صورتها في الخط وذلك نحو قوله:
"ربُّنا باعد بين أسفارنا"، و"ربِّنا بَعِّدْ بين أسفارنا"[1].
و"إذ تَلَقَّوْنَه" وتُلْقُونَه"[2].
و"ادكر بعد إمة"، و"بعد أمه"[3].
الثالث:
أن يكون الاختلاف في تبديل حرف الكلمة، دون إعرابها بما يغير معناها، ولا يغير صورة الخط بها في رأي العين نحو:
نُنْشِرها، ونُنْشِزُها[4].
[1]سورة سبأ آية 19 اختلفوا في "ربنا باعد"، فقرا يعقوب برفع الباء من "ربنا" وفتح العين والدال وألف قبل العين من "باعد"، وقرأ ابن كثير، وأبو عمرو وهشام بنصب الباء، وكسر العين مشددة من غير ألف مع إسكان الدال. وقرأ الباقون كذلك إلا أنهم بالألف، وتخفيف العين. "النشر: 2-350".
[2]سورة النور آية 15 قرأ الجمهور: تلقونه، وقرأ ابن السميفع تلقونه مضارع ألقى. وقد حكى صاحب البحر المحيط قراءات أخرى "انظر حـ6 ص438".
[3]سورة يوسف آية 45، قرأ الأشهب العقيلي بعد أمة بكسر الهمزة، أي بعد نعمة أنعم الله بها على يوسف في تقريب إطلاقه، وقرأ ابن عباس، وزيد بن علي والضحاك وقتادة، وشبيل بن عذرة الضبعي، وربيعة بن عمر بعد أمه بفتح الهمزة والميم مخففة، وهاء والجمهور قرءوا بعد أمة. "البحر المحيط: 5-314".
[4]سورة البقر آية 259 قرأ ابن عامر، والكوفيون بالزاي المنقوطة، وقرأ الباقون بالراء المهملة. "النشر 2-231".
وفزع عن قلوبهم. وفزع عن قلوبهم[1].
ويقص الحق، ويقض الحق[2].
وهو كثير، يقرأ به إذا صح سنده ووجهه لموافقته لصورة الخط في رأي العين.
الرابع:
أن يكون الاختلاف في الكلمة بما يغير صورتها في الكتاب ولا يغير معناها، نحو: إن كانت إلا صيحة واحدة، وإلا زقية واحدة[3].
وكالصوف المنفوش، والعهن المنفوش[4].
فهذا يقبل إذا صحت روايته، ولا يقرأ به اليوم لمخالفته لخط المصحف؛ ولأنه إنما ثبت بخبر الآحاد.
[1]سورة سبأ آية 23 قرأ ابن عامر، ويعقوب فتح الفاء والزاي، وقرأ الباقونبضم الفاء وكسر الزاي "النشر: 2-351".
[2]سورة الأنعام آية 57 قرأ المدنيان: أبو جعفر ونافع، وابن كثير وعاصم "يقص" بالصاد المهملة مشددة، وقرأ الباقون بإسكان الفاء وكسر الضاد "النشر 3-258".
[3]سورة يونس آية 29.
[4]سورة القارعة آية 5 في مصحف ابن مسعود كالصوف المنفوش، وقرأ الجمهور كالعهن المنفوش "انظر المصاحف للسجستاني".
الخامس:
أن يكون الاختلاف في الكلمة بما يزيل صورتها في الخط، ويزيل معناها نحو:
ألم تنزيل الكتاب. في موضع: ألم ذلك الكتاب[1].
فهذا لا يقرأ به أيضا، لمخالفته للخط، ويقبل منه ما لم يكن فيه تضاد[2]لما عليه المصحف.
وهذه الأقسام كلها كثيرة لو تكلفنا أن نؤلف في كل قسم كتابا مما جاء منه، وروى، لقدرنا على ذلك لكثرته.
السادس:
أن يكون الاختلاف بالتقديم والتأخير. نحون ما روي عن أبي بكر "رحمه الله" أنه قرأ عند الموت:
وجاءت سكرة الحق بالموت[3]. وبذلك قرأ ابن مسعود.
وهذا يقبل لصحة معناها إذا صحت روايته. ولا يقرأ به لمخالفته المصحف؛ ولأنه أتى بخبر الأحاد.
[1]سورة البقرة الآية2.
[2]في الأصل تضاد بفك الإدغام.
[3]سورة ق آية 19.
والسابع:
أن يكون الاختلاف بالزيادة، أو بالنقص في الحروف والكلم، فهذا يقبل منه ما لم يحدث حكما لم يقبله أحد.
ويقرأ منه بما اختلفت المصاحف في إثباته وحذفه، نحو:
"تجري تحتها" في براءة عند رأس المائة، و {مِنْ تَحْتِهَا} 1 "فإن الله الغني الحميد" في الحديد، و {فَإِنَّ اللَّهَ هُوَ الْغَنِيُّ الْحَمِيد}[2].
ونحو ذلك اختلف فيه المصاحف[3]التي وجه بها عثمان إلى الأمصار، فيقرأ به إذا لم يخرج عن خط جميع المصاحف.
ولا يقرأ منه بما لم تختلف فيه المصاحف/ 8ى: لا يزاد شيء لم يزد في شيء من المصاحف، ولا شيء لم ينقص في شيء من المصاحف.
وأما ما اختلفت فيه القراءة من الإدغام، والإظهار، والمد، والقصر، وتشديد، وتخفيف، وشبه ذلك فهو من القسم الأول؛ لأن القراءة بما يجوز منه في العربية، وروى عن
1 سورة الحديد آية: 12.
[2]سورة الحديد آية: 24.
[3]انظر اختلاف مصاحف الأمصار، التي نسخت من المصحف الإمام من كتاب المصاحف للسجستاني ص39.
أئمة وثقات: جائزة في القرآن؛ لأنه كله موافق للخط.
وإلى هذه الأقسام في معاني السبعة، ذهب جماعة من العلماء.
وهو قول ابن قتيبة[1]وابن شريح[2]وغيرهما.
لكننا شرحنا ذلك من قولهم.
[1]ابن قتيبة: هو أبو محمد عبد الله بن مسلم بن قتيبة الدينوري، المروزي ولد سنة 211هـ، وتربى في بغداد، وتولى القضاء بدينور. وهو صاحب عيون الأخبار، وطبقات الشعراء، والإمامة والسياسة، وأدب الكاتب، وكتاب القراءات، وغريب القرآن، ومشكل القرآن "توفي 276هـ"، انظر وفيات الأعيان.
[2]ابن شريح هو محمد بن شريح الرعيني الأشبيلي، ولد سنة 388هـ، ورحل إلى مصر ومكة، ثم لقي مكي بن أبي طالب وأجازه. مات في شوال سنة 476هـ.
باب: "فائدة تعدد القراءات"
فإن سأل سائل، فقال:
ما الذي تفيد قراءة على أكثر من حرف لمن قرأ على أكثر من حرف؟
فالجواب.
أن الله "عز وجل" لم يجعل على عباده حرجا في دينهم، ولا ضيق عليهم فيما افترض عليهم.
وكانت لغات من أنزل عليهم القرآن مختلفة، ولسان كل صاحب لغة، لا يقدر على رده إلى لغة أخرى إلا بعد تكلف ومئونة شديدة، فيسر الله عليهم أن أنزل كتابه على سبع لغات متفرقات[1]في القرآن بمعان متفقة ومختلفة، ليقرأ كل قوم على لغتهم، على ما يسهل عليهم من لغة غيرهم، وعلى ما جرت به عادتهم.
فقوم جرت عادتهم بالهمز.
وقوم بالتخفيف.
[1]في هامش الأصل هذه العبارة: نسخة في كتاب الشيخ "مفترقات".
وقوم بالفتح.
وقوم بالإمالة.
وكذلك الأعراب واختلافه في لغاتهم، والحركات واختلافها في لغاتهم. وغير ذلك.
فتفصح كل قوم، وقرءوا على طبعهم ولغتهم ولغة من قرب منهم، وكان في ذلك رفق عظيم بهم، وتيسير كثير لهم.
ونظير هذا في القرآن، مما رفق الله به عباده، ويسر عليهم نزول الفرائض والأحكام، والأوامر والنواهي لشيء بعد شيء في أكثر من عشرين سنة، فكانوا لذلك أقبل، وهو عليهم أسهل، إذ لو نزل كله مرة واحدة لصعب عليهم واشتد، وللحقهم في ذلك عنت وصعوبة. فمن الله عليهم بنزول شيء من الفرائض. فإذا أنسوا بالفرض، وعملوا به، وطال الأمر، وصار عندهم عادة نزل فرض آخر، حتى أكمل الله دينه في يسر على عباده. فنعمة الله لا تحصى.
ونظير ذلك أيضًا في القرآن:
أن الله "جل ذكره" علم أن القرآن لا يجمعه كل إنسان في وقت نزوله، ولا يقف على ما نص فيه جميع العباد، فكرر
القصص، والتحذير والتخويف، والتوحيد والإخبار عن البعث والنشر والحجج على جوازه، وغير ذلك في أكثر سور القرآن، ليكون من بلغه بعض السور وقف على ذلك أجمع، ومن بلغه البعض الآخر وقف فيه على نحو ذلك.
ومن بلغه سورة واحدة وقف على أكثر ذلك، فلا يفوت أحدا منهم ما به الحاجة إليه، مما أراد الله إعلامه لخلقه، فكان في/ 8ش التكرير رفق عظيم، وهداية ظاهرة للحق، وذلك بلطف الله لخلقه، وهذا كثير من نعم الله على خلقه، ورفقه بهم.
ولو تتبعت ذلك أوجدت منه عددًا كبيرًا.