ويمكن ان يقال :
ان الروايات يمكن ان تكون ناظرة الى التشريح ، او قطع العضو عدوانا وتشفيا ، فلا تشمل التشريح لغرض عقلائي ، كالتعلم مثلا ..
ولكنه كلام لايمكن قبوله : وذلك لامرين : احدهما : ان بعض النصوص قد قررت الكفارة على من جرح ميتا خطأ ، مع انه لاعدوان فيه[١]( فتأمل ) .. الثاني : ان التعليل بأن حرمته ميتاً كحرمته حياً ، لم يفصل فيه بين صورة التعليم وبين غيرها .. فكما لايجوز ذلك لاجل التعليم في حياته ، فكذا لايجوز ذلك في حال موته ..
وأما الاستدلال على حرمة التشريح بأحاديث النهي عن المثلة ، فهو لا يصح ، وذلك لان النهي عنها يمكن ان يكون من اجل ان الغرض منها هو التشفي ، وليس هذا امرأً عقلائياً. بخلاف التشريح ، فانه يتعلق به غرض عقلائي مطلوب ومرغوب فيه كالتعلم ونحوه .. هذا بالاضافة الى ان تجويز المثلة يستتبع ان يقدم العدو على مثل ذلك بالنسبة الى الشهداء من المسلمين ، فيكون سببا لهتك حرمتهم ، وهو امر مرغوب عنه شرعا ، مع عدم ترتب فائدة معقولة على ما كان سبباً او داعياً له كما قلنا ..
بقى ان نشير الى انه قد ورد في بعض النصوص : ان حرمة « المؤمن » او « المسلم » ميتاً كحرمته حياً ،[٢]اما باقيها ، فعبرت بـ « الميت » و « رجل ميت » ونحو
[١]المسالك آخر كتاب الديات والتهذيب ج ١٠ ص ٢٧٤ والاستبصار ج ٤ ص ٢٩٩ والكافي ج ٧ ص ٣٤٩ ومن لايحضره الفقيه ج ٤ ص ١١٧ والعلل للصدوق ص ٥٤٣ والمحاسن ص ٣٠٦ والجواهر ج ٤٣ ص ٣٨٤ / ٣٨٥ ومباني تكملة المنهاج ج ٢ ص ٤٢٣.
[٢]التهذيب ج ١٠ ص ٢٧٢ وج ١ ص ٤١٩ ، والاستبصار ج ٤ ص ٢٩٧ ، والوسائل ج ١٩ ص ٢٥١ وفي هامشه عنهما وعن الكافي ج ١ ص ٣٠٢.
ذلك .. ولم تذكر : انه مؤمن او مسلم .. فيحمل المطلق منها على المقيد .. كما انه يمكن دعوى انصراف سائر الروايات الى خصوص الميت من المسلمين ، لانه هو محل ابتلائهم ، وهو الذي يعنيهم السؤال عنه ..
وعليه فلا يشمل جثة من لم يكن مسلما حتى ولو كان ذميا .. وما ورد من وجوب الدية في الذمي ، او الارش في اعضائه .. فانما هو حق جعل له من اجل حفظ حياته ، وعدم حصول فوضى في المجتمع ، نتيجة للاعتداء عليهم ، كما تشير اليه موثقة سماعة ، التي تثبت الدية في قتل الذمي[١].
أما بعد موته ، فلا فرق بين جثته وبن غيرها من غير المسلمين ..
الاّ ان يتمسك بعموم التعليل ، ليشمل كل من كان له حرمة في حالة الحياة ، حتى الذمي مع عدم التفات الى ما ذكرناه ، من ان ذلك حق له ، لا اكثر ، ولا اقل ، ولعل ذلك هو الداعي لصاحب القواعد لان يعتبر ان « فيه عشر دية الحر الذمي »[٢]..
ولكن ما ذكرناه هو الاظهر والاقرب ..
أما بالنسبة للكافر المحارب للاسلام وللمسلمين ، والمعاهد ، فلا حرمة له حياً ، فلا تكون له حرمة بعد موته ، فلا مانع من تشريحه لاي غرض كان ، ولا دية ، ولا اثم فيه ..
[١]الوسائل ج ١٩ ص ١٦٣ وفي هامشه عن التهذيب ج ١٠ ص ١٨٨ والاستبصار ج ٢ ص ٢٧٠.
[٢]الجواهر ج ٤٣ ص ٣٨٩ وفي هامشه عن : ايضا الفوائد في شرح القواعد ج ٤ ص ٧٢٩ وفيه : « الذمي الحي » مكان : « الحر الذمي » ..
اين صفحه در کتاب اصلي بدون متن است / هذه الصفحة فارغة في النسخة المطبوعة
الفصل الخامس :
المريض وعواده
اين صفحه در کتاب اصلي بدون متن است / هذه الصفحة فارغة في النسخة المطبوعة
في اجواء عيادة المريض :
وبعد .. فاننا لانرى حاجة الى التذكير بما لعيادة المريض من فضل عند الله تعالى .. وبما لها من آثار نفسية على المريض ، وعلى كل من يلوذ به ، بل وعلى العائد نفسه ..
وبديهي : ان هذه الآثار ستنعكس ـ ايجابيا ـ في المستقبل على واقع التعامل فيما بينهم ، وعلى صميمية العلاقات وصفائها ..
ويمكن استجلاء بعض هذه الاثار من دراسة الواقع الذي يعاني منه المريض ، وذووه معه ، وانعكاسات ذلك الواقع عليهم ايجابا او سلبا.
وبملاحظة هذه المعاناة وانعكاساتها نعرف : انه لابد وان يكون الانفعال والتأثير في اجواء العيادة متناسيا ومنسجما معها الى حد بعيد ..
ونحن لانريد ان نفيض في الحديث في هذا المجال ، وانما نكتفي بهذه الاشارة ، ونترك المجال للقارىء الكريم فيما لو احب التعمق والاستقصاء ..
اما نحن فنسارع الى الدخول في التحديد للمواصفات التي لابد وان يلاحظها كل من المريض ، وزائريه .. ونلاحظ مدى الدقة في تنظيم العلاقة بين المريض وبينهم. حيث تعرضت الروايات لمختلف الخصوصيات في هذا المجال ، وقد
تقدم ان من اطعم المريض شهوته اطعمه الله من ثمار الجنة وتقدم النهي عن ازعاجه ، والنهي عن اضجاره ، وغير ذلك مما لا مجال لإعادته .. والذي نريد ان ننبه عليه هنا نستطيع ان نجمله في ضمن النقاط التالية ..
اعلام المريض اخوانه بمرضه :
لقد ورد في بعض الروايات المعتبرة عن ابي عبد اللهعليهالسلام: انه ينبغي للمريض ان يؤذن اخوانه بمرضه ، فيعودونه ، فيؤجر فيهم ، ويؤجرون فيه ..
قال : فقيل له : نعم ، فهم يؤجرون فيه بممشاهم اليه ، فكيف يؤجر هو فيهم ، فقال : باكتسابه لهم الحسنات فيؤجر فيهم ، فيكتب له بذلك عشر حسنات ، ويرفع له عشر درجات ، ويمحى بها عنه عشر سيئات[١].
اذنه لعواده بالدخول عليه :
كما وانه ينبغي ان يأذن للناس بالدخول عليه ، من اجل ان يروا ما هو فيه فيخصّونه بدعواتهم ، فانه ليس من احد الا وله دعوة مستجابة .. والمراد بالناس على ماجاء في بعض النصوص هم الشيعة ..[٢]
هذا .. ولابد من الاشارة الى ان الدعوات الخالصة لاتكون الا عن رضا ومحبة ، وذلك يستدعى ان تكون السمعة والروابط فيما بينهم على درجة من الحسن ، والصفاء ، والسلامة .. كما ان ربط الاخرين بالمريض ، وتحسيسهم بمشاكله ، واحساسهم بضعفه يجعلهم اكثر ارتباطا به ، ويجعل احساسهم بالضعف امام الله اعظم .. ثم يكون الاعتبار بما يرون غيرهم قد ابتلى به ، مع عدم ضمانة
[١]الكافي ج ٣ ص ١١٧ ، والسرائر ص ٤٨٢ ، والبحار ج ٨١ ص ٢١٨ عنه ، والوسائل ج ٢ ص ٦٣٢ ومكارم الاخلاق ص ٢٣٥.
[٢]طب الائمة ص ١٦ ، والكافي ج ٣ ص ١١٧ ، والوسائل ج ٢ ص ٦٣٣ ، والبحار ج ٨١ ص ٢١٨.
واقعية لهم تكفل عدم تعرضهم لابتلاء مشابه ـ يكون هذا الاعتبار ـ اكثر عمقا ، وابعد اثرا ..
استحباب عيادة المريض :
لاريب في ان عيادة المريض محبوبة ومطلوبة لله تعالى ، ومستحبة شرعا ، وقد ورد : ان من عاد مريضا شيعه سبعون الف ملك ؛ يستغفرون له حتى يرجع الى منزله[١].
والاخبار في هذا المجال كثيرة ، لامجال لاستقصائها ، فمن ارادها فليراجعها في مظانها من كتب الحديث ، كالوسائل ج ٢ ، والبحار ، وغير ذلك.
حد القصد الى عيادة المريض :
ولربما يمكن ان يقال : ان قول النبيصلىاللهعليهوآلهلعليعليهالسلام: « سر ميلا عد مريضا »[٢]يستفاد منه عدم مطلوبية ذلك فيما فوق ميل ..
ولكننا بدورنا لا نوافق على هذه الاستفادة ؛ ونرى : ان من القريب جداً ، ان يكون المراد السير على الاقدام ونحوه ، فهو كناية عن مطلوبية تحمل المشقة في هذا السبيل ، ولو بأن يسير الانسان ميلا ، وليس في مقام تحديد المسافة التي تستحب منها العيادة .. واذن .. فحيث تتوفر الوسائل لعيادة المريض ولو بأن يسير اميالا بالسيارة مثلا ، فان ذلك يكون مطلوبا ومحبوبا ، بل يزيد محبوبية كلما زادت المشقة في ذلك ..
[١]الوسائل ج ٢ ص ٦٣٤ ، وفروع الكافي ج ١ ص ١٢٠.
[٢]البحار ج ٧٧ ص ٥٢ وج ٧٤ ص ٨٣ عن نوادر الراوندي ص ٥ وفقه الرضا ص ٤٨ ومكارم الاخلاق ص ٤٣٧ ، ومستدرك الوسائل ج ٢ ص ٢٢.