أخذها منها عثمان رضي الله عنه /6ى فنسخها في المصحف، ثم ردها إليها.
وذكر إسماعيل القاضي من روايته أن زيد بن ثابت قال:
كتبته على عهد أبي [بكر][1]في قطع الأدم[2]، وكسر الأكتاف، وفي كذا وكذا. قال: فلما هلك أبو بكر وكان عمر كتبه في صحيفة واحدة، وكانت عنده. فلما هلك عمر كانت الصحيفة عند حفصة زوج النبي "صلى الله عليه وسلم".
وروى أن حفصة لما ماتت قبض الصحيفة، عبد الله بن عمر[3]فعزم عليه مروان[4]فأخذها منه، وشققها، ومزقها، مخافة أن يكون فيها خلاف ما نسخ عثمان فيقع الاختلاف.
[1]ناقصة من الأصل.
[2]باطن الجلد الذي يلي اللحم.
[3]عبد الله بن عمر بن الخطاب رضي الله عنه.
[4]هو، مروان بن الحكم أول من أحدث ملك يوم الدين بغير ألف "انظر طبقات القراء: 2-263".
6ى/ باب: "سبب جمع عثمان القرآن في مصحف على لغة واحدة وحرف واحد"
فإن سأل سائل فقال:
ما السبب الذي من أجله جمع عثمان القرآن في مصحف على لغة واحدة وحرف واحد، وجمع الناس على ذلك، وخرق ما عداه من المصاحف؟
فالجواب:
أن الروايات قد تكررت عن ابن شهاب[1]، وغيره أن حذيفة بن اليمان[2]كان قد حضر في زمن عثمان "رضي الله عنه"، في فتح أذربيجان وأرمينية، فرأى الناس يختلفون في ألفاظ القرآن اختلافا شديدا، حتى كاد أن يكفر بعضها
[1]ابن شهاب، هو محمد بن مسلم بن شهاب الزهري، المدني أحد الأئمة الكبار وعالم الحجاز والأنصار تابعي، وردت عنه الرواية في حروف القرآن، قرأ على أنس بن مالك ولد في سنة خمسين، وروى عن عبد الله بن عبد الله بن عمر مات سنة أربع وعشرين بشغب آخر حد الحجاز، وأول حد فلسطين "طبقات القراء: 2-262-263".
[2]حذيفة بن اليمان، هو أبو عبد الله العيسى، وردت الرواية عنه في حروف القرآن، توفي بعد عثمان بأربعين عاما "طبقات القراء: 1-203".
بعضًا. وكان سبب ذلك ما قدمنا ذكره[1]أن أهل كل مصر قرءوا على ما أقرأهم الصحاب، الذي وصل إليهم ليعلمهم القرآن، والدين في زمان أبي بكر وعمر، فاختلفوا في قراءاتهم بألفاظ مختلفة في السمع لا في المعنى[2]، وفي السمع والمعنى[3]مخالفة للخط، وغير مخالفة، بزيادة ونقص[4]، وتقديم، وتأخير[5]، واختلاف حركات وأبنية واختلاف حروف، ووضع حروف في موضع أحرف أخر[6].
وكان ذلك قد تعارف بين الصحابة على عهد النبي "صلى الله عليه وسلم" على ما قدمنا وبينا، فلم يكن ينكر أحد ذلك على أحد لمشاهدتهم من أباح لهم ذلك، وهو النبي "صلى الله عليه وسلم".
فلما انتهى ذلك الاختلاف إلى ما لم يعاين صاحب الشرع،
[1]انظر ص49.
[2]كقراءة: جذوة مثلثة الجيم.
[3]كقراءة يسيركم وينشركم.
[4]وما خلق الذكر والأنثى، والذكر بنقص لفظ ما خلق.
[5]فيقتلون بفتح ياء المضارعة، مع بناء الفعل للفاعل في إحدى الكلمتين، وبضمها مع بناء الفعل للمفعول في الكلمة لأخرى.
[6]مثل: طلح منضود. وطلع منضود.
ولا علم بما أباح من ذلك، أنكر كل قوم على آخرين قراءتهم، واشتد الخصام بينهم. وقال كل فريق: قراءتنا أولى من قراءتكم. فراع ذلك حذيفة وأفزعه، فقد على عثمان "رضي الله عنه" فقال:
يا أمير المؤمنين: أدرك هذه الأمة قبل أن تختلف في كتاب الله كاختلاف اليهود والنصارى، فأحضر عثمان الصحيفة التي كانت عند حفصة، ودعا زيد بن ثابت الأنصاري[1]، وعبد الله بن الزبير[2]، وسعيد بن العاص[3]، وعبد الرحمن بن الحارث بن هشام[4]. وأمرهم بنسخ المصحف.
[1]سبقت ترجمته.
[2]هو، عبد الله بن الزبير بن العوام، أبو بكر القرشي الأسدي الصحابي ابن الصحابي "رضي الله عنهما"، وردت الرواية عنه في حروف القرآن هاجرت أمه، وهو حمل في بطنها فكان أول مولود ولد بالمدينة من المهاجرين، ولد في السنة الثانية ونقل في جمادى الأولى سنة ثلاث وسبعين "طبقات القراء: 1-419".
[3]سعيد بن العاص بن أمية ولد عام الهجرة، وكان أحد أشراف قريش ممن جمع الشجاعة والفصاحة، وهو أحد الذين كتبوا المصحف لعثمان "رضي الله عنه"، استعمله عثمان على الكوفة توفي في خلافة معاوية سنة تسع وخمسين "الاستيعاب القسم الثاني ص624".
[4]عبد الرحمن بن الحارث بن هشام بن المغيرة القرشي، المخزومي، كان ابن عشر سنين حين قبض رسول الله "صلى الله عليه وسلم".
وقيل: بل جمع اثنى عشر رجلا من قريش والأنصار فيهم زيد بن ثابت، وأمرهم بكتابة[1]المصحف.
وقال عثمان للرهط من قريش: إذا اختلفتم أنتم وزيد بن ثابت في شيء من القرآن، فاكتبوه بلسان قريش، فإنما أنزل بلسانها.
فلما نسخوا المصحف كتبوه في سبع نسخ.
6ش/ وقيل: في خمس. ورواة الأول أكثر.
ووجه عثمان إلى كل مصر مصحفا، وحرق ما عدا ذلك من المصاحف.
وقيل: إنه سخن الماء لها وألقاها فيه.
فعند ذلك اجتمع الناس في الأمصار على مصحف عثمان.
وقرأ أهل [كل][2]مصر من قراءتهم، التي كانوا عليها بما يوافق خط المصحف، وتركوا من قراءتهم ماخالف خط المصحف، وقد بينا هذا.
[1]في الأصل بكتبه.
[2]زيادة يقتضيها المقام.
قال أنس بن مالك1:
أرسل عثمان إلى كل جند من أجناد المسلمين مصحفا، وأمرهم أن يحرقوا كل مصحف يخالف الذي أرسل به إليهم.
قال الطبري، عند ذكره للمصحف:
فاستوسقت[2]له الأمة على ذلك بالطاعة، ورأت أنفيما فعل من ذلك الرشد والهداية، وتركت القراءة بالأحرف الستة التي عزم عليها إمامها العادل في تركه، طاعة منها له، ونظرا منها لأنفسها، ولمن بعدها من سائر أهل ملتها، حتى درست الأمة معرفتها. وتعفت آثارها، فلا سبيل اليوم لأحد إلى القراءة بها لدثورها، وعفو آثارها، وتتابع المسلمين إلى رفض القراءة بها من غير جحود منهم صحتها، وصحة شيء منها. ولكن نظرا منها لأنفسها، ولسائر أهل دينها.
فلا قراءة اليوم للمسلمين إلا بالحرف الواحد الذي اختاره
1 هو أنس مالك بن النضير الأنصاري، أبو حمزة صاحب رسول الله "صلى الله عليه وسلم" وخادمه، روى القراءة عنه سماعا: وقرأ عليه قتادة ومحمد بن مسلم الزهري توفي سنة 91 "طبقات القراء: 1-172".
[2]استوسقت له الأمة: اجتمعت له بالطاعة.
لهم أمامهم الشفيق الناصح، دون ما عداه من الأحرف الستة الباقية.
وروى خارجة بن زيد[1]عن أبيه أنه قال:
فقدت يوم نسخت المصحف آية من سورة الأحزاب، كنت أسمع رسول الله "صلى الله عليه وسلم" يقرؤها {مِنَ الْمُؤْمِنِينَ رِجَالٌ صَدَقُوا}[2]الآية فالتسمتها فأصبتها مع خزيمة بن ثابت الأنصاري، ولم أصبها مع غيره، فألحقتها في سورتها.
قال المقري:
قلت: وهذا مبني على ما قدمنا من فقده لآخر سورة التوبة[3]في عهد أبي بكر، أنهم كانوا يحفظونها لكنهم أنسوها، فلما وجدوها تذكروها، وأيقنوا بها وكتبوها، لا أنهم قبلوها بشهادة من وجدوها معه؛ لأن غير هذا لا يجوز أن يتأول.
[1]خارجة بن زيد بن ثابت الأنصاري، الخزرجي "انظر الاستيعاب: 2-537".
[2]سورة الأحزاب آية 23.
[3]الآيتان: {لَقَدْ جَاءَكُمْ رَسُولٌ مِنْ أَنْفُسِكُمْ عَزِيزٌ عَلَيْهِ مَا عَنِتُّمْ حَرِيصٌ عَلَيْكُمْ ... } ، إلخ السورة.
والدليل على صحة ما تأولنا:
قول زيد في هذا الخبر: كنت أسمع رسول الله "صلى الله عليه وسلم" يقرؤها، فهو شيء سمعه من رسول الله "صلى الله عليه وسلم" وأنسيه، فلما وجده تذكر، وأيقن به هو وغيره، فكتبوا ذلك بإجماع منهم، لسماعهم ذلك من رسول الله "صلى الله عليه وسلم".
وكذلك كل ما كتبوا وأثبتوا في المصحف.
وكان المصحف إذ كتبوه لم ينقطوه، ولم يضبطوا إعرابه فتمكن لأهل كل مصر أن يقرءوا الخط على قراءتهم، التي كانوا عليها مما لا يخالف صورة الخط.
فقرأ قوم مصحفهم: "من كل حدب1" بالحاء والباء على ما كانوا عليه وقرأ الآخرون: "من كل جدث"، بالجيم على ما كانوا عليه.
وقرأ الآخرون/ 7ى: "من كل جدث" بالجيم والثاء على ما كانوا عليه[2].
1 سورة الأنبياء آية 96.
[2]قرأ ابن عباس "من كل جدث"، وهو القبر. "البحر المحيط: 6-339".