9ش/ باب: جامع لمعان مما ذكرنا
قال: فإن سأل سائل، فقال:
هل جمع حفظ القرآن على عهد النبي "صلى الله عليه وسلم"، أحد من الصحابة، فتقوى بذلك الأنفس فيما يقرءونه اليوم؟
فالجواب:
أنه قد اختلف الناس فيمن جمع القرآن على عهد النبي "صلى الله عليه وسلم".
فقال جماعة: إن النبي "صلى الله عليه وسلم"، توفي ولم يجمع القرآن إلا أربعة:
أبي بن كعب[1]، ومعاذ بن جبل[2]، وزيد بن ثابت[3][سالم مولى أبي حذيفة] .[4].
[1]هو أبي بن كعب الأنصاري المدني، قرأ على النبي صلى الله عليه وسلم، "وقد سبقت ترجمته".
[2]معاذ بن جبل بن عمرو، أبو عبد الرحمن الأنصاري "رضي الله عنه" أحد الذين حفظوا القرآن حفظا على عهد النبي "صلى الله عليه وسلم"، وهو الذي أشار إليه النبي "صلى الله عليه وسلم" بقوله: "خذوا القرآن من أربعة: من عبد الله بن مسعود، وأبي بن كعب، ومعاذ بن جبل، وسالم مولى أبي حذيفة"، توفي سنة 18هـ، وهو ابن ثلاث وثلاثين سنة.
[3]زيد بن ثابت "سبقت ترجمته".
[4]زيادة لم ترد في الأصل.
وقيل: إن معهم عثمان، وتميم الداري.
وقيل: عثمان، وأبو الدرداء[1].
وذكر ابن عيينة[2]أن الشعبي[3]قال:
لم يقرأ القرآن على عهد النبي "صلى الله عليه وسلم"، إلا ستة كلهم من الأنصار: أبي، ومعاذ، وأبو الدرداء.
وسعد بن عبيد القاري، وأبو زيد، وزيد، وليس بزيد بن ثابت.
قال الشعبي: غلب زيد بن ثابت الناس بالقرآن والفرائض قال أنس:
جمع القرآن على عهد النبي "صلى الله عليه وسلم" أربعة من الأنصار:
[1]هو، عويمر بن زيد أبو الدرداء الأنصاري، الخزرجي أحد الذين جمعوا القرآن حفظا على عهد النبي "صلى الله عليه وسلم" ولي قضاء دمشق، هو أول قاض ولها توفي سنة 32هـ.
[2]مقرئ سمع من محمد بن أبي أيوب الثقفي، الكوفي "انظر طبقات القراء: 2-103".
[3]عامر بن شراحيل بن عيد، أبو عمرو الشعبي الكوفي إمام كبير مشهور، وهو القائل: القراءة سنة، فاقرءوا كما قرأ أولوكم. مات سنة خمس ومائة وله سبع وسبعون سنة.
أبي بن كعب، ومعاذ بن جبل، وزيد بن ثابت، وأبو زيد
قيل لأنس: من أبو زيد؟.
قال: بعض عمومتي.
وقيل: إن أول من حفظ القرآن على عهد النبي "صلى الله عليه وسلم"، سعد بن عبيد، وجمعه من الخزرج: أبي بن كعب، ومعاذ بن جبل، وزيد بن ثابت، وأبو الدرداء، وأبو زيد.
وقال ابن عباس:
جمع القرآن على عهد النبي "صلى الله عليه وسلم" أربعة:
معاذ بن جبل، وأبي بن كعب، ومجمع بن جارية[1]، وسالم مولى أبي حذيفة[2].
[1]في الأصل "حارثة" وهو تصحيف، ومجمع بن جارية بن عامر العطاف الأنصاري الصحابي، وكان غلاما حدثا، حين جمع القرآن، وكان أبوه جارية ممن اتخذ مسجد الضرار، وكان مجمع يصلى بهم فيه، ثم أخر به النبي صلى الله عليه وسلم. فلما كان زمان عمر كلم ليصلي بالناس، فقال: لا! أو ليس بإمام المنافقين في مسجد الضرار. فقال لعمر: والله الذي لا إله إلا هو، ما علمت بشيء من أمرهم فتركه فصلى بهم. مات بالمدينة في خلافة معاوية "رضي الله عنه" "طبقات القراء جـ2-42".
[2]هو، سالم بن عتبة بن ربيعة، أبو عبد الله الصحابي الكبير، وردت عنه الرواية في حروف القرآن، استشهد يوم اليمامة سنة 12هـ. وهو أحد الذين قال فيهم الرسول: خذوا القرآن من أربعة "انظر طبقات القراء: 1-301".
واختلف في الحرف الذي كتب عليه المصحف:
فقيل: حرف زيد بن ثابت.
وقيل: حرف أبي بن كعب؛ لأنه على العرضة الآخرة، التي قرأ بها رسول الله صلى الله عليه وسلم.
وعلى الحرف الأول أكثر الرواة:
ومعنى قولنا: حرف زيد، أي قراءته وروايته وطريقته.
ولم يختلف في أن ابن مسعود لم يكن على عهد النبي "صلى الله عليه وسلم" جمع القرآن كله. بل قال: إني جمعت منه على عهد النبي بضعا وسبعين سورة، وتلقيت من في رسول الله "صلى الله عليه وسلم" سبعين سورة.
فإن سأل سائل، فقال:
قد روى عن النبي "صلى الله عليه وسلم"، أنه قال:
"خذوا القرآن من أربعة: من عبد الله بن مسعود، وأبي بن كعب، ومعاذ بن جبل، وسالم مولى أبي حذيفة".
ولم يذكر زيدا، وأنتم تنتمون في القراءة وجمع المصحف إلى أبي، وزيد؟
فالجواب: / 10ى.
أن هذا الأمر من النبي "صلى الله عليه وسلم"، عند العلماء إنما هو تنبيه منه على قوم كانوا لم يشتهروا في ذلك الوقت بما نسب إليهم النبي "صلى الله عليه وسلم"، فنبه النبي عليهم ليعلم ذلك منهم، وترك ذكر من اشتهر في القرآن، وعرف فضله، ولم يجهل قدره وعلمه، كزيد بن ثابت، وعلي بن أبي طالب.
وقيل:
إن معنى ذلك أنه "صلى الله عليه وسلم"، قال ذلك يوم قاله، ولم يكن في القوم أقرأ ممن ذكر، ثم حدث بعد من هو مثلهم، وأقرأ منهم كزيد بن [ثابت][1]وعلى.
فإن قيل:
قد روي عن النبي "صلى الله عليه وسلم"، أنه قال: "من أراد أن يقرأ القرآن غضا، فليقرأه بقراءة ابن أم عبد"، يعني ابن مسعود.
وعنه أنه قال: "من أراد أن يسمع كلام الله غضا، كما أنزل
[1]زيادة يقتضيها المقام.
فليسمعه من في ابن أم عبد".
وقد تركت قراءة ابن مسعود اليوم، ومنع مالك وغيره أن يقرأ بالقراءة، التي تنسب إلى ابن مسعود.
فالجواب:
أن ما قاله الحسين بن علي الجعفي[1]قال:
إن معنى ذلك أن ابن مسعود كان يرتل القرآن، فحض النبي الناس على ترتيل القرآن بهذا القول.
دليله قوله في الحديث الآخر: فليسمعه من في ابن مسعود، فحض على سماع ترتيل القرآن.
وكذلك الجواب عن الحديث الذي روى عنه "صلى الله عليه وسلم"، أنه قال: "من أراد أن يقرا القرآن غضا كما أنزل، فليقرأه كما يقرأ ابن مسعود".
قال الجعفي:
[1]الحسين بن علي الجعفي، مولاهم الكوفي الزاهد أحد الأعلام، قرأ على حمزة، وهو أحد الذين خلفوه في القيام بالقراءة، وروى القراءة عن أبي بكر بن عياش، وأبي عمرو بن العلاء، قال عنه الكسائي: إنه أقرأ الناس في عهده مات سنة 203هـ، عن أربع وثمانين سنة "طبقات القراء: 1-247".
معناه أنه ليس يريد به حرفه الذي يخالف المصحف، إنما أراد ترتيله إذا قرأ.
حض النبي "صلى الله عليه وسلم" أمته على ترتيل القرآن.
وقد أمر الله "تبارك وتعالى" نبيه بذلك فقال:
{وَرَتِّلِ الْقُرْآنَ تَرْتِيلًا}[1].
قلتك ولا ينكر أن يكون "صلى الله عليه وسلم"، أراد حرفه الذي كان يقرأ به، ونحن نقرأ بذلك من قراءته، ونتولى ذلك، ونرويه، ونرغب اليوم فيه، ما لم تخالف قراءته المصحف. فإن خالف المصحف لم نكذب بها، ولم نقرأ بها؛ لأنها خارجة عن الإجماع، منقولة بخبر الآحاد، والإجماع أولى من خبر الآحاد؛ ولأنا لا نقطع أنها قراءة ابن مسعود على الحقيقة، إذ لم يصحبها إجماع.
ولذلك قال مالك وغيره: القراءة التي تنسب إلى ابن مسعود. فقال: تنسب إليه. ولم يقل قراءة ابن مسعود، والشيء قد ينسب إلى الإنسان، وهو غير صحيح عنه.
ولذلك قال إسماعيل القاضي:
[1]سورة المزمل آية 4.
ما روي من قراءة ابن مسعود وغيره، يعني مما يخالف خط المصحف، ليس ينبغي لأحد أن يقرأ به اليوم؛ لأن الناس لا يعلمون علم يقين أنها قراءة ابن مسعود، وإنما هو شيء يرويه بعض من يحمل الحديث، ولا يجوز أن يعدل عن اليقين/ 10ش إلى ما لا يعلم يقينه.
وقد فسرنا هذا القول فيما مضى، وهو مارد مالك وغيره، وإنما عنوا من ذلك ما يخالف خط المصحف لا يقرأ به اليوم.
وقد قال عمر "رضي الله عنه": على أقضانا، وأبي، أقرؤنا.
ومعناه: أنه وصفهما بأكثر علمهما، وهما يعلمان غير ذلك من العلوم.
ويروى أن أبيا، كان أقرب الناس عهدا بآخر قراءة النبي "صلى الله عليه وسلم"، وهي العرضة الآخرة.
وقد ثبت عن النبي "صلى الله عليه وسلم"، أنه قال لأبي:
إن الله أمرني أن أقرأ عليك القرآن، في حديث طويل معناه: أنه "صلى الله عليه وسلم"، أمر أن يقرأ على أبي ليتعلم أبي منه