بارگزاری ...
جستجو کنید
برای شروع جستجو، متن خود را وارد کنید.
صفحه 475

وهي الفصحى"1.
وكان سيبويه يستثني الياء من الكسر في اللغة المطردة، وعلل ذلك بأنهم كرهوا الكسرة في الياء، لثقلها2.
وحكى الفراء في كتاب (اللغات) عن بعض كلب، وهم من قضاعة، أنهم يكسرون جميع حروف المضارعة حتى الياء. قال: وهي من الشاذ3.
وبهراء من قضاعة أيضًا4 ولم ينقل عنها الرواة سوى كسر التاء فقط، وقد اشتهرت هذه الظاهرة معزوة إليها بلقب (تلتلة بهراء) .قال ثعلب: "وأما تلتلة بهراء، فإنها تقول: تِعلمون، وتِعقلون، وتِصنعون، بكسر أوائل الحروف"5.
ويرى الدكتور إبراهيم أنيس أن بهراء كانت - أيضًا - تكسر جميع الحروف حتى الياء، ولكنه لم يذكر مصدر رأيه هذا. ثم حاول أن يفسر وجود هذه الظاهرة عند هذه القبيلة بتأثرها بما جاورها من لغات كالأرامية والعبرية
1 البحر المحيط1/42.
2 الكتاب 4/110.وينظر: الدر المصون1/60، والخزانة12/63.
3 بغية الآمال153، وينظر: البحر المحيط 9/78.
4 نهاية الأرب 172،365.
5 مجالس ثعلب1/81. وينظر: الخصائص2/11، وسر صناعة الإعراب1/229-230، ودرة الغواص 250، والمزهر1/211، والخزانة11/236،466، والبلغة في أصول اللغة158.


صفحه 476

اللتين اطرد فيهما كسر حرف المضارعة1.
وهذا غير مؤكد، لأن الكسر ينسب أيضًا إلى عدد كبير من القبائل العربية - كما تقدم - وتأثر بهراء بهذه القبائل أولى بالقبول من تأثرها باللغات الأعجمية المجاورة.
وعزا الجوهري إلى بني أسد فتح همزة الفعل (إخال) قال: "وتقول في مستقبله: إخال بكسر الألف، وهو الأفصح. وبنو أسد تقول: أخال بالفتح، وهو القياس"2.
وقد شكك الدكتور أحمد علم الدين الجندي في هذا العزو، وقال: بل هي تكسر، وإنما الذي يفتح هي قبيلة الأزد، كما في نص صاحب اللسان السابق، قال: ومن الجائز أن يكون الرواة قد خلطوا بين قبيلة الأزد وقبيلة أسد لا سيما في الكتابة3.
وكسر أحرف المضارعة ظاهرة سامية قديمة، وجدت في العبرية والسريانية والحبشية 4. كما وجدت في لهجات جنوب اليمن الحديثة كالمهرية والشحرية والبوتاحارية، وفي لهجات السريان في هذه الأيام5.
ولا تزال هذه الظاهرة شائعة في كثير من لهجاتنا العربية المعاصرة، في
1 في اللهجات العربية 139.
2 الصحاح (خ ي ل) 4/1692.وينظر: شرح الشافية 1/141، والتصريح 2/190، والمصباح (خيل) 71.
3 اللهجات العربية في التراث1/391.
4 فصول في فقه العربية 125.
5 اللهجات العربية في التراث 1/397.


صفحه 477

النجدية، والمصرية1، وبعض لهجات أهل السراة.
وإذا كان المتقدمون يرون أصالة الفتح، كما تقدم في قول سيبويه وابن سيده. فإن المعاصرين على خلاف في ذلك، فبعضهم يرى رأي المتقدمين، وبعضهم يرى أصالة الكسر وحداثة الفتح.
فممن يرى أصالة الفتح من المعاصرين الدكتور إبراهيم أنيس، حيث يقول: "نرجح أن الأصل في شكل حروف المضارعة هو ما شاع في لهجات الحجاز من الفتح في كل الحالات. وقد انحدر هذا الأصل إلى هذه اللهجات من السامية الأولى، ثم تطور إلى كسر في معظم اللغات السامية"2.
ويذهب الدكتور رمضان عبد التواب إلى أصالة الكسر في أحرف المضارعة في العربية القديمة، ويحتج لذلك بدليل عدم وجود الفتح في اللغات السامية الأخرى كالعبرية والسريانية والحبشية. وبدليل ما بقي من الكسر في بعض اللهجات العربية القديمة، واستمراره حتى الآن في اللهجات العربية الحديثة3.
ولم تكن أدلته هذه محل تسليم الباحثين، فقد نُقض دليله الأول - وهو عدم وجود الفتح في الساميات القديمة - بأن العربية هي اللغة السامية التي بقيت في الجزيرة بعد هجرة أخواتها الساميات، فالفتح ليس حادثًا فيها بل إنه الأصل، والكسر هو الذي حدث بعد اختلاط الساميين بغيرهم 4.
1 السابق 1/397، وفصول في فقه العربية 125.
2 في اللهجات العربية 140.
3 فصول في فقه العربية 125.
4 اللهجات العربية نشأة وتطورًا 295.


صفحه 478

المبحث الثاني: بين الفتح والكسر في اللام الجارة:
تُكسراللام الجارة مع الاسم الظاهر، وتُفتح مع المضمر. هذه القاعدة المطردة في العربية الفصحى، بل في اللغات السامية الأخرى كالعبرية والحبشية3. أما قبيلة خزاعة الأزدية فإنها تخالف هذا الاطراد. قال ابن عقيل: "وفتح اللام مع المضمر لغة غير خزاعة، فيقول غيرهم من العرب: لَكم ولَها ولَه، بفتح اللام، وأما خزاعة فيكسرون اللام مع المضمر، كما فعل هم وغيرهم مع المظهر، وهذا في غير الياء4 والمستغاث"5.
3 التطور النحوي للغة العربية160.
4 ياء المتكلم.
5 المساعد2/260.


صفحه 479

وأكثر مصادر العربية تعزو هذه الظاهرة - أيضًا - إلى خزاعة1، عدا ابن جني فقد عزاها إلى قضاعة2، وهي موصولة بخزاعة نسبًا وجوارًا، فهما من القبائل القحطانية المهاجرة من اليمن إلى أرض الحجاز.
ولما كان الإضمار يرد الأشياء إلى أصولها، كان فتح اللام مع المضمر هو الأصل، وإنما كسرت مع الظاهر - سوى المستغاث - خوف التباسها بلام التوكيد أو الابتداء3.
وحكى ابن جني أن هذه اللام قد تفتح مع المظهر على الأصل في بعض اللغات، فيقال: المال لَزيد، بفتح اللام. ونقل عن أبي عبيدة، والأخفش، وخلف الأحمر، ويونس أنهم سمعوا العرب تفتح اللام الجارة مع المظهر، واستشهد بقراءة سعيد بن جبير: {وَإِنْ كَانَ مَكْرُهُمْ لِتَزُولَ مِنْهُ الْجِبَالُ} 4 بفتح اللام. ونقل عن أبي زيد الأنصاري أنه سمع من يقول: {وَمَا كَانَ اللَّهُ لِيُعَذِّبَهُمْ} 5 بفتح اللام أيضًا6.
وقال ابن عقيل: فتحها مع الفعل لغة عكل وبلعنبر، واستشهد بقراءة ابن جبير أيضًا7.
1 شرح الرضي 4/283، وجواهر الأدب 70، وارتشاف الضرب4/1706، والجنى الداني 183، وهمع الهوامع 2/372.
2 الخصائص2/10.وينظر: الاقتراح 186.
3 الكتاب 2/376، ومعاني الحروف للرماني 56، وسر صناعة الإعراب1/ 327، واللامات للهروي 7، وللزجاجي 98.
4 سورة إبراهيم 46.
5 سورة الأنفال33.
6 سر صناعة الإعراب1/328-330.وينظر: معاني القرآن للأخفش 1/122.
7 المساعد2/260.


صفحه 480

بعد هذا العرض يتضح أن للعرب في اللام الجارة لغير ياء المتكلم والمستغاث ثلاث لغات:
الأولى: فتحها مع المضمر وكسرها مع الظاهر، وهي اللغة الفصحى.
الثانية: كسرها مطلقًا مع الظاهر والمضمر، وهي لغة خزاعة، وتعزى كذلك إلى قضاعة.
الثالثة: فتحها مطلقًا مع الظاهر والمضمر، وهي لغة لبعض العرب، وعزيت مع الفعل لعكل وبلعنبر.
وحكم ابن جني على هاتين الأخيرتين بالشذوذ الذي لا يقاس عليه، ولكنه عاد فجوزهما بضرب من التأويل والتعليل، فقال: "إذا رُدّت في بعض المواضع إلى ضرب من التأوّل إليه فله وجه من القياس. وأما الكسر ففرع، والحمل على الأصول أجوز من النزول إلى الفروع. ووجه جوازه أنه لما شُبه المظهر بالمضمر في فتح لام الجر معه نحو قراءة سعيد بن جبير وغيرها، كذلك شُبه المضمر بالمظهر في كسر لام الجر معه"1.
ولا تزال لغة خزاعة شائعة إلى اليوم في بعض الحواضر المصرية2، وسمعتها من أهل السراة بكسر لام الجر مع كاف المخاطبة فقط.
1 سر صناعة الإعراب1/330.وينظر: الخصائص 2/10.
2 جواهر الأدب (الحاشية) 70.


صفحه 481

الخاتمة:
عرض هذا البحث لظاهرة الإبدال في لغات الأزد، وقد اقتضت خطته أن يكون في مقدمة وتمهيد وفصلين، تحت كل منهما مبحثان، يليهما خاتمة وثلاثة فهارس.
وقد انتهى البحث إلى عدد من النتائج والمقترحات أذكر منها ما يلي:
1- أن بعض لغات الأزد التي ذمها اللغويون كالاستنطاء والطمطمانية، قد ورد لها شواهد من كلام النبي - صلى الله عليه وسلم - وعليه فلا ينبغي ذمها، ولا العيب على من تكلم بها اليوم.
2- أثبت البحث أن الاستنطاء لم يرد له شاهد آخر غير الفعل (أنطى) ومن ثم بين خطأ قول بعض المعاصرين: إن اللغويين القدامى لم يصفوا لنا هذه الظاهرة على حقيقتها.
3- أثبت البحث خطأ من تشكك في الحديث المعزو للرسول - صلى الله عليه وسلم -: "ليس من امبر امصيام في امسفر".
4- توصل البحث إلى أن ظاهرة الطمطمانية، أو قلب لام التعريف ميماً لغة فاشية في جنوب الجزيرة العربية، وقد عزيت إلى معظم القبائل اليمنية، وهي باقية إلى اليوم.
5- أثبت البحث أن الأزد من القبائل العربية التي آثرت الواو على الياء في معظم كلامها، والأزد من القبائل المستقرة المتحضرة، ومن هنا ظهر عدم صحة مقولة من قال: إن الميل إلى الياء أو الكسر أثر من آثار التحضر، والميل إلى الواو أو الضم من طبع البدو الجفاة، ولو كان الأمر كذلك لخلت الواو من كلام الحضر، والياء من كلام البدو، وهذا ما لم يصدقه واقع تلك القبائل التي وجد في لغاتها جميعًا الواوي واليائي.
6- أثبت البحث أن عزو بعض الظواهر اللغوية إلى الأزد وإلى غيرهم من


صفحه 482

قبائل العرب ليس من قبيل تعارض المصادر أو تناقضها، وإنما ذاك بسبب تأثر القبائل بعضها ببعض بالمجاورة أو الاختلاط في مواسم الحج أو الأسواق أو الحروب، أو نحو ذلك، وقد نتج عن ذلك أيضاً عزو بعض الظواهر اللغوية المتناقضة إلى قبيلة واحدة، كتعاقب الواو والياء في لغات الأزد، وذلك أن اللغات ظواهر اجتماعية لا يمكن أن ينتظمها قانون شامل أو جامع مانع.
7- اشترك الأزد وطيء - مع تباعد منازلهم - في عدد من الظواهر اللغوية، وقد أرجع البحث سبب ذلك إلى أنهما في الأصل من القبائل القحطانية المهاجرة من بيئة واحدة في بلاد اليمن.
8- أثبت البحث أن الفتح في أوائل أحرف المضارعة هو الأصل في اللغة العربية واللغات السامية، وذلك خلاف ما يراه بعض المعاصرين.
9- ربط البحث بين الظواهر اللغوية القديمة في لغات الأزد، والظواهر المماثلة لها اليوم في لهجات أهل السراة وغيرهم، وبين صلتها الوثيقة بلغات أسلافهم، ومثل هذا الربط يمهد الطريق أمام المعجم التاريخي للغة.
10- خلص البحث إلى أن معظم مناطق السراة - وهي من معاقل الضاد منذ القدم - لا تزال تزخر بظواهر لهجية كثيرة تماثل أو تخالف ما عزي إلى الأزد قديماً، وإني لأرى ضرورة جمع هذه اللهجات من أفواه أهلها، ودراستها قبل انقراضها وزوالها، لأنها تساعد في فهم وتوضيح كثير من المسائل اللغوية التي فات علماء العربية القدامى تسجيلها وتوضيحها.
وبعد:
فأحسب أني بهذه الدراسة قد وضّحت ظاهرة من أهم الظواهر اللغوية المعزوة للأزد، وأرجو أن تكون حافزاً لدراسة سائر لغاتهم في الأصوات والأبنية والتراكيب والدلالة، فهي لا تزال مجالاً خصباً للدراسات اللغوية الجادة.
والحمد لله أولاً وآخراً، وصلى الله على نبينا محمد وعلى آله وصحبه وسلم.