بارگزاری ...
جستجو کنید
برای شروع جستجو، متن خود را وارد کنید.
صفحه 66

قال أنس بن مالك1:
أرسل عثمان إلى كل جند من أجناد المسلمين مصحفا، وأمرهم أن يحرقوا كل مصحف يخالف الذي أرسل به إليهم.
قال الطبري، عند ذكره للمصحف:
فاستوسقت[2]له الأمة على ذلك بالطاعة، ورأت أنفيما فعل من ذلك الرشد والهداية، وتركت القراءة بالأحرف الستة التي عزم عليها إمامها العادل في تركه، طاعة منها له، ونظرا منها لأنفسها، ولمن بعدها من سائر أهل ملتها، حتى درست الأمة معرفتها. وتعفت آثارها، فلا سبيل اليوم لأحد إلى القراءة بها لدثورها، وعفو آثارها، وتتابع المسلمين إلى رفض القراءة بها من غير جحود منهم صحتها، وصحة شيء منها. ولكن نظرا منها لأنفسها، ولسائر أهل دينها.
فلا قراءة اليوم للمسلمين إلا بالحرف الواحد الذي اختاره
1 هو أنس مالك بن النضير الأنصاري، أبو حمزة صاحب رسول الله "صلى الله عليه وسلم" وخادمه، روى القراءة عنه سماعا: وقرأ عليه قتادة ومحمد بن مسلم الزهري توفي سنة 91 "طبقات القراء: 1-172".
[2]استوسقت له الأمة: اجتمعت له بالطاعة.


صفحه 67

لهم أمامهم الشفيق الناصح، دون ما عداه من الأحرف الستة الباقية.
وروى خارجة بن زيد[1]عن أبيه أنه قال:
فقدت يوم نسخت المصحف آية من سورة الأحزاب، كنت أسمع رسول الله "صلى الله عليه وسلم" يقرؤها {مِنَ الْمُؤْمِنِينَ رِجَالٌ صَدَقُوا}[2]الآية فالتسمتها فأصبتها مع خزيمة بن ثابت الأنصاري، ولم أصبها مع غيره، فألحقتها في سورتها.
قال المقري:
قلت: وهذا مبني على ما قدمنا من فقده لآخر سورة التوبة[3]في عهد أبي بكر، أنهم كانوا يحفظونها لكنهم أنسوها، فلما وجدوها تذكروها، وأيقنوا بها وكتبوها، لا أنهم قبلوها بشهادة من وجدوها معه؛ لأن غير هذا لا يجوز أن يتأول.
[1]خارجة بن زيد بن ثابت الأنصاري، الخزرجي "انظر الاستيعاب: 2-537".
[2]سورة الأحزاب آية 23.
[3]الآيتان: {لَقَدْ جَاءَكُمْ رَسُولٌ مِنْ أَنْفُسِكُمْ عَزِيزٌ عَلَيْهِ مَا عَنِتُّمْ حَرِيصٌ عَلَيْكُمْ ... } ، إلخ السورة.


صفحه 68

والدليل على صحة ما تأولنا:
قول زيد في هذا الخبر: كنت أسمع رسول الله "صلى الله عليه وسلم" يقرؤها، فهو شيء سمعه من رسول الله "صلى الله عليه وسلم" وأنسيه، فلما وجده تذكر، وأيقن به هو وغيره، فكتبوا ذلك بإجماع منهم، لسماعهم ذلك من رسول الله "صلى الله عليه وسلم".
وكذلك كل ما كتبوا وأثبتوا في المصحف.
وكان المصحف إذ كتبوه لم ينقطوه، ولم يضبطوا إعرابه فتمكن لأهل كل مصر أن يقرءوا الخط على قراءتهم، التي كانوا عليها مما لا يخالف صورة الخط.
فقرأ قوم مصحفهم: "من كل حدب1" بالحاء والباء على ما كانوا عليه وقرأ الآخرون: "من كل جدث"، بالجيم على ما كانوا عليه.
وقرأ الآخرون/ 7ى: "من كل جدث" بالجيم والثاء على ما كانوا عليه[2].
1 سورة الأنبياء آية 96.
[2]قرأ ابن عباس "من كل جدث"، وهو القبر. "البحر المحيط: 6-339".


صفحه 69

وقرأ قوم: "يقص الحق1" بالصاد على ما كانوا عليه، وقرأ قوم: "يقض الحق" بالضاد على ما كانوا عليه[2].
وكذلك ما أشبه هذا. لم يخرج أحد في قراءته عن صورة خط المصحف.
فهذا سبب جمع المصحف، وسبب الاختلاف الواقع في خط المصحف.
قال زيد بن ثابت: القراءة سنة.
قال إسماعيل القاضي:
أحسبه يعني هذه القراءة التي جمعت في المصحف.
وذكر عن محمد بن سيرين[3]، أنه قال:
1 سورة الأنعام آية 57.
[2]قرأ "يقص الحق"، نافع وابن كثير وعاصم وأبو جعفر، من قص الحديث أو الأثر تتبعه، وقرأ الباقون بقاف ساكنة وضاد معجمة مكسورة من القضاء، ولم ترسم إلا بضاد كأن الياء حذفت كما في "تغن النذر" "اتحاف فضلاء البشر: 209".
[3]محمد بن سيرين أبو بكر بن أبي عمرة البصري، مولى أنس بن مالك "رضي الله عنه"، إمام البصر مع الحسن، وردت عنه الرواية في حروف القرآن، ولد لسنتين بقيتا من خلافة عثمان، وروى عن مولاه، وعن زيد بن ثابت وعمران بن الحصين، وعائشة وأبي هريرة وغيرهم، وكان يكره أن يقرأ الرجل القرآن إلا كما أنزل، فكره أن يقرأ ثم يتكلم ثم يقرأ، مات سنة عشر ومائة "طبقات القراء: 2-151".


صفحه 70

كانوا يرون أن قراءتنا هذه إحداهن بالعرضة[1]الآخرة[2].
وروى عن علي بن أبي طالب "رضي الله عنه"، أنه قال: لو كنت أنا لصنعت في المصاحف ما صنع عثمان.
[1]عن رسول الله صلى الله عليه وسلم "النشر: 1-8".
[2]عام قبض رسول الله "صلى الله عليه وسلم" حيث عرض عليه القرآن مرتين.


صفحه 71

باب: "معنى أنزل القرآن على سبعة أحرف"
فإن سأل سائل فقال:
ما الذي نعتقد في معنى قول النبي "صلى الله عليه وسلم":
"أنزل القرآن على سبعة أحرف"؟ وما المراد بذلك؟
فالجواب:
أن هذا المعنى قد كثر اختلاف الناس فيه.
والذي نعتقده في ذلك، ونقول به، وهو الصواب إن شاء الله:
أن الأحرف السبعة التي نزل بها القرآن: هي لغات متفرقة في القرآن، ومعان في ألفاظ تسمع في القراءة:
مختلفة في السمع متفقة في المعنى.
ومختلفة في السمع وفي المعنى.
نحو: تبديل كلمة في موضع أخرى وصورة الخط متفقة، أو مختلفة نحو:
يسيِّرُكم، وَيَنْشُرُكُمْ[1]. ونحو: صيحة وزقية[2].
[1]سورة يونس آية 22، وقد قرأ ابن عامر وأبو جعفر ينشركم، والباقون يسيركم "الإتحاف: 248".
[2]سورة يس آية 53.


صفحه 72

وزيادة كلمة ونقص أخرى.
وزيادة حرف ونقص آخر.
وتغيير حركات في موضع حركات أخر.
وإسكان حركة.
وتشديد، وتخفيف.
وتقديم، وتأخير[1].
وشبه ذلك مما يسمع ويميز بالسمع.
وليس هو مما يحتوي على المعاني المستترة، كقول من قال: الأحرف السبعة: حلال وحرام، وناسخ ومنسوخ، وأمر ونهي، وشبه هذا.
هذه معان في النفس مستترة، لا تعلم إلا بسؤال من يعتقدها دليل ذلك:
أن عمر إنما سمع هشاما[2]يقرأ غير قراءته، فأنكر عليه ولم يره يغير حكما، ولا يحرف معنى في القرآن.
ويدل على ذلك: أن النبي "صلى الله عليه وسلم" لما
[1]ستأتي الأمثلة على ذلك.
[2]هو، هشام بن حكيم وقد سبقت ترجمته.


صفحه 73

تخاصموا إليه في القراءة أمرهم بالقراءة، فلما سمعهم صوب، قراءتهم، ولم يسالهم عن معان مستورة في أنفسهم، أنما سمع ألفاظهم فصوبها.
وأيضا فإنها لو كانت في حلال وحرام، وأمر ونهي، وناسخ ومنسوخ وشبهه لم يقل: اقرءوا بما شئتم، وأي ذلك قرأت أصبت.
قال بعض القراء:
هي سبع أحرف منطبقة المفهوم، مختلفة المسموع، وهو معنى ما قلناه.
وقال مالك وغيره1:
هو قراءة القارئ: عزيز حكيم. وفي موضع: غفور رحيم.
وهذا الذي يخالف الخط، لا تجوز به اليوم لمخالفة خط المصحف، وهو المنهي عنه.
1 هو، مالك بن أنس بن مالك، أبو عبد الله الأصبحي المدني، إمام دار الهجرة وصاحب المذهب، أخذ القراءة عرضا عن نافع بن أبي نعيم، وروى القراءة عنه أبو
عمرو الأوزاعي، ويحيى بن سعيد، ولد سنة ثلاث وسبعين ومات سنة تسع وسبعين ومائة "طبقات القراء: 2-35".