5- إبدال النون هاء:
قال ابن فارس في مادة (فكه) : "الفاء والكاف والهاء أصل صحيح يدل على طيب واستطابة، من ذلك الرجل الفكه: الطيب النفس … فأما التفكّه في قوله تعالى: {فَظَلْتُمْ تَفَكَّهُونَ} 2 فليس من هذا، وهو من باب الإبدال، والأصل تفكّنون، وهو من التندم"3.
2 سورة الواقعة 65.
3 المقاييس4/446.
وجاء في تهذيب اللغة: "قال اللحياني: "أزد شنوءة يقولون: يتفكّهون، وتميم تقول: يتفكّنون. وقال مجاهد في قوله: {فَظَلْتُمْ تَفَكَّهُونَ} أي: تعجّبون. وقال عكرمة: تندمون. وقال ابن الأعرابي: تفكّهت وتفكّنت، أي: تندمت"1. وقال ثعلب في أماليه: "أزد شنوءة يقولون: تفكّهون، وتميم يقولون: تفكّنون، بمعنى: تعجبون"2.وقال أبو الطيب اللغوي: "يقال: تركته متفكنًا ومتفكهًا، أي: متندمًا. وفي التنزيل: {فَظَلْتُمْ تَفَكَّهُونَ} أي: تندمون، وهو بالهاء لغة أزد شنوءة وبالنون لغة تميم"3.
وقد عزيت بالنون إلى عُكْل أيضًا4، وهم أخوة بني تميم5.
وقد قرأ الجمهور {تَفَكَّهُونَ} بالهاء، وقرأ أبو حرام العكلي (تفكّنون) بالنون6.قال ابن خالويه: "تفكّن: تندّم، وتفكّه: تعجّب"7 وفسرهما ابن السكيت بالتندّم8.
وقال الكسائي: "تفكه من الأضداد، تقول العرب: تفكّهت بمعنى تنعّمت،
1 تهذيب اللغة 10/280.
2 المزهر1/473.
3 الإبدال2/458،459.
4 الأضداد لابن الأنباري 65، وتهذيب اللغة 10/27.
5 جمهرة أنساب العرب 480.
6 شواذ القرآن 152، وتهذيب الألفاظ 1/539، والدر المصون 10/217.
7 شواذ القرآن 152.
8 تهذيب الألفاظ 1/539.
وتفكّهت بمعنى حزنت"1.
يتضح من هذا العرض اختلاف العلماء في تفسير هاتين الصيغتين، فمرة تُفسر (تفكّهون) بـ (تعجّبون) وتفسر الأخرى بـ (تندّمون) كما فسرت الصيغتان مرة بـ (تعجّبون) وأخرى بـ (تندّمون) على أنهما من الأضداد ويتعاقبان على البدل.
والراجح - والله أعلم - ما ذهب إليه ابن خالويه من أن كل صيغة تختلف عن الأخرى، فـ (تفكّهون) بمعنى تعجّبون فقط، و (تفكّنون) وهي التميمية بمعنى تندّمون فقط، وقد فسرهما بهذا - من قبلُ - أبوحاتم السجستاني2.وتفسير الآية الكريمة يحتمل المعنيين، وهذا يتضح من ذكر بقية الآية والآيتين السابقتين لها: {أَفَرَأَيْتُمْ مَا تَحْرُثُونَ. أَأَنْتُمْ تَزْرَعُونَهُ أَمْ نَحْنُ الزَّارِعُونَ. لَوْ نَشَاءُ لَجَعَلْنَاهُ حُطَاماً فَظَلْتُمْ تَفَكَّهُونَ} 3.
وليس بين النون والهاء علاقة صوتية، فهما متباعدان في المخرج والصفة، فمخرج الهاء من أقصى الحلق مما يلي الصدر، ومخرج النون من أدنى طرف اللسان فويق الثنايا، والهاء صوت رخو مهموس والنون مجهورة4، ولهذا رجح الدكتور أحمد علم الدين الجندي ألا تبادل بين الصيغتين، وأن كلاً منهما أصل
1 تفسير ابن كثير4/317.
2 جمهرة اللغة3/1297.
3 سورة الواقعة 63 - 65.وينظر: لغة تميم 141.
4 الكتاب4/433،434.
6- إبدال الياء ألفًا:
تبدل الياء والواو ألفًا إذا تحركتا وانفتح ما قبلهما، نحو: سعى ورمى وغزا ويقوى ويحيى وعصا ورحى. وهي القاعدة المعروفة في اللغة العربية 5.
1 اللهجات العربية في التراث2/474.
2 من أسرار اللغة 77.
3 لغة تميم 141.
4 شرح الكافية الشافية4/ 2021 - 2022.
5 ينظر: الكتاب 4/383، وشرح الشافية للرضي 3/157، وارتشاف الضرب1/295.
وليست هذه القاعدة بمطردة عند جميع القبائل العربية، فقد عزي إلى طيئ أنهم يبدلون كل ياء أو واو متحركة ألفًا بشرط تحرك ما قبلها على الإطلاق، دون تخصيص هذه الحركة بالفتح، كقولهم في بَقِي ورَضِي ويموت ويمحوه، وناصية وبادية وجارية وباقية وأودية: بَقَى، ورَضَا، ويمات، ويمحاه، وناصاه، وباداه، وجاراه، وباقاه، وأوداه1.
وقد رويت بعض شواهد هذا الإبدال لقبائل نجدية جاورت طيء، كتميم وأسد وقيس، ولعل هؤلاء قد تأثروا بطيء حينما هاجروا إليهم من جنوب الجزيرة العربية2.
وعزي هذا الإبدال في مادة (ب ق ى) من اللسان إلى بني الحارث بن كعب3، كما عزي إليهم إبدال الياء ألفًا إذا سكنت وانفتح ما قبلها، فيقولون: أخذت الدرهمان، واشتريت الثوبان، وضربت يداه، ووضعته علاه، وذهبت إلاه، والسلام علاكم4.
وقال الفراء في توجيه قوله تعالى: {إِنْ هَذَانِ لَسَاحِرَانِ} 5: "قراءتنا بتشديد (إنّ) وبالألف ... على لغة بني الحارث بن كعب يجعلون الاثنين في
1 ارتشاف الضرب1/302، وما يجوز للشاعر في الضرورة 166، 167، وتهذيب اللغة 14/335، ولسان العرب (نصا) 15/327، وبحوث ومقالات في اللغة242، ولغات طيء 296، 297.
2 ينظر: بحوث ومقالات في اللغة 239، 240.
3 اللسان 1/79.
4 النوادر259، ومعاني القرآن للأخفش113.
5 سورة طه 63.
رفعهما ونصبهما وخفضهما بالألف. وأنشدني رجل من الأسْد عنهم، يريد بني الحارث:
فأطرق إطراقَ الشُّجاع ولو يرى
...
مَسَاغًا لِناباه الشُّجاعُ لصَمَّما1
قال: وما رأيت أفصح من هذا الأسْديّ. وحكى هذا الرجل عنهم: هذا خطّ يدا أخي بعينه. وذلك - وإن كان قليلاً - أقيس، لأن العرب قالوا: مسلمون فجعلوا الواو تابعة للضمة، لأن الواو لا تعرب، ثم قالوا: رأيت المسلمين، فجعلوا الياء تابعة لكسرة الميم، فلما رأوا أن الياء من الاثنين لا يمكنهم كسر ما قبلها، وثبت مفتوحاً، تركوا الألف تتبعه، فقالوا: رجلان في كل حال"2.
وينتسب بنو الحارث بن كعب إلى مِذْحَج، ودخل فيهم بطون من الأزد، وكانت لهم الرئاسة3. وعدهم بعض علماء اللغة والنسب من الأزد4.
وكما عزيت هذه اللغة إلى بني الحارث بن كعب فقد عزيت كذلك إلى خَثْعَم وزُبيد وعُذْرة ومُراد5.
وعزيت إلى الأزد في تفسير قوله تعالى: {وَالَّذِينَ يَبِيتُونَ لِرَبِّهِمْ سُجَّداً وَقِيَاماً} 6 قال أبو حيان: "والبيتوتة: هو أن تدرك الليل نمت أو لم تنم، وهو خلاف
1 البيت للمتلمس، وهو في ديوانه 2.
2 معاني القرآن2/184.
3 نهاية الأرب 58.
4 الفصوص3/ 284، والأنباه على قبائل الرواة 112، والمزهر2/483.
5 الدر المصون8/67،والتصريح1/403.
6 سورة الفرقان 64.
الظلول. وبجيلة وأزد السراة يقولون: يبات، وسائر العرب يقولون: يبيت"1 وقال السمين: "يبيت هي اللغة الفاشية، وأزد السراة وبجيلة يقولون: يبات، وهي لغة العوام اليوم"2.
واللغتان من غير عزو في الصحاح3، والمحيط4، والمصباح5.
وبالنظر إلى القبائل التي عزيت إليها هذه اللغة - صراحة - نجدها جميعًا قبائل يمنية قحطانية تسكن جنوب الجزيرة العربية كالأزد وخثعم ومراد وبجيلة وبني الحارث بن كعب، أو قحطانية مهاجرة إلى الشمال كطيئ، وكانت قبل الهجرة تجاور إخوتها الأزد وبني الحارث بن كعب في موطن واحد حول منطقة مأرب.
ولا تزال هذه اللغة مسموعة إلى اليوم في بعض مناطق السراة وفي غيرها من نواحي الجزيرة العربية، فتسمع في السراة من يقول: (بات يبات) ، (بغاه يبغاه) (عناه يعناه) في: بات يبيت، وبغاه يبغيه، وعناه يعنيه.
وفي بادية غامد في السفوح الشرقية من جبال السّراة، وغامد الزناد بتهامة من يقول: "السلام علاكم"، (وركب علاه) في السلام عليكم، وركب عليه.
وهي أكثر استعمالاً في بادية عتيبة وبلحارث جنوب الطائف وشرقه، وبعض بوادي الحجاز.
1 البحر المحيط 8/127.
2 الدر المصون 8/498.
(ب ي ت) 1/245.
4 9/473.
(ب ي ت) ص 27.
این صفحه در کتاب اصلی بدون متن است / هذه الصفحة فارغة في النسخة المطبوعة