وعن النبي (ص) : اكتحلوا وتراً ، واستاكوا عرضاً[١].. وكان (ص) اذا اذا استاك استاك عرضا[٢]. وكان امير المؤمنينعليهالسلام« يستاك عرضا ، ويأكل هرثا »[٣].
المضمضة بعد السواك :
الا ان من الواضح : ان مجرد اجراء عملية السواك هذه ، لا يكفى في اخراج الفضلات من الفم ، وتنظيفه وتطهيره .. مع ان هذه هو احد الاهداف الهامة من عملية السواك ، كما صرحت به الروايات الكثيرة ..
بل لا بد من القيام بعملية اخرى لاخراج هذه الفضلات من الفم ؛ وليكون الفم من ثم نظيفا ، طاهرا ، طيب الرائحة الخ ..
وقد بين لنا ائمة اهل البيتعليهمالسلامهذه الطريقة ، فحكموا بلزوم المضمضة بعد السواك ، واذا كان ذلك الغرض لا يحصل من المضمضة مرة واحدة ، فقد ورد الامر بالمضمضة ثلاث مرات بعده.
فعن الصادقعليهالسلام: من استاك فليتمضمض ..[٤]
وجاء في رواية اخرى لمعلى بن خنيس عن السواك بعد الوضوء ، قالعليهالسلام: « يستاك ، ثم يتمضمض ثلاث مرات[٥]».
[١]من لا يحضره الفقيه ج ١ ص ٣٣ ومكارم الاخلاق ص ٥٠ والبحار ج ٧٦ ص ١٣٧ والوسائل ج ١ ص ٤١٢.
[٢]مكارم الاخلاق ص ٣٥ والكافي ج ٦ ص ٢٩٧ ومجمع الزوائد ج ٢ ص ١٠٠.
[٣]الوسائل ج ١٦ ص ٤٩٧ وفي هامشه عن الفروع ج ٢ ص ١٦٤ وقصار الجمل ج ١ ص ١٨ والهرث : يأكل باصابعه جميعا.
[٤]الوسائل ج ١ ص ٣٥٤ والمحاسن ص ٦٥٣ و ٥٦١ والبحار ج ٧٦ ص ١٣٤.
[٥]المحاسن ص ٥٦١ والبحار ج ٨٠ ص ٣٣٩.
ادنى السواك :
ونلاحظ : ان اهتمام الاسلام بالسواك قد بلغ حدا لربما يصعب تفسيره على الكثيرين ، او ادراك معطياته بشكل كاف .. حتى لنجده يكتفى من السواك بالدلك بالاصبع ، فعن النبي (ص) : التسوّك او التشويص بالابهام والمسبحة عند الوضوء سواك[١].. وعنهمعليهمالسلام: ادنى السواك ان تدلكه باصبعك[٢].. بل لقد اكتفى فيه بالمرة الواحدة كل ثلاث ، فعن الباقرعليهالسلام: لا تدعه في كل ثلاث ، ولو ان تمره مرة واحدة[٣].
وهذا تعبير صادق عن مدى اهتمامهمعليهمالسلامبالسواك ، كما انه يوحى بما للسواك من عظيم الفائدة ، وجليل الاثر. ، فان الدلك بالاصبع ، وان لم يكن محققا للغاية المرجوة بتمامها ، الا ان الميسور لا يترك بالمعسور ، اذ ان الدلك بالاصبع مفيد على الاقل في تقوية اللثة ، وتحريك عضلاتها .. كما انه يتهك الاغشية التي ربما تغلف الاسنان واللثة ، وتستبطن معها الكثير من الفضلات التي يمكن ان تكون مسرحا لكثير من الجراثيم والميكروبات ، التي تنشأ عن تخمر الفضلات ـ الامر الذي يؤثر ولو جزئيا في محدودية فعالية تلك الجراثيم على الاقل .. وهذا بالذات ما يفسر لنا قولهمعليهمالسلام: لا تدعه في كل ثلاث ، ولو ان تمره مرة واحدة ، كما هو ظاهر لا يخفى.
[١]البحار ج ٨٠ ص ٣٤٤ عن دعوات الراوندي ، والوسائل ج ١ ص ٣٥٩ وفي هامشه عن التهذيب ج ١ ص ١٠١.
[٢]الكافي ج ٣ ص ٢٣ والوسائل ج ١ ص ٣٥٩ ، وراجع البحار ج ٧٦ ص ١٢٧ وص ١٣٧ عن علل الشرايع ج ١ ص ٢٧٨ وعن مكارم الاخلاق ص ٥٢ وراجع مجمع الزوائد ج ٢ ص ١٠٠.
[٣]الكافي ج ٣ ص ٢٣ ومن لا يحضره الفقيه ج ١ ص ٣٣ ، ومكارم الاخلاق ص ٥٠ والوسائل ج ١ ص ٣٥٩ و ٣٥٣ والبحار ج ٧٦ ص ١٣٧ ، وراجع هوامش الوسائل ..
السواك بماء الورد :
نعم .. ومن اجل ان تطيب رائحة الفم اكثر ، لان السواك مطيبة للفم ايضا ، نجد : ان الحسنعليهالسلامكان يستاك بماء الورد[١].
السواك في الحمام :
هذا .. ولعل من الامور الذي لا تحتاج الى بيان : ان السواك في الحمام غير صحي ، لان السواك عبارة عن تنظيف الخلايا والفجوات من الفضلات ، فاذا تعرضت تلك الخلايا والفجوات لجو الحمام المزدحم بالميكروبات ، فلسوف تتعرض لغزو عنيف منها. ولن يمكن التخلص منها بعد بسهولة ويسر ، لا سيما وانه وهو في ذلك الجو كلما اخرج منها فوجا استقر في مكانه فوج آخر ، واتخذ مواقعه ..
نعم .. ولايوجد ثمة اي شيء يحجزها عن الوصول الا الامكنة الحساسة ، لمباشرة اعمالها التخريبية رأسا ..
اما في غير جو الحمام ، فان اللعاب يمنعها الى حد ما من الوصول بهذه السرعة الى الامكنة الحساسة ، وذلك بسبب تغطيته لها ولزوجته ، التي يحتاج اختراقها من قبل الجراثيم الى بعض الوقت ، مضافا الى تبدل اللعاب وتغيره باستمرار ، ولو بقى منها شيء مع هذا التبدل ، فان النوبة الثانية لاستعمال السواك تكون قد ازفت .. وأما اثناء السواك في الحمام ، فان اللعاب لا يصل الى المناطق التي عليها المسواك ، بل تبقى مكشوفة معرضة للعطب بأسرع ما يكون .. هذا .. مع ملاحظة ان جو الحمام يكون اغنى بهذه الميكروبات ، وتكون اكثر حيوية فيه ..
وهذا .. ما يفسر لنا ما ورد عن ابي عبد اللهعليهالسلامفي حديث : واياك والسواك
[١]البحار ج ٨٠ ص ٣٤٦ عن الهداية ص ١٨.
في الحمام ، فانه يورث وباء الاسنان .. وفي معناه عدة روايات اخر[١].
السواك على الخلاء :
ونفس ما تقدم ـ تقريبا ـ يأتي بالنسبة الى السواك على الخلاء ، فان نفس تلك الرائحة الكريهة عبارة عن جراثيم وميكروبات .. فاذا ما وصلت الى الفم ، واستقرت فيه ، ولا سيما في المناطق الحساسة والمكشوفة نسبيا ، وتناسلت وتكاثرت ، فان النّفس يبدأ بقذف الزائد منها الى الخارج ، فتلتقطه حواس الشم لدى الآخرين .. الامر الذي ينشأ عنه شدة تنفرهم وانزعاجهم منه .. ومن هنا .. نجدهمعليهالسلامينهون عن السواك على الخلاء.
فعن الصادقعليهالسلامفي حديث. والسواك في الخلا يورث البخر[٢].
وعنهعليهالسلام: السواك على المقعد يورث البخر[٣].
اوقات السواك ، والسواك للصائم :
قد تقدم ما يدل على استحباب السواك عند كل وضوء ، وعند كل صلاة .. واذا اراد ان ينام ويأخذ مضجعه ، ووقت السحر ، وفي كل مرة قام من نومه ، وحين طلوع الشمس ووالخ ..
[١]امالي الصدوق ص ٢٥٣ و ٢٥٤ والوسائل ج ١ ص ٣٥٩ و ٣٦٠ ومن لا يحضره الفقيه ج ١ ص ٣٣ ومكارم الاخلاق ص ٤٩ والكافي ج ٦ ص ٢٠٨ والبحار ج ٧٦ ص ١٣٦ و ٧٠ و ٧١ / ٧٢ و ٧٦ و ٧٥ و ٨١ و ٣٢٨ وعن علل الشرايع ج ١ ص ٢٧٦ وفقه الرضا ص ٤.
[٢]و (٣) من لا يحضره الفقيه ج ١ ص ٣٢ ومكارم الاخلاق ص ٤٨ و ٥١ والبحار ج ٨٠ ص ١٩١ وج ٧٦ ص ١٣٥ و ١٣٨ وعن الهداية ص ١٥.
أما الصائم فانه يستاك اي النهار شاء.[١]وكان علي يستاك في اول النهار وفي آخره ، في شهر رمضان[٢]. ولكن لم يرجع له الاستياك بسواك رطب ايضا[٣].. ولعل ذلك من اجل ان لا يجعل الصائم في حرج من جهة صومه ، مع الحرص على القيام بعملية السواك حتى في حال الصوم ..
ونحن نشير هنا الى :
ان وفود الجراثيم الى الفم لا ينحصر في تخمر فضلات الطعام فيه ، لان من الممكن ان تصل الى الفم عن طريق ملامسة بعض الاجسام الاخرى غير الطعام .. بل ومن الطعام نفسه اذا كان ملوثا بما هو خارج عنه .. كما ان من الممكن ان تتوافد الى الفم عن طريق الهواء غير النقي ، الذي يصل الى الفم ، والى غيره من اجهزة الجسم عن طريق التنفس.
ولاجل هذا .. فقد اختلفت الميكروبات التي يعاني منها الفم وتنوعت ، ولا يضاهيه في اختلافها وتنوعها اي عضو آخر في الانسان على الاطلاق .. وهو اكثر الاعضاء قابلية لاسقبالها ، وهو المكان الامثل لنموها وتكاثرها .. لان اللعاب الذي يتدفق باستمرار ـ وان كان في حالة سلامة الجسم ـ يمكنه ان يقضى على
[١]الكافي ج ٣ ص ٢٣ ، والمحاسن ص ٥٦٣ والبحار ج ٧٦ ص ١٣٦ و ١٣٤ ومن لا يحضره الفقيه ج ١ ص ٣٣ والاستبصار ج ١ ص ٩١ ومكارم الاخلاق ص ٤٩ والوسائل ج ١ ص ٣٦٠ و ٥٧ و ٥٨ والبخاري نشر دار الفكر العربي ج ٢ ص ٢٣٤ وسنن ابي داود ج ٢ وسنن ابن ماجة ..
[٢]الوسائل ج ٧ ص ٦٠ وفي هامشه عن قرب الاسناد ص ٤٣.
[٣]الاستبصار ج ٢ ص ٩١ / ٩٢ والوسائل ج ١ ص ٣٦٠ وج ٧ ص ٥٥ و ٥٩ و ٥٨ وفي هوامشه عن العديد من المصادر.
كثير من انواع الميكروبات ـ[١]الا انه في غير هذه الحالة يمثل الدرع الواقي والغطاء الطبيعي لها ، الذي يمكنه ان يحميها من كثير من العوارض .. بل انه يمثل الغذاء لها لو حرمت الغذاء .. واذا لاحظنا مدى حساسية هذا العضو ـ الفم ـ بالنسبة لسائر اجهزة الجسم الاخرى .. فاننا نعرف السر في تجويز الاستياك للصائم .. وفي دعوة الاسلام للاستياك في الاوقات المختلفة المتقدم ذكرها ..
اضف الى ذلك : ان بقاء محيط الفم لعدة ساعات في حالة هدوء معناه : انه اذا كان فيه شيء من الفضلات المتبقية فان التخمير يتم فيه بيسر وسهولة حينئذ ، كما انه لو كانت بعض الجراثيم متخلفة في الفم فانها تستطيع مهما كانت ضئيلة ومحدودة ان تقوم بنشاط واسع من دون وجود اي وازع او رادع.
فاذا استاك قبل النوم فانه يقضى بذلك على كل ذلك ، ولا يبقى ثمة فرصة لنشاط الجراثيم ، ولا لتخمر الفضلات ..
كما ان السواك بعد النوم يقضى على الجراثيم الوافدة الى الفم عن طريق التنفس وغيره. ويقول البعض : « ان تدفق اللعاب باستمرار في الفم عامل مهم في منع اصابة الاسنان بالتسوس والخراب ، لان اللعاب يؤثر في تنظيفها ميكانيكيا ، وحيث انه يقل تدفق اللعاب ليلا ، فان قابلية الاسنان للتعرض للخراب تزيد طبعا ، وهذا ما يؤكد الحاجة للسواك بعد النوم كما قلنا »[٢].. كما ان السواك يقضى على الميكروبات التي يمكن ان تكون قد نشطت اثناء النوم ، وعلى بعض الفضلات لو فرض تخلفها في تجاويف الفم ، فيما لو كان السواك قبل النوم غير فعال ، بسبب التقصير في الاستقصاء فيه .. نعم .. ولعل ما ذكرناه يلقى بعض الضوء على ما تقدم من قولهمعليهالسلام:
[١]فان لم يمكن فان اسيد المعدة يقضى عليها ، فان لم يمكن قضت عليها تركيبات الصفراء ( راجع : اولين دانشكاه وآخرين بيامبر ج ١٢ ص ١٢٢ و ١٢٦ ).
[٢]اولين دانشكاه وآخرين بيامبر ج ١٢ ص ١٥٥ / ١٥٦.
لو علم الناس ما في السواك لاباتوه معهم في لحاف .. وهذا ما يؤكد لنا عظمة الاسلام ، وانسجامه مع الحاجات الطبيعية ، التي تكتنف وجود هذا الكائن ، وتهيمن عليه ..
جرح اللثة ..
ويلاحظ هنا : ان جرح اللثة بالسواك ثم تعفنها غير وارد هنا بالنسبة للانسان السليم .. وذلك لان الفم يتمتع بمناعة خاصة ضد تعفن جراحة الفم ، ولعل هذا هو السر في اعتبار الاسلام الفم طاهرا ، مطهرا ، بحيث لو ظهر فيه دم فانه يطهر بنفسه بمجرد ذهاب آثاره .. كما ان اللعاب نفسه قاتل للميكروب لدى الرجال الاصحاء ، كما قدمنا[١].
ولكن ذلك لايعنى عدم تولد ملايين الجراثيم في الفم بفعل التخمر الذي تغلفه اغشية تمنع من تأثير اللعاب في مكافحتها عادة .. كما اشرنا اليه من قبل ..
المساويك المختلفة :
هذا .. ونجد : ان الرضاعليهالسلاميستاك في كل مرة بأكثر من مسواك واحد ، ولعله لاجل ان يتلافي ما يمكن ان يعلق بكل واحد منها اثناء عملية السواك هذه ، ثم يمضغ الكندر بعد سواكه ..
فقد ورد : ان الرضاعليهالسلامكان اذا صلى الفجر جلس في مصلاه الى ان تطلع الشمس. ثم يؤتى بخريطة فيها مساويك ، فيستاك بها واحدا بعد واحد ، ثم يؤتى بكندر فيمضغه الخ.[٢]ولعل مضغه للكندر بهدف تطييب رائحة فمه ، صلوات الله وسلامه عليه وعلى آبائه اجمعين ..
[١]اولين دانشكاه وآخرين بيامبر ج ١٢ ص ١٢٢ و ١٢٦ وراجع : من امالي الامام الصادق ج ١ ص ١٠٠.
[٢]الوسائل ج ١ ص ٣٦٠ والبحار ج ٦٧ ص ١٣٧ ومكارم الاخلاق ص ٥٠ ، وعن التهذيب ج ١ ص ١٦٣ واولين دانشكاه ج ١٢ ص ١٣٢.
السواك : والتلوثات الخارجية :
لقد ورد عن الصادقعليهالسلام: ان رسول الله (ص) كان اذا صلى العشاء الآخرة امر بوضوئه وسواكه ، فيوضع عند رأسه مخمرا ، فيرقد ما شاء الله ، ثم يقوم ، فيستاك الخ[١].
كما .. وتقدم : ان الرضاعليهالسلامكان وهو بخراسان اذا صلى الفجر جلس في مصلاه الى ان تطلع الشمس ، ثم يؤتى بخريطة فيها مساويك ، فيستاك بها واحدا بعد واحد ، ثم يؤتى بكندر الخ ..
وهذا يعكس رغبة النبي (ص) والامامعليهالسلامبالمحافطة على المساويك ، ولو بجعلها في خريطة ، او الاحتفاظ بها مغطاة الى وقت الحاجة .. حتى لا يصل اليها اي من انواع الجراثيم من اي سبب كان ، حتى من الهواء ، فضلا عن ملامسة اي شيء آخر لها .. وهذا هو منتهى المداقة في المحافظة على سلامة البدن .. ولا سيما اذا لاحظنا : ان الرضاعليهالسلامنفسه يجعل لكل صلاة مسواكا خاصا بها ، من اجل ان لا يبقى في المسواك حين استعماله للمرة الثانية اي اثر للرطوبة من العملية السابقة ، لان الرطوبة يمكن ان تنسجم مع حياة بعض الجراثيم التي ربما تعلق بها[٢]، ويكون اللعاب حاجزاً من تأثير المواد التي في المسواك في اهلاكها وابادتها ..
استحباب الوضوء للطعام :
هذا .. وقد ورد في الاحاديث ما يفيد استحباب الوضوء قبل الطعام ، وقد تقدم : ان السواك مستحب عند كل وضوء ، وهذا يعني ان السواك سيسبق الطعام ووضوءه ،
[١]الكافي ج ٣ ص ٤٤٥ والوسائل ج ١ ص ٣٥٦ واولين دانشكاه وآخرين بيامبر ج ٢ ص ١٢٩.
[٢]اولين دانشكاه وآخرين بيامبر ج ١٢ ص ١٣٢.