واختلف في الحرف الذي كتب عليه المصحف:
فقيل: حرف زيد بن ثابت.
وقيل: حرف أبي بن كعب؛ لأنه على العرضة الآخرة، التي قرأ بها رسول الله صلى الله عليه وسلم.
وعلى الحرف الأول أكثر الرواة:
ومعنى قولنا: حرف زيد، أي قراءته وروايته وطريقته.
ولم يختلف في أن ابن مسعود لم يكن على عهد النبي "صلى الله عليه وسلم" جمع القرآن كله. بل قال: إني جمعت منه على عهد النبي بضعا وسبعين سورة، وتلقيت من في رسول الله "صلى الله عليه وسلم" سبعين سورة.
فإن سأل سائل، فقال:
قد روى عن النبي "صلى الله عليه وسلم"، أنه قال:
"خذوا القرآن من أربعة: من عبد الله بن مسعود، وأبي بن كعب، ومعاذ بن جبل، وسالم مولى أبي حذيفة".
ولم يذكر زيدا، وأنتم تنتمون في القراءة وجمع المصحف إلى أبي، وزيد؟
فالجواب: / 10ى.
أن هذا الأمر من النبي "صلى الله عليه وسلم"، عند العلماء إنما هو تنبيه منه على قوم كانوا لم يشتهروا في ذلك الوقت بما نسب إليهم النبي "صلى الله عليه وسلم"، فنبه النبي عليهم ليعلم ذلك منهم، وترك ذكر من اشتهر في القرآن، وعرف فضله، ولم يجهل قدره وعلمه، كزيد بن ثابت، وعلي بن أبي طالب.
وقيل:
إن معنى ذلك أنه "صلى الله عليه وسلم"، قال ذلك يوم قاله، ولم يكن في القوم أقرأ ممن ذكر، ثم حدث بعد من هو مثلهم، وأقرأ منهم كزيد بن [ثابت][1]وعلى.
فإن قيل:
قد روي عن النبي "صلى الله عليه وسلم"، أنه قال: "من أراد أن يقرأ القرآن غضا، فليقرأه بقراءة ابن أم عبد"، يعني ابن مسعود.
وعنه أنه قال: "من أراد أن يسمع كلام الله غضا، كما أنزل
[1]زيادة يقتضيها المقام.
فليسمعه من في ابن أم عبد".
وقد تركت قراءة ابن مسعود اليوم، ومنع مالك وغيره أن يقرأ بالقراءة، التي تنسب إلى ابن مسعود.
فالجواب:
أن ما قاله الحسين بن علي الجعفي[1]قال:
إن معنى ذلك أن ابن مسعود كان يرتل القرآن، فحض النبي الناس على ترتيل القرآن بهذا القول.
دليله قوله في الحديث الآخر: فليسمعه من في ابن مسعود، فحض على سماع ترتيل القرآن.
وكذلك الجواب عن الحديث الذي روى عنه "صلى الله عليه وسلم"، أنه قال: "من أراد أن يقرا القرآن غضا كما أنزل، فليقرأه كما يقرأ ابن مسعود".
قال الجعفي:
[1]الحسين بن علي الجعفي، مولاهم الكوفي الزاهد أحد الأعلام، قرأ على حمزة، وهو أحد الذين خلفوه في القيام بالقراءة، وروى القراءة عن أبي بكر بن عياش، وأبي عمرو بن العلاء، قال عنه الكسائي: إنه أقرأ الناس في عهده مات سنة 203هـ، عن أربع وثمانين سنة "طبقات القراء: 1-247".
معناه أنه ليس يريد به حرفه الذي يخالف المصحف، إنما أراد ترتيله إذا قرأ.
حض النبي "صلى الله عليه وسلم" أمته على ترتيل القرآن.
وقد أمر الله "تبارك وتعالى" نبيه بذلك فقال:
{وَرَتِّلِ الْقُرْآنَ تَرْتِيلًا}[1].
قلتك ولا ينكر أن يكون "صلى الله عليه وسلم"، أراد حرفه الذي كان يقرأ به، ونحن نقرأ بذلك من قراءته، ونتولى ذلك، ونرويه، ونرغب اليوم فيه، ما لم تخالف قراءته المصحف. فإن خالف المصحف لم نكذب بها، ولم نقرأ بها؛ لأنها خارجة عن الإجماع، منقولة بخبر الآحاد، والإجماع أولى من خبر الآحاد؛ ولأنا لا نقطع أنها قراءة ابن مسعود على الحقيقة، إذ لم يصحبها إجماع.
ولذلك قال مالك وغيره: القراءة التي تنسب إلى ابن مسعود. فقال: تنسب إليه. ولم يقل قراءة ابن مسعود، والشيء قد ينسب إلى الإنسان، وهو غير صحيح عنه.
ولذلك قال إسماعيل القاضي:
[1]سورة المزمل آية 4.
ما روي من قراءة ابن مسعود وغيره، يعني مما يخالف خط المصحف، ليس ينبغي لأحد أن يقرأ به اليوم؛ لأن الناس لا يعلمون علم يقين أنها قراءة ابن مسعود، وإنما هو شيء يرويه بعض من يحمل الحديث، ولا يجوز أن يعدل عن اليقين/ 10ش إلى ما لا يعلم يقينه.
وقد فسرنا هذا القول فيما مضى، وهو مارد مالك وغيره، وإنما عنوا من ذلك ما يخالف خط المصحف لا يقرأ به اليوم.
وقد قال عمر "رضي الله عنه": على أقضانا، وأبي، أقرؤنا.
ومعناه: أنه وصفهما بأكثر علمهما، وهما يعلمان غير ذلك من العلوم.
ويروى أن أبيا، كان أقرب الناس عهدا بآخر قراءة النبي "صلى الله عليه وسلم"، وهي العرضة الآخرة.
وقد ثبت عن النبي "صلى الله عليه وسلم"، أنه قال لأبي:
إن الله أمرني أن أقرأ عليك القرآن، في حديث طويل معناه: أنه "صلى الله عليه وسلم"، أمر أن يقرأ على أبي ليتعلم أبي منه
قراءته، ويسمع ألفاظه وترتيله، لا ليتعلم النبي "صلى الله عليه وسلم" منه شيئا.
وقد خص أبو بكر زيدا بجمع القرآن في السعف والجريد، ولم يخالفه فيه أحد من الصحابة.
ثم خصه عمر بجمعه في الصحيفة، ولم يخالفه أحد من الصحابة.
ثم خصه عثمان بجمع المصحف مع غيره، ولم يخالفه فيه أحد من الصحابة.
وهذا كله يدل على فضل ظاهر، بارع، وثقة وأمانة في زيد.
ويقوي ذلك تخصيص رسول الله "صلى الله عليه وسلم" بكتابة الوحي. ولذلك خصه أصحابه بجمع القرآن، مع أنه كان قد جمع القرآن على عهد رسول الله "صلى الله عليه وسلم"، وقرأه على النبي كأبي.
ولذلك أضاف أكثر القراء القراءة إليهما، عن النبي "صلى الله عليه وسلم"، أعني أبيًّا وزيدًا.
فإن قيل:
فإنك قد ذكرت أولا عن زيد أنه قال: فقدنا آية كذا في عهد أبي بكر، وآية كذا في عهد عثمان، فوجدنا ذلك مع فلان، ومع فلان فأثبتنا ذلك.
وقد روى أنه قال، إذ أمره أبو بكر بجمع القرآن:
فجمعت القرآن من صدور الرجال،
ومن كذا، ومن كذا.
وهذا كله يدل على أن زيدا، لم يكن يحفظ القرآن على عهد النبي صلى الله عليه وسلم" وإذا لم يحفظ، فكيف قرأ على النبي "صلى الله عليه وسلم"، وهو لا يحفظه.
فالجواب عن ذلك:
أن من حفظ القرآن من الأولين والآخرين، لا ينكر أن يشك في آية وفي أكثر، وأن تسقط عنه الآية والحرف والأكثر، ولا يخرجه ذلك من أن ينسب إليه حفظ القرآن، وأن يقرأه على غيره.
وإنما جرت الناس، فيمن نسب إليه حفظ القرآن، أن يكون ذلك على الأعم والأكثر، وإلا فليس يسلم أحد من الحفاظ، من وهم أوشك أو غلط فيه. لكن الناس يتفاضلون في ذلك:
فمنهم من يقل منه ذلك، وهو الممدوح بقوة الحفظ.
ومنهم من يكثر ذلك منه، ولا يخرجه ذلك من أن ينسب إليه حفظ القرآن؛ لأنه/ 11ى يحفظ الأكثر والأعم بلا شك.
وقد صح أن النبي "صلى الله عليه وسلم"، أسقط في قراءته في صلاته شيئا من القرآن. فهل يقول أحد: إن النبي "صلى الله عليه وسلم"، كان لا يحفظ القرآن؟!
وأما قول زيد بن ثابت: "جمعت القرآن من صدور الرجال". فإنما معنى ذلك أنه استوثق فيما نقل بحفظ غيره مع حفظه.
ويجوز أن يكون أراد جمع ما وهم فيه، أو نسي من صدور الرجال، فلما ذكره غيره بما نسى من حفظه تذكره وتيقنه؛ لأنه كان يحفظه، فأثبته على يقين منه به، ولم يخالفه أحد فيما أثبت، فصار غجماعا لا أنه[1]فيه خبر الواحد.
وقد بينا هذا المعنى فيما تقدم[2].
[1]في الأصل؛ لأنه، والسياق يقتضي "لا أنه".
[2]انظر ص: 60، ص: 77.