وذهب إلى هذا الرأي الدكتور عبد المجيد عابدين، وقال: "فـ (أنطى) في العربية أصله: نطا ينطو، أي: مدّ يمدّ، يقال: نطوت الحبل، أي: مددته، وهو من أصل يختلف عن: عطا يعطو، بمعنى: تناول، وإن كان معنياهما يتقاربان في الاستعمال، ولكل لفظ في الفصحى مادته ومشتقاته. وظن السيوطي أن العين الساكنة أبدلت نونًا، وليس هناك إبدال على الحقيقة، ولا لتسكين العين أو تحريكها علاقة بالصيغة النونية"1.
وكان أبو حيان - وهو على دراية ببعض اللغات السامية - يرى أيضًا أنهما أصلان مختلفان لا إبدال فيهما، قال: "قال أبو الفضل الرازيّ وأبو زكريا التبريزيّ: أبدل من العين نونًا، فإن عنيا النون في هذه اللغة مكان العين في غيرها فحسن، وإن عنيا البدل الصناعي فليس كذلك، بل كل واحد من اللغتين أصل بنفسها لوجود تمام التصرف من كل واحدة، فلا يقول الأصل العين، ثم أبدلت النون منها"2.
ويرى الدكتور عبد الرحمن أيوب أن في العربية الفعل (ناط) بمعنى أسند الأمر لإنسان ما ليقوم به وهو في العبرية (ناتا) وفي الأمهرية (أمطى) مزيد عليه الهمزة كالفعل العربي (أعطى) ووجود النون في العبرية فاء للفعل والميم في الأثيوبية دليل على أن المادة الأصلية للفعل العربي (ن ط ى) 3.
ولم يرتض الدكتور رمضان عبد التواب هذا التفسير، لأنه – في رأيه - يبعد عن المعنى العام لكلمة (أنطى) في العربية، وهو مطلق الإعطاء. ويرى أن
1 من أصول اللهجات العربية في السودان 112.
2 البحر المحيط 10/556.
3 العربية ولهجاتها 51.
مقابل الفعل (أعطى) في العبرية (natan) أي: نون وتاء ونون. وفي السريانية في المضارع (nettal) مع إدغام النون الأولى في التاء، والنون الثانية في لام الجر. قال: ولعل ما حدث في لغة هذه القبائل التي روي عنها الاستنطاء، هو عملية نحت لما في هاتين اللغتين واللغة العربية، فأخذت فاء الفعل من العبرية والسريانية، وبقيت عينه ولامه كما هما في العربية"1.
وللدكتور إبراهيم السامرائي رأي طريف في تفسير هذه الظاهرة، حيث يقول: "إني لأرى فيها أن بين الفعل (أعطى) و (آتى) قرابة، والفعلان هما هما في الدلالة، قال تعالى: {وَآتَى الْمَالَ عَلَى حُبِّهِ ذَوِي الْقُرْبَى وَالْيَتَامَى وَالْمَسَاكِينَ} 2، وأنا أفترض أن الثلاثي (أتى) بزيادة الهمزة يؤدي هذا المعنى. وإذا ضاعفنا التاء كان عندنا (أتّى) والمضاعف يصبح (أنتى) حين يفك التضعيف ويبدل النون من إحدى التاءين على غرار طائفة من الأفعال غير هذا الفعل، وكأن (أنتى) صار (أنطى) بإبدال الطاء من التاء. ولنا أن نقول: إن (أعطى) جاء من (آتى) بإبدال الهمزة الثانية عينًا، والتاء طاء"3.
وهذا الرأي قريب من واقع الكلمة في بيئتها العربية، ويعضده ما عزي إلي بعض أهل اليمن أنهم يبدلون الحرف الأول من الحرف المشدد نونًا، فيقولون في الحظّ، والإجّاص، والإجّانة، والقبّرة: الحنظ، والإنجاص، والإنجانة، والقنبرة4.
1 دراسات وتعليقات في اللغة 127، 128.
2 سورة البقرة 177.وكتبت الآية في الأصل سهوًا: "وآتى المال على حبه مسكينًا ويتيمًا وأسيرًا".
3 في اللهجات العربية القديمة 80،191. وينظر: دراسات في اللغة 217.
4 الاقتضاب 2/181.
2- الطمطمانية:
تتمثل هذه اللغة في إبدال لام التعرف ميمًا، كقولهم: "طاب امهواء"1. أي: طاب الهواء.
وقد عزيت هذه الظاهرة إلى الأزد، وإلى قبائل يمنية أخرى.
فعزيت إلى دوس2، وهم من أزد شنوءة الذين نزلوا السراة، حيث روي عن أبي هريرة الدوسي - رضي الله عنه - أنه قال: "قلت لعثمان - وهو محصور في الدار -: طاب امضرب يا أمير المؤمنين - أي: حل القتال - قال: عزمت عليك لتخرجن، فأطعت أمير المؤمنين"3.
وقال أبو العباس ثعلب: "هذه لغة للأزد مشهورة"4.
وعُزيت إلى طيئ5، وهي في الأصل قبيلة يمنية هاجرت إلى شمال الجزيرة العربية. ومن شواهدها لدى طيئ قول بُجير بن عَنَمة الطائي6:
ذاك خليلي وذو يعاتبني
...
يرمي ورائي بامسهم وامْسَلِمة
أي: بالسهم والسلمة.
1 فقه اللغة للثعالبي 111، والمزهر 1/223.
2 المباني في نظم المعاني 222.
3 الكفاية في علم الرواية 184.وينظر: غريب الحديث لأبي عبيد 4/193، وتاريخ الطبري 2/675، والنهاية 3 /150.
4 مجالس ثعلب 1/58.
5 شرح المفصل لابن يعيش 9/20، ومغني اللبيب 70، والجنى الداني 207، وشرح شافية ابن الحاجب 3/215، وهمع الهوامع 1/79.
6 شعر طيئ1/344، وغريب الحديث لأبي عبيد 4/194، وشرح ابن يعيش 9/20، ومغني اللبيب 71، والأشموني 1/157، والصحاح (ذا) 6/2552، واللسان (أم م) 12/36، (س ل م) 12/297، (ذو) 15/459.والسّلِمَة: الحَجَر. الصحاح (س ل م) 5/1951.
وعزيت إلى زُبيد، قال ابن الكلبي: "أنشد أشياخ بني زُبيد لعمرو بن معدي كرب الزبيدي1:
خَلِمْلِم لم أخنه ولم يخني
...
علم صمصامة ام سيف ام سلام
أي: على الصمصامة السيف السلام.
وعزاها الخطيب البغدادي إلى الأشعريين. قال: "وهي لغة مستفيضة إلى الآن باليمن"2.
وعزاها بعض المعاصرين إلى سبأ أصل قبائل اليمن3.
ومعظم المصادر القديمة تعزوها إلى حمير أو إلى اليمن عامة4. وعن شمر أنه سأل امرأة حميرية فصيحة عن بلادها، فقالت: "النخل قُلٌّ، ولكن عيشنا امقمح، امفرسك، أم عنب، أم حماط، طوب، أي: طيب"5.
ومن أمثال حمير: "لولا امعباب لم تنفق امكعاب"6.
1 جمهرة النسب 45، ورواية الديوان 160:
خليلٌ لم أخنه ولم يخنّي
...
كذلك ما خِلالي أو نِدامي
2 الكفاية في علم الرواية 184.
3 لهجات اليمن قديمًا وحديثًا 64.
4 غريب القرآن لأبي عبيد 4/194، والأزهية132، 133، وفقه اللغة للثعالبي 111، ومحاضرات الأدباء 1/36، ودرة الغواص 249، والنهاية 3/150، وشرح ابن يعيش 9 /20، وشرح قطر الندى 158، والمزهر 1/223، والتصريح بمضمون التوضيح1/485 وتهذيب اللغة 12/447، 15/ 625، والصحاح 5/1951، واللسان 12/297 (س ل م) .
5 تهذيب اللغة 10/424، واللسان 10/475.
6 دراسة اللهجات العربية القديمة 85.
وقال الأخفش: "وأما ما سمعنا من اليمن، فيجعلون (أم) مكان الألف واللام الزائدتين، يقولون: رأيت امرجل، وقام امرجل، يريدون الرجل"1.
وقد سمع ابن دريد هذه اللغة باليمن أيضًا، وهي الموطن الأصلي للأزد، فقال: "يقولون: رأيت امكبّار ضرب رأسه بالعَصْو، أي: بالعصا"2.
وقد تكلم الرسول - صلى الله عليه وسلم - بهذه اللغة في مخاطبة أحد وفود اليمن فقال: "ليس من امبر امصيام في امسفر"3.
ولا تزال هذه اللغة مسموعة في جهات كثيرة من جنوب الجزيرة العربية4 وسمعتها في منطقة الباحة في تهامة غامد الزناد، لكن الغالب عليهم إبدال الميم باء، فيقولون في امجمل (ابجمل) إلا ما كان أوله باء كالبقرة، فيقولون: (امبقرة) هروبًا من اجتماع المثلين.
ويتضح من هذه الشواهد أن أل الشمسية وأل القمرية تبدلان على السواء ميمًا إلا فيما حكاه الزجاجي في حواشيه على ديوان الأدب بأن "حمير يقلبون اللام ميمًا إذا كانت مُظْهَرة كالحديث المروي، إلا أن المحدِّثين أبدلوا في (الصوم) و (السفر) وإنما الإبدال في (البِّر) فقط"5.
1 معاني القرآن 1/29.
2 جمهرة اللغة 1/327.وينظر: الاشتقاق54.
3 الحديث بهذه الرواية في مسند الإمام الشافعي 2/157، والإمام أحمد 5/434، وغريب الحديث لأبي عبيد 4/194، والكفاية في علم الرواية184، ونصب الراية للزيلعي 2/461.وأخرجه البخاري في كتاب الصوم (1844) بلفظ: "ليس من البر الصوم في السفر".
4 ينظر: لهجات اليمن قديمًا وحديثًا20، ومعجم العادات والتقاليد واللهجات المحلية في منطقة عسير 64-70.
5 التصريح بمضمون التوضيح 1/485.
وكذلك حكى ابن هشام عن بعض طلبة اليمن - في القرن السابع - أنه سمع في بلدهم من يقول: "خذ الرُّمح، واركب امفرس". أي أنهم لا يبدلون اللام ميمًا في أل الشمسية، وإنما يخصون ذلك بأل القمرية، قال: "ولعل ذلك لغة لبعضهم، لا لجميعهم، ألا ترى إلى البيت السابق، وإنها في الحديث دخلت على النوعين"1.
وذكر بعض المستشرقين أن بعض حمير يبدلون اللام في أل نونًا2، فتكون أداة التعريف عندهم هي النون كما في العبرية3، ولا يزال بعض قبائل سحار المتاخمة لخولان صعدة باليمن يقلبون أل الشمسية إلى (أنْ) ، فيقولون في الصلاة والثور: انصلاة، انثور4.
وذكر أحمد حسين شرف الدين أن المُعَرّف في اللغات اليمنية القديمة غالبًا ما يكون بالنون في آخر الاسم، مثل (ذن مسندن) أي: هذا المسند5.
ولهذا أنكر جواد علي أن ينسب إبدال اللام ميمًا في كلام حمير، وزعم أن الحديث المروي شاهدا على هذه اللغة ضعيف أو مكذوب، قال: وقد وُضِع ليكون شاهدا على الطمطمانية المذكورة، ويرى أن تنسب هذه اللغة إلى بعض طيء6.
وهذا القول غير مقبول، لحكمه على الحديث بلا علم، وقد رواه العلماء الثقات
1 مغني اللبيب 71، ويعني بالبيت: (بامسهم وامسلمة) والحديث: "ليس من امبر امصيام في امسفر".
2 دراسة اللهجات العربية القديمة 85.
3 في اللهجات العربية 142.
4 لهجات اليمن قديمًا وحديثًا 65.
5 لهجات اليمن قديمًا وحديثًا 20.
6 المفصل في تاريخ العرب قبل الإسلام 8/576.
3- المعاقبة:
عرّف ابن سيده المعاقبة بأنها: دخول الياء على الواو، والواو على الياء من
غير علة تصريفية، أما ما دخلت فيه الواو على الياء، والياء على الواو لعلة، فليس من المعاقبة، لأنه قانون من قوانين التصريف1.
ويتضح من هذا التعريف أمران:
أحدهما: أن المعاقبة ليست ناشئة من علة تصريفية، فليس منها، نحو: ميزان وميقات، لأن الواو قلبت ياء لعلة تصريفية هي سكونها وانكسار ما قبلها.
الثاني: أن يكون المعنى واحدًا في الصيغة الواوية والصيغة اليائية، ولذا لا يعد من التعاقب ما اختلف معناه، فالكور المبني من الطين، والكير: الرق الذي ينفخ فيه، فلا معاقبة هنا2.
والمعاقبة بين الواو والياء تكون في أوائل الكلم، وأواسطه وأواخره، كقولهم: غلام يَفْعة ووَفْعة، ومولود وتن ويتن، وتحوّزت إلى فئة وتحيّزت، وبينهما بون بعيد وبين بعيد، ونوّم ونيّم جمع نائم، وقلوت البسر وقليته، وهذه غنم قِنية وقنوة، وهي الجهة القصوى والقصيا3.
والتعاقب بين الواو والياء كثير ألف فيه العلماء، كـ (كتاب الاعتقاب) لأبي تراب اللغوي، وكتاب (التعاقب) لابن جني، وأفرد له ابن السكيت بابًا مستقلاً في (إصلاح المنطق) 4 ومثلُه ابن سيده في (المخصص) 5. ونظم ابن مالك بعض ألفاظ التعاقب في تسعة وأربعين بيتًا6.
وإذا كان اللغويون يذكرون أن الغالب على أهل الحجاز إيثار الصيغة اليائية
1 المخصص14/19.
2 اللهجات العربية نشأة وتطورًا 238، 240.
3 الإبدال لأبي الطيب 2/463،464،465،472، 495، 496.
4 إصلاح المنطق 135.
5 المخصص14/19.
6 المزهر 2/279-282.