الفصل الأول: الإبدال في الحروف (الصوامت) :
توطئة:
الإبدال في الاصطلاح: جعل حرف مكان آخر مطلقاً، وهو عند علماء العربية1 قسمان:
1- إبدال صرفي، وهو الإبدال القياسي المطرد عند جميع العرب، ويقع في حروف معينة، مثل تاء افتعل إذا جاء بعدها أحد حروف الإطباق فإنها تبدل طاء، كقولهم في (اصتب) : "اصطبر" وهو لا غنى عنه، تركه يوقع في الخطأ، أو مخالفة الأكثر من كلام العرب2.
وحروفه تسعة عند ابن مالك، عبر عنها في (الألفية) و (الكافية الشافية) بقوله: "هدأت موطيا"3 وفي (التسهيل) 4 بقوله: "طويت دائمًا" فأسقط الهاء. وجمعها أبو علي القالي في اثني عشر حرفًا عبر عنها بقوله: "طال يوم أنجدته"5. وهي عند الزمخشري خمسة عشر حرفًا عبر عنها بقوله: "استنجده يوم طال زط"6. والذي ذكره سيبويه منها أحد عشر حرفًا: ثمانية من حروف الزيادة، وهي ما سوى اللام والسين، وثلاثة من غيرها، وهي الدال والطاء والجيم، يجمعها في اللفظ عبارة: "أجد طويت منهلا"7.
1 ينظر: الأمالي2/186، وشرح الكافية الشافية4/2079،2080، والأشموني4/282، وهمع الهوامع 3/427، والمزهر1/ 474.
2 شرح الكافية الشافية4/2080.
3 شرح الكافية الشافية4/2077، وشرح ابن عقيل 2/481، والأشموني 4/280.
4 ص 300.وينظر: المساعد 4/86.
5 الأمالي2/186.
6 المفصل 428.
7 سيبويه4/237، والتبصرة 2/812.وينظر: المقتضب 1/61، وابن يعيش 10/8، والأشموني4/283.
2- إبدال لغوي، وهو الذي يعنينا في هذا البحث، وهو سماعي غير مطرد في كلام العرب، ولكنه يختلف باختلاف القبائل، فقبيلة تقول: مدح، بالحاء، وأخرى: مده، بالهاء1. ولا يعد مخالفه مجانبًا للصواب اللغوي2، ويقع - غالبًا - في جميع حروف المعجم3.
ولم تقف نظرة اللغويين عند التغيير الذي يلحق حروف الكلمة، بل رأوا أن الإبدال يكون في الحركات أيضًا، وعلى هذا فيمكن تعريف الإبدال بأنه: جعل حرف مكان آخر، أو حركة مكان أخرى4.
وقد اختلف القدماء في معنى الإبدال اللغوي وسببه على رأيين:
1- فريق يرى أن كل لفظين اختلفا في حرف واحد، واتفقا في سائر الحروف هو من باب الإبدال، ومن هؤلاء أبو الطيب اللغوي الذي كان يرى أن الإبدال بجميع صوره لا يقع إلا بين لغتين مختلفتين، وقد وضح هذا بقوله: "ليس المراد بالإبدال أن العرب تتعمد تعويض حرف من حرف، وإنما هي لغات مختلفة لمعان متفقة، تتقارب اللفظتان في لغتين لمعنى واحد حتى لا يختلفا إلا في حرف واحد.
قال: والدليل على ذلك أن قبيلة واحدة لا تتكلم بكلمة طورًا مهموزة، وطورًا غير مهموزة، ولا بالصاد مرة، وبالسين أخرى، وكذلك إبدال لام التعريف ميمًا، والهمزة المصدرة عينًا، كقولهم في أنّ: عنّ، لا تشترك العرب في
1 الصاحبي203، والإبدال 1/316.
2 اللهجات العربية72.
3 همع الهوامع 3/427، والمزهر 1/461.وينظر: شرح الكافية الشافية4/2079، والمساعد 4/86،87، والأشموني4/279، 282.
4 اللهجات العربية71.
شيء من ذلك، إنما يقول هذا قوم، وذاك آخرون"1.
2- وفريق آخر يشترط لكي تعد الكلمتان من الإبدال تقارب الصوتين، أي: وجود علاقة صوتية بينهما تسوغ إحلال أحدهما محل الآخر، كقول الأصمعي: "النغر والمغر. الميم بدل من النون لمقاربتها في المخرج"2. وقد نص على ذلك صراحة أبو علي الفارسي في قوله: "القلب في الحروف إنما هو فيما تقارب منها، وذلك: الدال والطاء والتاء، والذال والظاء والثاء، والهاء والهمزة، والميم والنون، وغير ذلك مما تدانت مخارجه. فأما الحاء فبعيدة من الثاء، وبينهما تفاوت يمنع من قلب إحداهما إلى أختها"3.
وكان تلميذه ابن جني يرى -كذلك - أن الإبدال لا يقع إلا في الأصوات المتقاربة المخارج4.
وقال ابن سيده: "ما لم يتقارب مخرجاه ألبتّة فقيل على حرفين غير متقاربين فلا يسمى بدلاً، وذلك كإبدال حرف من حروف الفم من حرف من حروف الحلق"5.
وفي عبارة موجزة علل الأزهري حدوث الإبدال في لغات العرب بقوله: إذا تقارب الحرفان في المخرج تعاقبا في اللغات"6.
وقد وصل هذا الخلاف إلى المعاصرين، فمنهم من يرى إمكانية حدوث الإبدال في جميع أصوات العربية سواء فيما تقارب منها مخرجًا وصفة، أو ما تقارب صفة وتباعد
1 الإبدال 1/69، وينظر: المزهر 1/460.
2 النوادر لأبي زيد291.
3 سر صناعة الإعراب 1/180.
4 الخصائص 2/149-152.
5 المخصص13/274.
6 تهذيب اللغة10/6.
مخرجًا. ومن أشهر القائلين بهذا الرأي عبد الله أمين في كتابه (الاشتقاق) 1.
ومنهم من يقول بوجوب التقارب بين الصوتين، ومن هؤلاء الدكتور إبراهيم أنيس الذي يقول: "حين نستعرض تلك الكلمات التي فُسرت على أنها من الإبدال حينًا، أو من تباين اللهجات حينًا آخر، لا نشك لحظة في أنها جميعًا نتيجة التطور الصوتي … غير أنه في كل حالة يشترط أن نلحظ العلاقة الصوتية بين الحرفين المبدل والمبدل منه. ودراسة الأصوات كفيلة بأن توقفنا على الصلات بين الحروف وصفات كل منها. أي: أن القرب في الصفة والمخرج شرط أساسي في كل تطور صوتي"2.
ونحن في بحثنا هذا سنأخذ برأي الفريقين في تفسير ظواهر الإبدال في لغات الأزد، سواء ما كان منها في الحروف (الصوامت) أو الحركات (الصوائت) .
1 ص361.
2 من أسرار اللغة75. وينظر بعض أراء المعاصرين في وجوب التقارب: الإبدال لأبي الطيب (مقدمة المحقق) 1/9، ودراسات في فقه اللغة217-219.
المبحث الأول: اللغات الملقبة:
الاستنطاء:
...
المبحث الأول: اللغات الملقبة:
نعني باللغات الملقبة، تلك الظواهر اللغوية التي خلت منها لغة قريش، وعرفت بألقاب خاصة، كالكسكسة والكشكشة والطمطمانية والاستنطاء، ونحو ذلك مما ذكره ابن فارس تحت باب (اللغات المذمومة) 1 وذكره السيوطي بعنوان (معرفة الرديء والمذموم من اللغات) 2.
وقد عزي إلى قبائل الأزد بعض الظواهر الإبدالية الملقبة، من غير أن تنفرد بلقب واحد منها، حيث نجد بعض المصادر تنسب اللقب إلى الأزد في حين يُنسب في مصادر أخرى إلى غيرهم من قبائل العرب، وليس هذا من قبيل التعارض في النسبة، لأن بعض الظواهر اللغوية قد تنتشر بحكم المجاورة أو الاختلاط في المواسم الدينية أو الأسواق أو الحروب بين عدد كبير من القبائل العربية، فيروي كل لغوي ما بلغه منها.
وسندرس - فيما يلي - ما عزي إلى الأزد من ظواهر الإبدال الملقبة، مرتبة على حروف المعجم:
1- الاستنطاء:
يفسر اللغويون هذه الظاهرة بأنها عبارة عن جعل العين الساكنة نونًا إذا جاورت الطاء، كقولهم: "أنطى" بدلاً من أعطى3. ومن شواهدها: ما روته أم سلمة - رضي الله عنها - عن رسول الله صلى الله عليه وسلم أنه قرأ "إنا أنطيناك الكوثر" 4.
1 الصاحبي53.
2 المزهر1/221.
3 الإبدال لأبي الطيب 2/318، والمزهر1/222، والتاج (ن ط ا) 10/372.
4 سورة الكوثر 1. وينظر: المعجم الكبير للطبراني23/365 (862) ، وشواذ القرآن182، والكشاف4/806.
كما قرأ ابن مسعود والأعمش: (وأنطاهم تقواهم) 1 في قوله تعالى: {وَآتَاهُمْ تَقْوَاهُمْ} 2.
ومن ذلك قوله صلى الله عليه وسلم: "لا مانع لما أنطيت، ولا منطي لما منعت"، وقوله: "اليد المنطية خير من اليد السفلى"، ومنه كتابه لوائل بن حُجْر: "وأنطوا الثَّبَجَة" وقوله لرجل آخر: "أنطه كذا" 3.
وفي كتابه - صلى الله عليه وسلم - لتميم الداري: "هذا ما أنطى محمد رسول الله لتميم الداري وإخوته …" 4 قال الزَّبيدي: "ويسمون هذا الإنطاء الشريف، وهو محفوظ عند أولاده"5. وقال ابن الأعرابي: "شرّف النبي صلى الله عليه وسلم هذه اللغة وهي حميرية"6.
ومن شواهدها في الشعر قول أعشى قيس:
جيادك في القيظ في نعمة
...
تُصان الجِلال وتنطى الشَّعيرا7
وأنشد ثعلب:
من المنطيات المركب المعج بعدما ... يُرى في فروع المقلتين نُضوب8
1 شواذ القرآن142.
2 سورة محمد 17.
3 النهاية1/206، 5/76. والثبجة: الوسط في الصدقة.
4 مسالك الأبصار لابن فضل الله العمري 1/174.
5 التاج (ن ط ا) 10/372.
6 تهذيب اللغة 14/30.
7 الإبدال لأبي الطيب 2/318، وفي ديوانه 149: (وتعطي الشعير) .
8 اللسان (ن ض ب) 1/763، (ن ط ا) 15/333.
قال الخليل: "الإنطاء لغة في الإعطاء"1 وقال الجوهري: "الإنطاء: الإعطاء بلغة اليمن"2.وعزاها ابن الأعرابي - في قوله المتقدم - وابن الجوزي3 إلى حمير. وقال التبريزي: "هي لغة العرب العاربة من أولي"4 وعزاها السيوطي5 والزَّبيدي6 إلى سعد بكر، وهذيل، والأزد، وقيس، والأنصار، وهم بطن من الأزد.
ويرى الدكتور الجندي أن قيس المذكورة ليس المراد بها قيس عيلان، وإنما هي بطن من همدان، بدليل قول الأعشى السابق، وهو من قيس القحطانية.
كما يرى أن هذيل المذكورة ليست تلك القبيلة المعروفة من مضر، وإنما هي هذيل اليمنية. قال: فتكون هذه اللغة قد خلصت لليمن بدليل وجود الأنصار والأزد في نص السيوطي، وجميعهم من اليمن7. غير أن هذا لا يمنع من انتقالها إلى قبائل أخرى غير يمنية، فاللغات لا تعرف الثبات بل تنتقل بين القبائل بالمجاورة والاختلاط، ومن المعروف جغرافيًا أن بعض بطون هذيل وقيس كانت تجاور الأزد في السراة8، ومن هنا يأتي التأثير، فانعكست بعض الظواهر الأزدية على قبيلة هذيل وقيس ومنهم بنو سعد بن بكر.
1 العين 7/454.
2 الصحاح (نطا) 6/2512.وينظر: الفائق 1/17، والنهاية5/76.
3 غريب الحديث2/418.
4 البحر المحيط 10/556، والدر المصون 11/125.
5 المزهر 1/222.
6 التاج (المقدمة) 1/8، (ن ط ا) 10/372.
7 اللهجات العربية في التراث 1/381.
8 ينظر: معجم ما استعجم 1/15، ومعجم البلدان 3/204.
كما أن "التوزيع الجغرافي لمواطن النطق بالصيغة (أنطى) قديمًا وحديثًا، يبين أنها كانت توجد على طرق القوافل، من الجنوب إلى الشمال، ومن ثم فإن احتمال انتقال هذه الصيغة من الجنوب، أي: من بلاد اليمن، على طول رحلتي الشتاء والصيف، احتمال مقبول"1.
ولا تزال هذه اللغة منتشرة في أماكن مختلفة من الوطن العربي، فقد سُمعت في العراق2 وفي صحاري مصر3 وفي غرب السودان وشرقه4.
ولم يسمع للاستنطاء مثال آخر غير الفعل أعطى في لغة القبائل التي روي عنها، ومن هنا استبعد الدكتور رمضان عبد التواب أن تقلب العين وهي حرف حلقي إلى النون وهي حرف غير حلقي، فمخرج كل منهما بعيد عن مخرج الأخرى. قال: "ومن المعروف أن الصوت لا يقلب إلى صوت آخر إلا إذا كان بين الصوتين نوع من القرابة الصوتية في المخرج والصفة"5 وقد أشرنا من قبل إلى رأي فريق من العلماء القدامى والمعاصرين الذي يشترط وجود علاقة صوتية بين الحرفين المبدلين تدعو إلى إحلال أحدهما محل الآخر.
ويرى الدكتور عبد الغفار حامد هلال أن تباعد مخرجي النون والعين ليس مبررًا كافيًا يمنع أن تقلب العين نونًا، فالصوتان وإن تباعد مخرجاهما إلا أن بينهما تقاربا في بعض الصفات يسوغ التبادل بينهما، كالجهر والانسفال والانفتاح، ثم هما أيضًا صوتان متوسطان بين الرخاوة والشدة6.
1 العربية ولهجاتها 51.
2 دراسات وتعليقات في اللغة 125.
3 مميزات لغات العرب 13.
4 دراسات وتعليقات في اللغة 124.
5 ودراسات وتعليقات في اللغة 126.
6 اللهجات العربية نشأة وتطورًا 186، وينظر: مخارج الحروف وصفاتها 126، 127، وارتشاف الضرب1/10، وفي اللهجات العربية 141.