بارگزاری ...
جستجو کنید
برای شروع جستجو، متن خود را وارد کنید.
صفحه 450

وابن خزيمة1، والبيهقيّ2، والقرطبي3، عن أبي هريرة - رضي الله عنه - عن النبي - صلى الله عليه وسلم - قال: "إذا قلت لصاحبك: أنصت يوم الجمعة والإمام يخطب فقد لغيت" واللفظ لمسلم.
قال أبو الزناد - من رجال الإسناد في الحديث -: "هي لغة أبي هريرة، وإنما هو فقد لغوت"4.
وقال النووي في شرحه على صحيح مسلم: "لغا يلغو كغزا يغزو، ويقال: لغي يلغى كعمي يعمى، لغتان الأولى أفصح، وظاهر القرآن يقتضي الثانية التي هي لغة أبي هريرة، قال الله تعالى: {وَقَالَ الَّذِينَ كَفَرُوا لا تَسْمَعُوا لِهَذَا الْقُرْآنِ وَالْغَوْا فِيهِ} وهذا من لغي يلغى، ولو كان من الأول لقال: "والغُوا" بضم الغين"5.
ورواه أحمد6 ومسلم7، في غير ما تقدم، والبخاري8، ومالك9، وأصحاب السنن10 عن أبي هريرة أيضًا بلفظ (لغوت) .
وهذه الرواية أشبه من سابقتها بلغة أبي هريرة الدوسي الزهراني - رضي الله عنه -.
1 الصحيح 3/154.
2 السنن الكبرى 3/219.
3 تفسير القرطبي 3/99،11/126.
4 ينظر: مصادر الحديث السابقة.
5 6/138.
6 المسند 2/272 (7672) ، 2/393 (9090) .
7 الصحيح1/583 (851) .
8 1الصحيح /316 (892) .
9 الموطأ 1/103 (232) .
10 ينظر: سنن النسائي 3/104 (1402) ، 3/189 (1577) ، وابن ماجة 1/352 (1110) ، وأبي داود1/290 (1112) ، والدارمي 1/437 (1548) ، 1/438 (1549) .


صفحه 451

كما جاء في أحاديث أخرى ما يدل على أنه - رضي الله عنه - كان يؤثر الواو على الياء، من ذلك ما أخرجه أحمد1 وابن ماجه2 عن أبي هريرة - رضي الله عنه - عن رسول الله صلى الله عليه وسلم قال: "أكذب الناس الصبّاغون والصيّاغون".
ومنه حديثه - رضي الله عنه - وقد قيل له: خرج الدجال، فقال: "كَذْبة كذبها الصّواغون"3. فنطق بالصيغة الواوية، في الحديثين، وقد يكون سمعها من رسول الله بالياء، لأنه قرشي، ولكنه نطقها بالواو علي سليقته اليمنية.
فإن كان أبو هريرة قد نطق بالصيغة اليائية على أنها لغة له، كما ذكر أبو الزناد، فلعلها في هذه الكلمة فقط، أفادتها قبيلته من إحدى القبائل الحجازية المجاورة التي تؤثر الياء في كلامها. وقد تجتمع اللغتان في قبيلة واحدة، كما حكى الخليل عن طيئ - وهي من القبائل اليمنية - أنها كانت تقول: "محيته محيًا ومحوًا"4.
بل وعزي إلى أهل الحجاز أنهم كانوا يقولون: قنوان وقصوى وقلوت، فيما يقول التميميون: قنيان وقصيا وقليت5.
1 المسند 2/292 (7907) ، 2/324 (8582) .
2 السنن 2/728 (2152) .
3 النهاية3/61، وكشف الخفاء1/191.
4 العين 3/314.وينظر: تهذيب اللغة5/277، والمخصص 13/17.
5 تهذيب اللغة 9/129، 315، والمزهر 2/ 277.


صفحه 452

وحكى ابن السكيت عن أهل الحجاز أيضًا أنهم يعاقبون بين الواو والياء، فيقولون: الصوّاغ والصيّاغ، والمياثر والمواثر، والمواثق والمياثق1.
وتابع ابن سيده ابن السكيت في إمكان المعاقبة في القبيلة الواحدة، حيث قال: "وأذكر الآن شيئًا من المعاقبة، وأُري كيف تدخل الياء على الواو، والواو على الياء من غير علة عند القبيلة الواحدة من العرب"2 ثم نقل عن ابن السكيت ما حكاه عن أهل الحجاز.
فاللغات - كما يقال - ظواهر اجتماعية لا تعرف الاطراد، ولا يمكن أن ينتظمها أو يحكمها قانون عام شامل أو جامع مانع3، وإنما هي - دائمًا - تأخذ وتعطي بفعل تأثر القبائل بعضها ببعض، كما قال ابن جني في حديثه عن الفصيح يجتمع في كلامه لغتان فصاعدًا: "وقد يجوز أن تكون لغته في الأصل إحداهما، ثم إنه استفاد الأخرى من قبيلة أخرى، وطال بها عهده، وكثر استعماله لها، فلحقت - لطول استعمالها - بلغته الأولى. وإن كانت إحدى اللفظتين أكثر في كلامه من صاحبتها، فأخلق الحالين به في ذلك أن تكون القليلة في الاستعمال هي المفادة، والكثيرة هي الأولى الأصلية"4.
ولعلنا نحمل على هذا التوجيه بعض صور المعاقبة التي سمعتها في ديار بني ناشر أحد بطون أزد السراة، فهم يقولون مثلاً: "دعيت، وعفيت، وغديت"
1 إصلاح المنطق 137، واللسان (صوغ) 8/442.
2 المخصص 14/19.
3 لهجة ربيعة 83.
4 الخصائص1/372.


صفحه 453

في دعوت، وعفوت، وغدوت. ويقولون: "لا حيل ولا قوة إلا بالله" في لا حول ولا قوة إلا بالله. والأخيرة لغة غابرة ذكرتها بعض كتب اللغة بلا عزو1.
وقد علل سيبويه حدوث التعاقب بين الواو والياء في هذه الصيغ ونحوها بطلب الخفة وكثرة الاستعمال. فقال: "الواو والياء بمنزلة الحروف التي تدانى في المخارج، لكثرة استعمالهم إياهما، وإنهما لا تخلو الحروف منهما ومن الألف أو بعضهن، فكان العمل من وجه واحد أخف عليهم"2.
وكذلك جعل ابن جني علة التعاقب بينهما طلب الخفة وكثرة الاستعمال، إذ يقول: أهل الحجاز يقولون: للصوّاغ: الصيّاغ. ووجه الاستدلال منه أنهم كرهوا التقاء الواوين - لا سيما فيما كثر استعماله - فأبدلوا الأولى من العينين ياء، فصار تقديره: الصيواغ، فلما التقت الواو والياء على هذا أبدلوا الواو للياء قبلها، فقالوا: الصيّاغ، وليس هناك علة تضطر إلى إبدالها أكثر من الاستخفاف مجردًا3.
ويرى الدكتور أحمد علم الدين الجندي أن إيثار الياء على الواو من سمة القبائل المتحضرة، كقريش وكنانة وكلب، على حين نجد القبائل البدوية تؤثر
1 شرح الكافية الشافية 4/2150، وتهذيب اللغة 5/244، واللسان 11/196، والمصباح 61 (حيل) .
2 الكتاب4/335.
3 الخصائص2/65، 66 (بتصرف) .وينظر: اللسان (صوغ) 8/442.


صفحه 454

الواو، كطىء وتميم وقيس وعقيل ومن جاورهم وعامة بني أسد1.
وعلل ميل القبائل البدوية إلى صوت الواو أو الضم، والقبائل المتحضرة إلى صوت الياء أو الكسر، بأن الضم مظهر من مظاهر الخشونة البدوية وطبع الجفاة من العرب، والكسر دليل التحضر والرقة في معظم البيئات اللغوية2.
غير أن نسبة الميل إلى الياء أو الواو إلى الحضارة أو البداوة قول لا يصدقه الواقع، فلو كان الأمر كما قال لخلت الواو من كلام الحضر والياء من كلام البدو، وهذا ما لم يصدقه واقع تلك القبائل التي وجد في لغاتها جميعًا الواوي واليائي، كالأمثلة المتقدمة. وهل لنا أن نقول - على رأيه هذا -: إنما آثر الأزديون الواو على الياء، لأنهم من القبائل البدوية؟ كلا فالأزديون - وهم من اليمن ذات الحضارة الموغلة في القدم - كانوا أكثر من القبائل المجاورة لهم في مواطنهم الجديدة ميلاً إلى الاستقرار، وأخذًا بأساليب التحضر، وإقبالاً على الأعمال التي يأنف منها البدوي، ولذلك تغلبوا على السكان الأصليين في المواطن الجديدة التي حلوا بها على الرغم من اضطرارهم إلى النزوح عن وطنهم، وإلى التشتت في أنحاء الجزيرة العربية3.
1 اللهجات العربية في التراث1/405-409.
2 مجلة مجمع اللغة العربية ص 130، العدد 41، 1397?. وينظر: في اللهجات العربية 91.
3 ينظر: العرب 808 (ج9، السنة 5) .


صفحه 455

المبحث الثاني: اللغات غير الملقبة:
إبدال التاء دالاً:
...
المبحث الثاني: اللغات غير الملقبة:
عزي إلى الأزد عدد من ظواهر الإبدال اللغوي غير الملقبة، وسندرسها فيما يلي بحسب الحروف المبدل منها، مرتبة على حروف المعجم:
1- إبدال التاء دالاً:
تتحد التاء والدال في المخرج، وهو مما بين طرف اللسان وأصول الثنايا1 كما يتحدان في الشدة والإصمات والانفتاح والانسفال2 وهذا التجانس ساعد على حدوث التبادل بينهما في ألفاظ عدة، كقولهم: ستا الثوب وسداه، وغمد سيفه وغمته، والتفتر والدفتر، وهرد الثوب وهرته3.
ومن صور هذا الإبدال ما روي عن أبي هريرة - رضي الله عنه - أنه كان يقول: "جلدّه، وفزد" وهي لغته في "جلدته، وفزت".وقد عزاها إليه أبو الزناد4 وابن بونة5.
1 الكتاب 4/433، وسر صناعة الإعراب 1/47.
2 سر صناعة الإعراب 61، 64، ومخارج الحروف وصفاتها 125،127.
3 القلب والإبدال 53،54، والإبدال والمعاقبة42، والإبدال 99 - 110.
4 صحيح مسلم (2601) وشرح النووي على صحيح مسلم 16/153، ومسند الحميدي2/450.
5 اللهجات العربية في التراث 1/86.


صفحه 456

2- إبدال التاء هاء:
استشهدوا لهذا الإبدال في لغات الأزد بلفظ واحد هو (التابوت) ، فهم يقولون: (التابوه) بالهاء، وهي لغة الأنصار خاصة، وقرئ بها - في الشواذ - قوله تعالى: {وَقَالَ لَهُمْ نَبِيُّهُمْ إِنَّ آيَةَ مُلْكِهِ أَنْ يَأْتِيَكُمُ التَّابُوتُ} 4.
4 سورة البقرة 248.وينظر: شواذ القرآن 22، وإعراب القراءات الشواذ1/261، والمحتسب 1/129، والمحرر الوجيز/133، وشرح الكافية الشافية 4/2160، وشرح المفصل 10/45، والقرطبي1/154، واللسان (توب) 1/233.


صفحه 457

قال القاسم بن معن: "لم تختلف لغة قريش والأنصار في شيء من القرآن إلا في (التابوت) فلغة قريش بالتاء، ولغة الأنصار بالهاء"1.
وروي عن زيد بن ثابت الأنصاري، وسعيد بن العاص، وعبد الرحمن بن الحارث، وعبد الله بن الزبير، والثلاثة من قريش، أنهم اختلفوا عند كتابة المصحف في (التابوت) فقال القرشيون: (بالتاء) وقال زيد: (بالهاء) فرفعوا اختلافهم إلى عثمان - رضي الله عنه - فقال: "اكتبوه التابوت، فإنه نزل بلسان قريش"2.
ويري الجوهري أن التاء ليست أصلية، وأنه من (ت وب) وأصله: تابُوَةٌ، مثل ترقوة، وهو فعلوة، فلما سكنت الواو انقلبت هاء التأنيث تاء3.
قال ابن بري: "الصواب أن يذكره في مادة (ت ب ت) لأن تاءه أصلية، ووزنه فاعول مثل: حاطوم، وعاقول، والوقف عليه بالتاء في أكثر اللغات، ومن وقف عليه بالهاء، فإنه أبدلها من التاء، كما أبدلها في الفرات حين وقف عليها بالهاء، وليست التاء في الفرات بتاء تأنيث، وإنما هي أصلية من نفس الكلمة"4.
وذهب الزمخشري إلى أنه فعلوت، مشتق من التوب، وهو الرجوع، لأنه ظرف توضع فيه الأشياء وتودعه، فلا يزال يرجع إليه فيما يحتاج إليه من
1 الصحاح (توب) 1/92.
2 سنن الترمذي 5/285. وينظر: مسند أبي يعلى1/64، وتفسير القرطبي 1/54، وسنن البيهقي2/385، والدر المصون 2/523، وشرح شذور الذهب 63.
3 الصحاح (ت وب) 1/92.
4 التنبيه والإيضاح1/45.