باب: "فائدة تعدد القراءات"
فإن سأل سائل، فقال:
ما الذي تفيد قراءة على أكثر من حرف لمن قرأ على أكثر من حرف؟
فالجواب.
أن الله "عز وجل" لم يجعل على عباده حرجا في دينهم، ولا ضيق عليهم فيما افترض عليهم.
وكانت لغات من أنزل عليهم القرآن مختلفة، ولسان كل صاحب لغة، لا يقدر على رده إلى لغة أخرى إلا بعد تكلف ومئونة شديدة، فيسر الله عليهم أن أنزل كتابه على سبع لغات متفرقات[1]في القرآن بمعان متفقة ومختلفة، ليقرأ كل قوم على لغتهم، على ما يسهل عليهم من لغة غيرهم، وعلى ما جرت به عادتهم.
فقوم جرت عادتهم بالهمز.
وقوم بالتخفيف.
[1]في هامش الأصل هذه العبارة: نسخة في كتاب الشيخ "مفترقات".
وقوم بالفتح.
وقوم بالإمالة.
وكذلك الأعراب واختلافه في لغاتهم، والحركات واختلافها في لغاتهم. وغير ذلك.
فتفصح كل قوم، وقرءوا على طبعهم ولغتهم ولغة من قرب منهم، وكان في ذلك رفق عظيم بهم، وتيسير كثير لهم.
ونظير هذا في القرآن، مما رفق الله به عباده، ويسر عليهم نزول الفرائض والأحكام، والأوامر والنواهي لشيء بعد شيء في أكثر من عشرين سنة، فكانوا لذلك أقبل، وهو عليهم أسهل، إذ لو نزل كله مرة واحدة لصعب عليهم واشتد، وللحقهم في ذلك عنت وصعوبة. فمن الله عليهم بنزول شيء من الفرائض. فإذا أنسوا بالفرض، وعملوا به، وطال الأمر، وصار عندهم عادة نزل فرض آخر، حتى أكمل الله دينه في يسر على عباده. فنعمة الله لا تحصى.
ونظير ذلك أيضًا في القرآن:
أن الله "جل ذكره" علم أن القرآن لا يجمعه كل إنسان في وقت نزوله، ولا يقف على ما نص فيه جميع العباد، فكرر
القصص، والتحذير والتخويف، والتوحيد والإخبار عن البعث والنشر والحجج على جوازه، وغير ذلك في أكثر سور القرآن، ليكون من بلغه بعض السور وقف على ذلك أجمع، ومن بلغه البعض الآخر وقف فيه على نحو ذلك.
ومن بلغه سورة واحدة وقف على أكثر ذلك، فلا يفوت أحدا منهم ما به الحاجة إليه، مما أراد الله إعلامه لخلقه، فكان في/ 8ش التكرير رفق عظيم، وهداية ظاهرة للحق، وذلك بلطف الله لخلقه، وهذا كثير من نعم الله على خلقه، ورفقه بهم.
ولو تتبعت ذلك أوجدت منه عددًا كبيرًا.
باب: العلة في كثرة اختلاف المروي عن الآئمة القراء
...
باب: "العلة في كثر اختلاف المروي عن الأئمة القراء"
فإن سأل سائل، فقال:
ما العلة التي من أجلها كثر الاختلاف عن هذه الأئمة، وكل واحد منهم قد انفرد بقراءة اختارها مما قرأ به على أئمته؟
فالجواب:
أن كل واحد من الأئمة قرأ على جماعة بقراءات مختلفة، فنقل ذلك على ما قرأ، فكانا في برهة من أعمارهم يقرئون الناس بما قرءوا، فمن قرأ عليهم بأي حرف كان لم يرده عنه، إذا كان ذلك مما قرءوا به على أئمتهم.
ألا ترى أن نافعا قال:
قرأت على سبعين من التابعين، فما اتفق عليه اثنان أخذته، وما شذ فيه واحد تركته؟.
يريد، والله أعلم، مما خالف المصحف.
فكان مما قرأ عليه بما اتفق فيه اثنان من أئمته لم ينكر عليه ذلك.
وقد روى عنه أنه كان يقرئ الناس بكل ما قرأ به حتى يقال له: نريد أن نقرأ عليك باختيارك مما رويت.
وهذا قالون[1]ربيبه وأخص الناس به. وورش[2]أشهر الناس في المتحملين إليه، اختلفا في أكثر من ثلاثة آلاف حرف، من قطع وهمز، وتخفيف، وإدغام وشبيهه.
ولم يوافق أحد من الرواة عن نافع رواية ورش عنه، ولا نقلها أحد عن نافع غير ورش.
وإنما ذلك؛ لأن ورشا قرأ عليه بما تعلم في بلده، فوافق ذلك
[1]قالون: هو عيسى بن مينا بن وردان، مولى ابن زهرة أبو موسى الملقب قالون، قارئ المدينة ونحويها، يقال إنه ربيب نافع، وقد اختص به كثيرا، وهو الذي سماه قالون لجودة قراءته، فإن قالون بلغة الرومية "جيد"، وكان أصم يقرئ القرآن، ويفهم خطأهم ولحنهم بالشفة توفي سنة 220هـ.
[2]ورش: هو عثمان بن سعيد أبو عمر والقرشي، مولاهم القبطي المصري الملقب بورش شيخ القراء والمحققين، وإمام أهل الأداء المرتلين انتهب إليه رياسة الإقراء بالديار المصرية في زمانه ولد سنة 110 بمصر، ورحل إلى نافع بالمدينة فعرض عليه سنة 155هـ، وكان أشقر أزرق أبيض اللون قصيرا هو إلى السمن أقرب منه إلى النحافة، فقيل: إن نافعا لقبه بالورشان؛ لأنه كان على قصه يلبس ثيابا قصارا. وكان إذا مشى بدت رجلاه مع اختلاف ألوانه: فكان نافع يقول: هات يا ورشان، وأقرأ يا ورشان، وأين ورشان، ثم خفف فقيل: ورش. والورشان طائر توفي سنة 198هـ.
رواية قرأها نافع عن بعض أئمته، فتركه على ذلك.
وكذلك ما قرأ عليه قالون وغيره.
وكذلك الجواب عن اختلاف الرواة عن جميع القراء.
وقد روي عن غير نافع أنه كان يرد على أحد ممن يقرأ عليه، إذا وافق ما قرأ به على بعض أئمته.
فإن قيل له: أقرءنا بما اخترته من روايتك اقرأ بذلك.
باب: السبب في إشهار السبعة القراء دون من هو فوقهم
...
باب: "السبب في اشتهار السبعة القراء دون من هو فوقهم"
فإن سأل سائل فقال:
ما العلة التي من أجلها اشتهر هؤلاء السبعة بالقراءة دون من هو فوقهم، فنسبت إليهم السبعة الأحرف مجازا، وصاروا في وقتنا أشهر من غيرهم، ممن هو أعلى درجة منهم، وأجل قدرا؟.
فالجواب:
أن الرواة عن الأئمة من القراء، كانوا في العصر الثاني والثالث كثيرا في العدد، كثيرا في الاختلاف، فأراد الناس في العصر الرابع أن يقتصروا من القراءات، التي توافق المصحف على ما يسهل حفظه، وتنضبط القراء به، فنظروا إلى إمام مشهور بالثقة والأمانة وحسن الدين، وكمال العلم، قد طال عمره، واشتهر أمره، وأجمع أهل مصره على عدالته فيما نقل، وثقته فيما قرأ وروى، وعلمه بما يقرأ، فلم تخرج قراءته عن خط مصحفهم المنسوب إليهم، فأفردوا من كل/ 9ى مصر وجه إليه عثمان مصحفا، إماما هذه صفته وقراءته على مصحف ذلك المصر.
فكان أبو عمرو من أهل البصرة.
وحمزة وعاصم من أهل الكوفة وسوادها.
والكسأ من أهل العراق.
وابن كثير من أهل مكة.
وابن عامر من أهل الشام.
ونافع من أهل المدينة.
كلهم ممن اشتهرت إمامته، وطال عمره في الإقراء، وارتحال الناس إليه من البلدان.
ولم يترك الناس مع هذا نقل، ما كان عليه أئمة هؤلاء من الاختلاف، ولا القراءة بذلك.
وأول من اقتصر على هؤلاء: أبو بكر بن مجاهد[1]قبل سنة ثلاثمائة أو في نحوها، وتابعه على ذلك من أتى بعده، إلى الآن.
ولم تترك القراءة بقراءة غيرهم، واختيار من أتى بعدهم إلى الآن.
[1]أبو بكر بن مجاهد سبقت ترجمته.