمان بقين من ذي الحجة، سنة اثنتين وثمانين ومائتين ببغداد "طبقات القراء: 1-160".
[4]قراءة: بدل من هؤلاء.
[5]الأصل: هذا "فخلف"، والسياق يقتضي ما أثبتناه..
أكان ذلك بنص من النبي "صلى الله عليه وسلم"، أم كيف ذلك؟!
وكيف يكون ذلك والكسائي، إنما ألحق بالسبعة بالأمس في أيام المأمون[1]وغيره كان السابع -وهو يعقوب الحضرمي[2]فأثبت ابن مجاهد[3]في سنة ثلاثمائة، أو نحوها الكسائي[4]في موضع يعقوب5؟
وكيف يكون ذلك والكسائي، إنما قرأ على حمزة[6]وغيره، وإذا كانت قراءة حمزة أحد الحروف السبعة، فكيف يخرج حرف آخر من الحروف السبعة، وكذلك إلى وقتنا هذا.
[1]المأمون الخليفة العباسي ابن هارون الرشيد.
[2]هو يعقوب بن إسحق بن زيد أبو محمد الحضرمي، مولاهم البصري أحد القراء العشرة، إمام أهل البصرة ومقرئها، قال أبو حاتم السجستاني: هو أعلم من رأيت بالحروف والاختلاف في القرآن وعلله ومذهبه، ومذاهب النحو، كذلك كان والده وجده، مات سنة خمسين ومائتين وله ثمان وثمانون سنة "طبقات القراء 2-286".
[3]هو أحمد بن موسى بن العباس بن مجاهد التميمي، الحافظ الأستاذ أبو بكر ابن مجاهد البغدادي شيخ القراء، وأول من سبع السبعة، ولد سنة خمس وأربعين ومائتين بسوق العطش ببغداد، وتوفي سنة أربع وعشرين وثلاثمائة "طبقات القراء 1-139".
[4]سبقت ترجمته.
5 سبقت ترجمته.
[6]سبقت ترجمته.
وكذلك يلزم أن تكون قراءة كل واحد من أئمة حمزة أحد الحروف السبعة، فتبلغ الحروف السبعة على هذا إلى أكثر من سبعة آلاف.
وكذلك أبو عمرو[1]إنما قرأ على ابن كثير[2]وغيره.
وقراءة ابن كثير عند هذا الظان أحد الحروف السبعة، وقراءة أبي عمرو كذلك، فيجب أن تكون قراءة من قرأ على أبي عمرو وغيره، أحد الحروف السبعة.
وكذلك من قرأ عليه ابن كثير قراءته أحد الحروف السبعة؛ لأنهم كلهم يختلفون في قراءاتهم وروايتهم. وهذا تناقض /3ي ظاهر.
وأيضا فإن هؤلاء السبعة قد روى كل واحد منهم عن جماعة لم يختص واحد بعينه، وروى عنه جماعة، فيجب أن تكون قراءة كل من روى عنه باختلاف أحد الحروف السبعة، فيبلغ عدد الحروف السبعة إلى ما لا يحصى.
[1]سبقت ترجمته.
[2]هو عبد الله بن كثير بن المطلب القرشي بن عبد الدار، إمام أهل مكة في القراءة، ولد بمكة سنة خمس وأربعين، ولقى بها عبد الله بن الزبير، وأبا أيوب الأنصاري، وأنس بن مالك، وروى عنهم، توفي سنة عشرين ومائة.
"انظر طبقات القراء 1-443".