وسائر الصفات الذميمة عن روحه ونفسه ، ولا يعود يعاني من عقدة الاحتقار والمهانة ، والخوف ، وذلك واضح لا يحتاج الى مزيد بيان.
اقدام الطبيب على ما يعرف :
واذا كان الطبيب متخصصا في امراض العين مثلا ، فليس له ان يتصدى للنظر في امراض القلب ، وكذا العكس ، لانه جاهل في حقيقة الامراض التي تعرض من هذه الجهة ، فيلحق بالجهال من الاطباء ، الذين على الامام ان يحبسهم اذا ارادوا التصدي للتطبيب في مجال يجهلونه.
وكذلك فانه يكون من القول بغير علم ، الذي جاءت الايات الكثيرة ، والاقوال المتواترة عن المعصومين في المنع والردع عنه[١]، وذلك واضح للعيان فلا يحتاج الى مزيد بيان ، ولا الى اقامة برهان.
وقد جاء في القسم المنسوب الى ابقراط : « واحفظ نفسي في تدبيري وصناعتي على الزكاة والطهارة ، ولا اشق ايضا عما في مثانته حجارة ، ولكن اترك ذلك الى من كانت حرفته هذا العمل[٢]».
١ ـ الحذق ٢ ـ الامانة ٣ ـ استجلاب الثقة :
١ ـ و ٢ ـ فالطبيب الحاذق هو الذي يستطيع ان يؤدي واجبه على النحو الاكمل والافضل ، وهو بالتالي الذي يكون خطؤه اقل ، واستفادة المريض من خبراته اتم ، ومنفعته اعم .. وهو اقدر على الحصول على ثقة المريض ، واعتماده عليه ، وتسليمه له ... الامر الذي يسهل عليه علاجه ، كما انه يسهل على المريض الالتزام بنصائحه ، والعمل يتوجيهاته.
بل ان على الطبيب نفسه ان يسعى للحصول على هذه الثقة ، كما يشير اليه ما روى
[١]راجع على سبيل المثال : البحار ج ٢ من ص ١١١ حتى ص ١٢٤ وغيره من المصادر.
[٢]عيون الانباء ص ٤٥.
عن الصادقعليهالسلام: « كل ذي صناعة مضطر الى ثلاث خصال يجتلب بها المكسب ، وهو ان يكون حاذقا بعمله ، مؤديا للامانة فيه ، مستميلا لمن استعمله[١]».
وقد لوحظ : ان النبي (ص) يتحرى لمعالجة بعض من جرح من اصحابه اطب الرجلين ، اللذين دعيا لهذا الغرض[٢].
نعم ... وهذا هو المنسجم مع الفطرة ، ومع حكم العقل السليم ، والنصيحة للمسلمين ... ومن اولى منه (ص) بذلك ، وبغيره من مكارم الاخلاق ومعاليها؟
وبعد ... فقد قيل : ان الطب معناه الحذق بالاشياء ، وان كان في غير علاج المريض ، ورجل طبيب اي حاذق ، سمي بذلك لحذقه[٣].
٣ ـ واما الامانة واداؤها في المجال الطبي ، فهي من اوجب الامور ، لان الطب ـ كما قدمنا ـ مسؤولية شرعية ، عرفية ، اخلاقية ، انسانية ، وحتى عقلية ايضا ، هذا بالاضافة الى ما اشار اليه الامامعليهالسلاممن ان اداء الامانة في الصنعة يوجب اجتلاب المكسب بها ... حيث يطمئن الناس اليه ، ويعتمدون عليه ، ويقبلون اليه بكل رضا واطمئنان ، كما هو واضح من ان يحتاج الى بيان.
١ ـ النصح ٢ ـ الاجتهاد ٣ ـ التقوى :
وعدا عن ان النصح ، والاجتهاد ، وتقوى الله وظائف انسانية واخلاقية ، فانها وظيفة شرعية ايضا ـ وخصوصا في الطب ـ فعن عليعليهالسلامانه قال :
[١]تحف العقول ص ٢٣٨ والبحار ج ٧٨ ص ٢٣٦.
[٢]موطأ مالك المطبوع مع تنوير الحوالك ج ٣ ص ١٢١ ، وزاد المعاد ج ٣ ص ١٠٧ ، والطب النبوي لابن القيم ص ١٠٥.
[٣]الطب النبوي لابن القيم ص ١٠٧ / ١٠٨.
« من تطبب فليتق الله ، ولينصح ، وليجتهد[١]».
وقال ابن ادريس : « ويجب على الطبيب ان يتقي الله سبحانه فيما يفعله بالمريض ، وينصح فيه[٢]».
١ ـ نعم ... لابد من الاجتهاد في معالجة المريض ، ولا يجوز التعلل ولا التساهل في ذلك على الاطلاق ، ولابد ايضا من النصح في ذلك ، لان الغش فيه معناه الجناية على نفس محترمة ، وتعريضها للخطر الجسيم ، الامر الذي يكشف عن نفس مريضة وحاقدة ، لا تملك شيئا من الخلق الانساني الرفيع ، بل هي اقرب الى النفس السبعية ، التي لا تعرف الا الاعتداء ، والظلم والشر ، بل هي اكثر بشاعة وخطرا منها ، حينما يمتزج الظلم بالخداع ، والاعتداء بالتدليس وتزييف البغيض المقيت.
٢ ـ ولا بد كذلك من تقوى الله في المريض ، لان بتقوى الله لايبقى غش ، ولا اعتداء ، ولا تزيف ، ولا يبقى ايضا تساهل ، او تعلل ، ولا يبقى كذلك اي لون من الوان الرذيلة في داخل الانسان ، وبتقوى الله يندفع الانسان الى القيام بواجباته الشرعية والانسانية على النحو الاكمل والافضل ... ولاجل ذلك نلاحظ انهعليهالسلامقد قدم الامر بتقوى الله على الامر بالنصح ، وبذل الجهد وليس ذلك عفويا ، بل هو متعمد ومقصود ، ولا سيما في توجيه الطبيب الذي بيده راحة المرضى ، فهو اذن بأمس الحاجة الى هذه التقوى : حتى لا يفرط فيما جعله الله مسؤولا عنه.
٣ ـ وبعد ... فان « الله يحب عبداً اذا عمل عملا احكمه » كما روى عنه (ص) حينما لحد سعد بن معاذ[٣]، كما اننا نجد في نصائح علي بن العباس : ان « على
[١]البحار ج ٦٢ ص ٧٤ عن الدعائم ، ومستدرك الوسائل ج ٣ ص ١٢٧.
[٢]البحار ج ٦٢ ص ٦٥ عن السرائر.
[٣]الفصول المهمة للحر العاملي ص ٥٠٣.
الطبيب ان يجد في معالجة المرضى ، وحسن تدبيرهم ، ومعالجتهم ، سواء بالغذاء او بالدواء[١]».
النصح : حدوده وابعاده :
ومن الواضح : ان على الطبيب ان يمتنع هو اولا عما يطلب من غيره الامتناع عنه عند الحاجة ، وان يلتزم هو بالتوصيات قبل ان يطلب من غيره الالتزام بها.
والا ... فانه اذا لم يستطع ان يعالج نفسه قبل ان يعالج غيره ، فانه يكون ولا شك غير ناصح لذلك الغير ، بل هو اما يجري عليه بعض تجاربه التي لم تصل بعد لديه الى درجة النجاح ، واما انه يعطيه دواءا يعلم هو انه لا ينفعه ، ان لم يكن فيه الكثير من الضرر له ... ام لاجل ان يحصل منه ومن امثاله على المال ، او من اجل الحفاظ على الشهرة الفارغة والصيت الاجوف ، او لغير ذلك من امور.
ولا اقل من ان يفكر المريض والمراجع له هذا التفكير ، الذي يملك كل المبررات الموضوعية والاخلاقية ، يقول ابو الاسود الدؤلي :
يا أيها الرجل المعلم غيره
هلا لنفسك كان ذا التعليم
تصف الدواء لذي السقام وذي الضنا
كيما يصح به وانت سقيم
واما اذا كان الطبيب يجر الداء الى نفسه ، فان من الواضح انه سوف لن يكون ناصحا لغيره ، لانه لن يحب غيره اكثر من محبته لنفسه ، ولن يستطيع ان يضر نفسه وينفع غيره ، ومن هنا فان من حق كل احد ان يشير اليه بأصابع الاتهام والشك ، وقد روى عن عيسىعليهالسلامهذا المعنى ، قال (ع) في حديث : « فاذا رأيتم الطبيب يجر الداء الى نفسه فاتهموه ، واعلموا : انه غير ناصح لغيره[٢]».
[١]تاريخ طب در ايران ج ٢ ص ٤٥٧.
[٢]البحار ج ٢ ص ١٠٧ حديث ٥ ، وقصار الجمل ج ٢ ص ٦٥ وج ١ ص ١٩٧ عنه.
١ ـ الرفق بالمريض ٢ ـ حسن القيام عليه :
ولا نرى ان ذلك يحتاج الى بيان ، ويكفي ان نذكر : انه قد ورد في بعض النصوص التعبير عن الطبيب بـ « الرفيق » من الرفق ، فعن عليعليهالسلام: « كن كالطبيب الرفيق ، الذي يدع الدواء بحيث ينفع[١]».
وفي رواية عن الرضاعليهالسلامقال : « سمعت موسى بن جعفر (ع) ، وقد اشتكى فجاء المترفقون بالادوية ، يعني الاطباء[٢]».
وفي بعض : النصوص : « ان الله عز وجل الطبيب ، ولكنك رجل رفيق » وفي نص آخر : « انت الرفيق والله الطبيب[٣]».
ومن اولى من المريض بان يكون موضعا للعناية ، والرفق ، والمداراة ، ومراعاة الجانب.
وقد روى : ان امير المؤمنينعليهالسلامقد قطع ايدي سراق ، ثم قال : « يا قنبر ، ضمهم اليك فداو كلومهم ، واحسن القيام عليهم » ، وبعد ان برئت كلومهم كساهم ثوبين ثوبين ، وخلى سبيلهم ، واعطى كل واحد منهم ما يكفيه الى بلده ، وزاد في نص آخر : انه امرهم ان يدخلوا دار الضيافة ، وامر بأيديهم ان تعالج فأطعمهم السمن ، والعسل ، واللحم حتى برئوا[٤].
وعن عليعليهالسلام: من كنت سببا في بلائه وجب عليك التلطف في
[١]البحار ج ٢ ص ٥٣ عن مصباح الشريعة ، وقصار الجمل ج ٢ ص ٦٣ عن البحار.
[٢]الفصول المهمة ص ٤١٥.
[٣]راجع : كنز العمال ج ١٠ ص ٣ و ١ عن ابي داود ، وعن احمد ، وابي نعيم في الطب وارشاد الساري ج ٨ ص ٣٦٠ ، والتراتيب الادارية ج ١ ص ٤٦٢.
[٤]التهذيب للشيخ ج ١٠ ص ١٢٥ ـ ١٢٧ ح ١٢٦ و ١١٩ و ١١٨ ، والكافي ج ٧ ص ٢٦٤ و ٢٨٦ ، والوسائل ج ١٨ ص ٥٢٩ و ٥٢٨ عنهما ، ومستدرك الوسائل ج ٣ ص ٢٣٩ عن دعائم الاسلام.
علاج دائه[١]فعبر بالتلطف لم ذكرناه.
رفع معنويات المريض :
واذا كان ضعف الانسان وانهزامه نفسيا امام المرض في بادىء الامر يكون امرا طبيعيا ، بسبب شعوره بآلام ومتاعب يجد نفسه عاجزا عن دفعها ، ومواجهتها ـ اذا كان كذلك ـ فان من الطبيعي ، ان يكون لرفع معنويات المريض ، وبعث الثقة في نفسه بالشفاء اكبر الاثر في تقويه وسيطرته على المرض ، وبالتالي في شفائه منه ، والتخلص من آثاره.
واما الانهزام النفسي امام المرض ، فانه يعود بأسوأ الاثار عليه ، ويجعل من الصعب عليه التغلب على المرض ، ومواجهة عوارضه ، لان الانهيار النفسي يتبعه الانهيار الجسدي المريع والخطير دون شك.
ولذلك نلاحظ : ان الاسلام يهتم في تطييب نفس المريض بل يكون دور العلاج الجسدي بالنسبة للعلاج النفسي ثانويا للغاية ، ومما يوضح لنا هذه الحقيقة الهامة : اننا نجد في بعض النصوص بعد محاولة ربط المريض بالله تعالى ، وافهامه انه هو الشافي له وليس سواه يشير الى ان دور الطبيب هو ان يطيب نفس المريض ، ويبعث الامل في نفسه ، فقد ورد : ان المعالج يسمى بالطبيب لانه يطيب بذلك انفسهم[٢].
بل لقد جاء انه حتى الذين يقومون بعيادة المريض ينبغي لهم : ان يفسحوا له في الاجل ، كما سيأتي.
يتقي الله ، ويغض بصره عن المحارم :
ولعل اكثر الناس ابتلاءً بالنظر الى ما يحرم في الاحوال العادية النظر
[١]غرر الحكم ج ٢ ص ٧١٨.
[٢]العلل للصدوق ص ٥٢٥ ، وروضة الكافي ص ٨٨ ، والوسائل ج ١٧ ص ١٧٦ عنهما ، والبحار ج ٦٢ ص ٦٢ و ٧٥ عنهما ايضا وعن الدعائم ، والفصول المهمة ص ٤٠٠ ، وطب الامام الصادقعليهالسلامص ٧٥.
اليه ، هم الاطباء ... وواضح : ان الامر بغض البصر عما يحرم النظر اليه يبقى واجب الامتثال حتى تحكم الضرورة ، فيجوز حينئذ النظر بمقدار ما ترتفع به الضرورة.
فلو استطاع ان يعالج المريض علاجا صحيحا ، استنادا الى وصف المريض له ما يعانيه من اعراض ، فانه يجب الاقتصار على ذلك ، ولا يجوز النظر ... واذا استطاع ان يعالج بالنظر الى دائرة اضيق لم يجز له التعدي الى ما زاد.
بل انه اذا تمكن من المعالجة بواسطة النظر في المرآة لم يجز التعدي الى النظر المباشر ، وقد امرهم امير المؤمنين بذلك بالنسبة للنظر الى الخنثى كما سيأتي في الفصل التالي.
وبعد ... فانه اذا استطاع ان يعالجه استنادا الى النظر لم يجز له التعدي الى اللمس ... وهكذا يقال بالنسبة الى التعدي من اللمس القليل الى الكثير هذا ان لم يمكن اللمس بواسطة.
ومن هنا نجدهعليهالسلاميأمر الطبيب اول ما يأمره بتقوى الله ، ثم بان ينصح ويجتهد ، فعن عليعليهالسلام: « من تطبب فليتق الله ، ولينصح ، وليجتهد »
ولسوف نتحدث عن هذا الامر ايضا في الفصل التالي ان شاء الله تعالى.
واخيراً ... فقد جاء في نصائح علي بن العباس : « وان لا ينظر الى النساء بريبة ، سواء كان النظر للسيدة ، ام للخادمة ، ولا يدخل الى منازلهن الا للمداواة » وقال : « وعليه ان يكون رحيماً ، برىء النظرة[١]».
وجاء في قسم ابقراط : « واحفظ نفسي في تدبيري على الزكاة والطهارة » الى ان قال : « وكل المنازل التي ادخلها ، انما ادخل اليها لمنفعة المرضى ، وانا بحال خارجة عن كل جور وظلم ، وفساد ارادي مقصود اليه في سائر الاشياء ، وفي الجماع للنساء والرجال ، الاحرار منهم والعبيد[٢]».
[١]راجع : تاريخ طب در ايران ج ٢ ص ٤٥٧ عن كتاب كامل الصناعة الطبية الملكي.
[٢]عيون الانباء ص ٤٥.
تجويز الافطار للصائم ونحو ذلك :
ونجد بعض الاطباء ، اذا جاءهم المريض في شهر رمضان مثلا ، وكان صائما فانهم يبادرون الى تجويز الافطار له ، بل انهم يوجبون عليه ذلك في كثير من الاحيان ، ومثل ذلك امرهم له بالصلاة من جلوس مع قدرته على القيام ، وعدم الضرر فيه عليه ، وما اشبه ذلك.
ونحن لا بد وان نشير هنا : الى ان الطبيب يتحمل مسؤولية في ذلك امام الله تعالى ولاجل ذلك ، فان عليه ان يتروى فيه ، ويحققه قبل ان يقدم عليه فلا يجوّز له الافطار او الصلاة من جلوس مثلا لاسباب تافهة لا تقتضي ذلك الا اذا احتمل الحاجة الى ذلك احتمالا قويا ، لان المريض انما يجوز له ان يأخذ بقوله ويستند اليه على اعتبار انه من اهل الخبرة ، فلا بد وان يستعمل خبرته في اكتشاف السبب الذي يحتم عليه ذلك ، والذي يعتمد عليه المكلف في عملية اكتشافه ، وتشخيصه.
من وصايا الاهوازي :
وقال علي بن العباس الاهوازي : « على الطبيب ان يكون نظيفاً ، يخاف الله ، عذب اللسان ، حسن السلوك ، وان يبعد عن كل سوء ، وكل مشين ، وان لا ينظر الى النساء ... الخ[١]».
وقد تقدمت مواصفات طالب العلم الطبي في الفصل السابق ، فلا نعيد.
الدواء ... والعلاج :
واما بالنسبة للدواء والعلاج ، فيمكن ان يستفاد من النصوص : انه كلما
[١]تاريخ طب در ايران ج ٢ ص ٤٥٧ عن كتاب كامل الصناعة الطبية الملكي.