وكذلك زاد الطبري[1]في كتاب القراءات له على هؤلاء السبعة نحو خمسة عشر رجلا.
وكذلك فعل أبو عبيد[2]، وإسماعيل القاضي[3].
فكيف يجوز أن يظن ظان أنهؤلاء السبعة المتأخرين قراءة[4]كل واحد منهم أحد الحروف السبعة، التي نص عليها النبي "صلى الله عليه وسلم"؟ هذا خطأ[5]عظيم.
[1]هو محمد بن جرير بن يزيد الإمام، أبو جعفر الطبري الآملي البغدادي أحد الأعلام وصاحب التفسير والتاريخ والتصانيف، ولد بآمل طبرستان سنة أربع وعشرين ومائتين ورحل لطلب العلم، وله عشرون سنة. توفي سنة عشر وثلاثمائة.
طبقات القراء: 2-106".
[2]هو أبو عبيد القاسم بن سلام الخراساني الأنصاري، الحافظ العلامة صاحب التصانيف في القراءات والحديث والفقه واللغة والشعر، أخذ القراءة عن الكسائي وغيره توفي بمكة سنة 214 عن ثلاث وسبعين سنة "طبقات القراء 2-17".
[3]هو إسماعيل بن إسحاق بن إسماعيل بن حماد القاضي، أبو إسحاق الأزدي البغدايد مشهور كبير ولد سنة تسع وتسعين ومائة، وروى القراءة عن قالون، وصنف كتابا في القراءات جمع فيه قراءة عشرين إماما، وروى القراءة عنه ابن مجاهد وابن الأنباري -توفي فجأة وقت العشاء لثمان بقين من ذي الحجة، سنة اثنتين وثمانين ومائتين ببغداد "طبقات القراء: 1-160".
[4]قراءة: بدل من هؤلاء.
[5]الأصل: هذا "فخلف"، والسياق يقتضي ما أثبتناه..
أكان ذلك بنص من النبي "صلى الله عليه وسلم"، أم كيف ذلك؟!
وكيف يكون ذلك والكسائي، إنما ألحق بالسبعة بالأمس في أيام المأمون[1]وغيره كان السابع -وهو يعقوب الحضرمي[2]فأثبت ابن مجاهد[3]في سنة ثلاثمائة، أو نحوها الكسائي[4]في موضع يعقوب5؟
وكيف يكون ذلك والكسائي، إنما قرأ على حمزة[6]وغيره، وإذا كانت قراءة حمزة أحد الحروف السبعة، فكيف يخرج حرف آخر من الحروف السبعة، وكذلك إلى وقتنا هذا.
[1]المأمون الخليفة العباسي ابن هارون الرشيد.
[2]هو يعقوب بن إسحق بن زيد أبو محمد الحضرمي، مولاهم البصري أحد القراء العشرة، إمام أهل البصرة ومقرئها، قال أبو حاتم السجستاني: هو أعلم من رأيت بالحروف والاختلاف في القرآن وعلله ومذهبه، ومذاهب النحو، كذلك كان والده وجده، مات سنة خمسين ومائتين وله ثمان وثمانون سنة "طبقات القراء 2-286".
[3]هو أحمد بن موسى بن العباس بن مجاهد التميمي، الحافظ الأستاذ أبو بكر ابن مجاهد البغدادي شيخ القراء، وأول من سبع السبعة، ولد سنة خمس وأربعين ومائتين بسوق العطش ببغداد، وتوفي سنة أربع وعشرين وثلاثمائة "طبقات القراء 1-139".
[4]سبقت ترجمته.
5 سبقت ترجمته.
[6]سبقت ترجمته.
وكذلك يلزم أن تكون قراءة كل واحد من أئمة حمزة أحد الحروف السبعة، فتبلغ الحروف السبعة على هذا إلى أكثر من سبعة آلاف.
وكذلك أبو عمرو[1]إنما قرأ على ابن كثير[2]وغيره.
وقراءة ابن كثير عند هذا الظان أحد الحروف السبعة، وقراءة أبي عمرو كذلك، فيجب أن تكون قراءة من قرأ على أبي عمرو وغيره، أحد الحروف السبعة.
وكذلك من قرأ عليه ابن كثير قراءته أحد الحروف السبعة؛ لأنهم كلهم يختلفون في قراءاتهم وروايتهم. وهذا تناقض /3ي ظاهر.
وأيضا فإن هؤلاء السبعة قد روى كل واحد منهم عن جماعة لم يختص واحد بعينه، وروى عنه جماعة، فيجب أن تكون قراءة كل من روى عنه باختلاف أحد الحروف السبعة، فيبلغ عدد الحروف السبعة إلى ما لا يحصى.
[1]سبقت ترجمته.
[2]هو عبد الله بن كثير بن المطلب القرشي بن عبد الدار، إمام أهل مكة في القراءة، ولد بمكة سنة خمس وأربعين، ولقى بها عبد الله بن الزبير، وأبا أيوب الأنصاري، وأنس بن مالك، وروى عنهم، توفي سنة عشرين ومائة.
"انظر طبقات القراء 1-443".
"معنى: قرأ فلان بالأحرف السبعة"
فأما قول الناس: قرأ فلان بالأحرف السبعة، فمعناه أن قراءة كل إمام تسمى حرفا، كما يقال: قرأ بحرف نافع، وبحرف أبي[1]وبحرف ابن مسعود[2]. وكذلك قراءة كل إمام تسمى حرفا، فهي أكثر من سبعمائة حرف لو عددنا الأئمة، الذين نقلت عنهم القراءة من الصحابة فمن بعدهم.
فليس المراد بقولك: قرأ فلان بالأحرف السبعة، هي التي نص عليها رسول الله "صلى الله عليه وسلم". هذا شيء لم يتأوله أحد، ولا تعاطاه أحد، ولا يقدر على ذلك.
[1]هو، أبي بن كعب بن قيس أبو المنذر الأنصاري المدني سيد القراء، وأقرأ هذه الأمة، قرأ على النبي "صلى الله عليه وسلم"، وقرأ عليه النبي بعض القرآن للإرشاد والتعليم، وقرأ عليه من الصحابة ابن عباس، وأبو هريرة، ومن التابعين عبد الله بن عياش، وأبو عبد الرحمن السلمي، توفي سنة ثلاث وثلاثين.
"طبقات القراء 1-21".
[2]هو، عبد الله بن مسعود بن الحارث، أبو عبد الرحمن الهذلي المكي أحد السابقين والبدريين، والعلماء الكبار من الصحابة أسلم قبل عمر، وعرض القرآن على النبي "صلى الله عليه وسلم"، وهو أول من أفضى القرآن من في رسول الله "صلى الله عليه وسلم"، إليه تنتهي قراءة عاصم وحمزة والكسائي وخلف والأعمش، وفد من الكوفة إلى المدينة فمات بها آخر سنة اثنتين وثلاثين، ودفن بالبقيع وله بضع وستون سنة. "طبقات القراء 1-459".
فحصل من جميع ما ذكرنا وبينا:
أن الذي في أيدينا من القرآن، هو ما في مصحف عثمان الذي أجمع المسلمون عليه، وأخذناه بإجماع يقطع على صحة مغيبه وصدقه.
والذي في أيدينا من القرآن هو ما وافق خط ذلك المصحف من القراءات، التي نزل بها القرآن، فهو من الإجماع أيضا.
وسقط العمل بالقراءات التي تخالف خط المصحف، فكأنها منسوخة بالإجماع على خط المصحف.
والنسخ للقرآن بالإجماع فيه اختلاف، فلذلك تمادى بعض الناس على القراءة بما يخالف خط المصحف "مما"[1]ثبت نقله، وليس ذلك بجيد، ولا بصواب؛ لأن فيه مخالفة الجماعة، وفيه أخذ القرآن بأخبار الآحاد، وذلك غير جائز عند أحد من الناس.
وهذا الباب يتسع الكلام فيه، وفيما أشرنا إليه كفاية لمن فهمه.
[1]زيادة يقتضيها المقام.
فصل منه: يرى الطبري ما أختلف القراء فيه هو حرف واحد من الأحرف السبعة
...
فصل منه: "يرى الطبري أن ما اختلف القراء فيه، هو حرف واحد من الأحرف السبعة"
وقد ذهب الطبري في كتاب البيان له، إلى أن الذي اختلف القراء اليوم فيه من القراءات، إنما هو كله حرف واحد من الأحرف السبعة التي نزل بها القرآن، وهو الحرف الذي كتب عثمان عليه المصحف.
قال:
واختلاف القراء فيما اختلفوا فيه من الألفاظ كلا اختلاف.
قال: وليس هو مراد النبي "صلى الله عليه وسلم"، بقوله: "نزل القرآن على سبعة أحرف".
قال:
وما اختلف فيه القراء هذا بمعزل؛ لأن ما اختلف فيه القراء لا يخرجون عن خط المصحف على حرف واحد.
قلت:
يذهب الطبري إلى أن الأحرف السبعة، التي نزل بها القرآن
إنما هي تبديل كلمة في موضع كلمة يختلف الخط بهما، ونقص كلمة، وزيادة أخرى فمنع خط المصحف المجمع عليه ما زاد على حرف واحد؛ لأن الاختلاف لا يقع إلا بتغير الخط في رأي العين، فالقراءات التي في أيدي الناس كلها عنده حرف /3ش. واحد من الأحرف السبعة، التي نص عليها النبي "صلى الله عليه وسلم".
قال: والستة الأحرف الباقية قد سقطت، وذهب العمل بها بالإجماع على خط المصحف المكتوب على حرف واحد.
قلت:
فانظر، ما أبعد هذا القول من قول من ظن أن قراءة كل واحد من هؤلاء السبعة المتأخرين، حرف من السبعة الأحرف التي نص النبي "صلى الله عليه وسلم" عليها، وأن قراءتهم قد استولت على السبعة المنصوص عليها.
والذي قدمنا -من أن ما زاد على قراءة لا يخالف المصحف في كل حرف، هو من الأحرف السبعة- أصوب عندنا لما ذكرنا من أن عثمان "رضي الله عنه"، لم يرد -إذ كتب المصحف-
إلا لفظا واحدا بكل حرف مما زاد على لفظ واحد، فهو من السبعة جازت القراءة به لموافقته لخط المصحف المجمع عليه.
وقد بينا علة كون ما زاد في الأحرف على لفظ واحد، أنه من الأحرف السبعة؛ لأنه إن لم يكن من السبعة ولا من مراد عثمان -فهو تغيير في القرآن لا أصل له ولا معنى، فلا بد إما أن يكون إما من السبعة الأحرف، وإما من مراد عثمان، والذي ثبت أن عثمان لم يكتب المصحف إلا على حرف واحد، ولفظ واحد، فما زاد على ذلك فهو من السبعة بلا شك جازت لنا القراءة به، لاحتمال أن يكون عثمان أراده، وأنه غير خارج عن خط المصحف.
وجاز لنا ذلك -وإن كنا قد علمنا أن عثمان لم يرد إلا وجها واحدا- كما جاز لنا أن نروي عن النبي "صلى الله عليه وسلم" أنه قرن في حجته، وأنه أفرد، وأنه تمتع[1]، ولنا أن نفعل ما شئنا من ذلك، لاحتمال أن يكون هو الذي فعل النبي "صلى الله عليه وسلم"، مع علمنا أنه لم يفعل إلا وجها واحدا منها. ولهذا في الحديث والسنن نظائر كثيرة.
[1]قرن في حجته قرن بين الحج والعمرة "الزيارة"، يقرن بالضم والكسرة قرانا أي جمع بينها.
وتمتع من المتعة، وهي أن تضم عمرة إلى حجك.