وابن دهن ، وغيرهم كثير ، فراجع الباب التاسع من عيون الانباء للاطلاع على اسماء الكثيرين منهم ...
المشتغلون بالطب في عصر الترجمة :
اما الذين كانوا يمارسون الطب في عصر الترجمة ، فقد كان اكثرهم من غير المسلمين ... واكثرهم من نفس اولئك الذين كانوا يهتمون بالترجمة الى اللغة العربية ...
وقد اشتهر في ذلك العصر من هؤلاء آل بختيشوع ، ابتداء من جرجيس الذي استقدمه المنصور من جنديشابور ، ثم ولده بختيشوع ، الذي استقدمه الرشيد ،[١]وجعله كبير ورئيس الاطباء ، ثم ابنه جبرئيل ، ثم ابنه بختيشوع ، الذي غضب عليه الواثق فاعاده الى جنديشابور وصادر كل مايملك ، ثم عاد فطلبه منها ، فوصلها بعد موت الواثق ... فاحتفى به المتوكل ، ثم يأتي عبيد الله بن بختيشوع.
وهناك من مشاهير اطبائهم : يوحنا بن ماسويه ، الذي عينه المأمون رئيساً لبيت الحكمة سنة ٢١٥ ، وقسطا بن لوقا البعلبكي ، وثابت بن قرة ، وسعيد بن يعقوب ، وغيرهم كثيرون ...
بين الشهرة ... والواقع :
لقد اشتهر الجنديشابوريون في بادىء الامر بصناعة الطب ، بشكل ليس له مثيل ، وكان لتأييد الحكام لهم نصيب وافر من هذه الشهرة التي حصلت لهم ، وفي مقام التدليل على مدى همينة غير المسلمين في مجال الطب ، وانبهار الناس بهم
[١]وقيل استقدمه المهدي لمعالجة ولده الهادي ، ثم عاد الى بلده ؛ فاستقدمه هارون راجع : مجلة الهادي سنة ٢ عدد ٢ ص ٥٢.
وتبيعتهم لهم ، ولا سيما الجنديشابوريين منهم نذكر القصة التي رواها او صنعها الجاحظ المتوفى سنة ٢٥٥ هـ.
وهي على النحو التالي :
يقول الجاحظ :
كان أسد بن جاني[١]رجلا طبيباً ، وفي فترة ما توقف عمله ، وكسدت سوقه ، فقال له احد الاشخاص : الاوبئة كثيرة في هذه السنة ، وقد انتشرت الامراض كثيرا بين الناس ، وانت رجل عالم ، ولك صبر واناة ، كما وانك خدوم للناس ، صاحب لسان ، وعارف بأحوال الناس ... ومع كل هذا فما هو السر في كساد سوقك؟!
فأجاب : اولا : انني مسلم ، والناس قبل ان اكون طبيبا ، بل وقبل ان اخلق ، يعتقدون : ان المسلم لا يكون طبيبا ناجحا ...
وثانيا : ان اسمى ( اسد ) في حين يجب ان يكون اسمى صليبا ، او مرابل ، او يوحنا ، او بيرا ... وكنيتي : ابو الحارث. في حين انها يجب ان تكون : ابا ـ عيسى ، او ابو زكريا ، او ابو ابراهيم ... وارتدى عباءة من الكتان الابيض[٢]. في حين انه كان يجب ان البس عباءة من الحرير الاسود[٣]نعم .. هكذا اصبح الناس
[١]لانعرف عن هذا الرجل الا ما ذكره عنه الجاحظ ، ولاندري انه كان شخصية حقيقية او مخترعة للجاحظ ليعبر عن مفهوم معين بهذا الاسلوب الطريف.
[٢]قال في عيون الانباء ص ٦٥٤ : « لما فتح الملك الناصر صلاح الدين يوسف ابن ايوب الكرك اتى الى دمشق موفق الدين يعقوب بن سقلاب النصراني ، وهو شاب على رأسه كوفية ، وتخفيفة صغيرة وهو لابس جوخة ملوطة زرقاء ، زي اطباء الفرنج ، وقصد الحكيم موفق الدين بن المطران وصار يخدمه ويتردد اليه لعله ينفعه ؛ فقال له : هذا الزي الذي انت عليه ما يمشي لك به حال في الطب في هذه الدولة بين المسلمين ؛ وانما المصلحة ان تغير زيك ، وتلبس عادة الاطباء في بلادنا ، ثم اخرج له جبة واسعة عنابية وبقياراً مكملا ، وامره ان يلبسهما » انتهى ... وهذا يدل على تغيير الزي السابق المشار اليه في المتن.
[٣]البخلاء ص ١٢١ ط سنة ١٩٦٠ وتاريخ طب در ايران ج ٢ ص ٢٠٤ ومجلة الهادي سنة ٢ ـ عدد ٢ ص ٦٢.
يعتقدون في غير المسلمين ، وبالاخص الجنديشابوريين منهم ، كما ارادوا هم لانفسهم واراد لهم الحكام المتسلطون.
وقد كان العلماء يلومون الخلفاء والوزراء في تعظيمهم النصارى للتطبب ، كما قدمنا ...
ولكننا لو راجعنا الوقائع التاريخية ، واردنا ان نحكم عليها حكم المنصف والمتجرد عن كل هوى وتعصب ، فاننا نجد :
انه لم يكن لدى الاطباء غير المسلمين تلك البراعة الخارقة للعادة في صناعة الطب ، وان كان لهم الفضل في نقل تراث الامم الاخرى الى لغة الاسلام ..
وكمثال على ذلك نذكر : ان سلمويه يعتبر يوحنا بن ماسويه مثلا وهو اشهر طبيب في عهد المأمون من اجهل خلق الله بمقدار الداء والدواء[١].
كما ان ابا قريش[٢]قد كان عند المهدي : « نظير جرجس بن جبرائيل في المرتبة ، بل اكبر منه حتى تقدمه في المرتبة ، وتوفى المهدي واستخلف هارون الرشيد ، وتوفى جرجس ، وسار ابنه ( اي بختيشوع ) تبع ابي قريش في خدمة الرشيد.[٣]»
ولكن التجليل والتعظيم ، والصيت الواسع كان لبختيشوع ، دون ابي قريش .. كما اننا نجد ان هذا الصيت العظيم للاطباء من غير المسلمين ، قد اثر على التاريخ كما يظهر ذلك من ملاحظة الموسوعات ، وكتب التراجم. فانهم يهتمون جدا في ترجمة الاطباء غير المسلمين ويطنبون فيها كثيرا .. اما الطبيب المسلم الحاذق
الهادي سنة ٢ عدد ٢ ص ٦٢.
[١]تاريخ الحكماء ص ٣٨٥ وعيون الانباء ص ٢٣٧.
[٢]يقال : ان المهدي كناه بهذا اشارة الى عظمته التي جعلته بمنزلة اب للعرب كلهم حين يكون ابا لقريش ـ راجع عيون الانباء ص ٢١٦.
[٣]عيون الانباء ص ٢١٦.
العظيم فان ترجمته لاتتجاوز الاسطر القليلة ، الا اذا كان مثل الرازي ، وابن سينا اللذين لايمكن تجاهلهما ...
يكفى ان نذكر : اننا نلاحظ : انهم يترجمون الزهراوي الذي اعتمد عليه الاوروبيون في الطب الجراحي وغيره لم يترجم الا بثلاثة اسطر ، وكذا بالنسبة لعلي بن العباس وقد اشرنا الى ذلك فيما تقدم.
وقد بدا ان اهل جنديشابور كانوا مغرورين بأنفسهم جدا ، وقد تجاوزوا الواقع في تصوراتهم لقدراتهم الحقيقية ، حتى ليقول القفطي :
« ان الجنديشابوريين كانوا يعتقدون انهم اهل هذا العلم ، ولا يخرجونه عنهم وعن اولادهم وجنسهم »[١]:
نعم ... ولكن نجم جنديشابور قد افل ، واشعاعها قد خبا ، بنبوغ مهرة الاطباء ، افذاذ الفن واساطينه من المسلمين ـ وما اكثرهم ... وآخر من ورد اسمه كرئيس لمستشفى جنديشابور هو سابور بن سهل المتوفى سنة ٢٥٥[٢].
وأخر وقعة ورد فيها اسم جنديسابور هي ما بين سنة ٢٦٢ ـ ٢٦٥ حيث يذكرون ان يعقوب بن ليث الصفار قد جعل جنديشابور مقرا له ، حينما تأهب لفتح خوزستان[٣]
[١]تاريخ الحكماء ص ١٧٤ ومجلة الهادي السنة ٢ عدد ٢ ص ٦٢ في مقال للدكتور محمدي بعنوان : جامعة جنديشابور.
[٢]راجع : الفهرست لابن النديم ص ٤١٣.
[٣]تاريخ الطبري مطبعة الاستقامة ج ٨ ص ٣٤ وعنه في مجلة الهادي سنة ٢ عدد ٥٦ مقال الدكتور محمدي ومعجم البلدان ج ٢ ص ١٧٠ و ١٧١ وفيه ان يعقوب بن الليث مات بها سنة ٦٥ وقبره بها ..
حركة التأليف ، وازدهار الطب عند المسلمين :
وكانت العلوم في فترة حركة الترجمة تنضج شيئا فشيئا لدى المسلمين ، وبدأت منذ عصر الترجمة حركة التأليف شيئا فشيئا ، ونشطت كثيرا في النصف الثاني من القرن الثالث ، وبدأ دور الترجمة بالتراجع والتقلص بنسبة ازدياد النشاط العلمي والتأليفي في البلاد.
ويظهر : ان التأليف الاسلامي قد بدأ من النصف الاول من القرن الثالث ، حيث نجدهم يذكرون بعض المؤلفات لعلي بن ربن الطبري وغيره من الاطباء المسلمين ، الذين عاشوا في القرن الثاني ومطلع القرن الثالث ، هذا ... ان لم نقل : ان الحارث بن كلدة ـ اول مسلم الف في الطب ... على فرض ثبوت ذلك ... كما اشرنا اليه فيما تقدم ...[١].
والمهم هنا هو اننا نلاحظ : ان المسلمين قد عنوا بالطب عناية فائقة ، ونبغ منهم علماء كبار ، وجهابذة افذاذ انسوا من كان قبلهم ، ومهدوا السبيل لمن جاء بعدهم ، وعلى اساس نظرياتهم ، وابتكاراتهم ، ومنجزاتهم كانت النهضة الكبرى في القرن العشرين ، اي الرابع عشر الهجري .. فهم وحدهم آباء هذا العلم ـ كما كانوا آباء غيره من العلوم ـ في العصر الحديث.
كما اننا نجد : ان بغداد مقر الخلافة العباسية لم تعد هي المركز الطبي الوحيد ، فان انقسام الدولة الاسلامية الى ممالك صغيرة مستقلة قد حمل معه ظاهرة تكون مراكز كثيرة للعلوم الطبية في مختلف انحاء العالم الاسلامي ، كغزنة ، والقيروان ، ومصر وغيرها ؛ الامر الذي هيأ الجو لظهور نوابغ في هذا العلم في مختلف ارجاء الدولة الاسلامية ... ومهد السبيل لتخرج اعداد هائلة من الاطباء
[١]وقد الف اسحاق بن حنين كتاب : تاريخ الاطباء ( الفهرست لابن النديم ص ٤٢٩ ) ولعله من اول من صنف في موضوع تاريخ الطب ، ان لم يكن هو الاول ...
من مختلف الاختصاصات. ومن ثم انتاج اعداد ضخمة جدا من المؤلفات في هذا العلم ، لم يستطع المؤلفون في التراجم والموسوعات حتى احصاء اسمائها ، مع شدة عنايتهم بذلك ، واصرارهم عليه .. وعلى مؤلفات المسلمين ، ومنجزاتهم العلمية كانت النهضة الطبية المعاصرة ، كما سنشير اليه ... ونستطيع ان نجمل مظاهر الحضارة الاسلامية في المجال الطبي واثر المسلمين في النهضة الطبية الكبرى في العناوين والبحوث التالية :
المؤلفات الطبية ، واثرها في النهضة الاخيرة :
يقول الدكتور فيليب حتى : « في القرن العاشر للميلاد ظهر اطباء مسلمون من المرتبة العالية اغنوا بمؤلفاتهم التراث الطبي في الشرق وفي الغرب. ، وكان معظم اولئك الاطباء من الفرس انما كانوا يؤلفون كتبهم باللغة العربية »[١].
وعن كتاب القانون لابن سينا يقول : « وقد ترجمه الى اللاتينية جرارد الكرموني في طليطلة في القرن الثاني عشر ، فاحتل بذلك محل الكتب المدرسية الطبية السابقة ، وظل كتابا مدرسيا قرونا عديدة.
اما في الشرق فقد ظل كتاب القانون في الطب المرجع الاوحد في الطب ، الى ان حل محله الكتب الطبية العصرية التي ظهرت في القرن التاسع عشر »[٢].
اما محمد الخليلي ، فيقول : انه قد نشر من كتاب القانون طبعة عربية في روما سنة ١٥٩٣ م وفي بولاق مصر سنة ١٨٧٧ م وفي الهند سنة ١٣٢٣ م.
وظهرت له في اوربا عدة شروح ، وترجمت اجزاء اخرى منه الى اللغة الافرنسية ، والالمانية ، والانجليزية ، وغيرها من لغات اوربا ، كما ترجمت الى التركية ، والفارسية.
وبالجملة : فقد كان القانون من اجل الكتب التي تدرس في جامعتي ( مونبليه )
[١]موجز تاريخ الشرق ص الادنى ١٩٢.
[٢]المصدر السابق ص ١٩٤.
و ( لوفان ) الى اواسط القرن السابع عشر ، كما كان البرنامج الطبي في قينا سنة ١٥٢٠ م وفي فرنكفورت سنة ١٥٥٨ م اكثره على القانون ، وعلى المنصوري.
قال العلامة ساربوري في كتابه : تاريخ العلم : كان كتاب القانون ذلك المعلم الطبي العظيم توراة الطب ، اي دستوره المقدس.
وقال الدكتور ( ماكس ما يرهوف ) في كتابه : تراث الاسلام : ان ابن سينا قد جمع في قانونه تراث اليونان الى اختبار العرب ، فكان اسمى ما بلغه من التنظيم العلمي العربي. ثم قال في موضع آخر : والمرجح انه لم يوضع في تاريخ الطب كتاب عنى العلماء بدراسته كهذا الكتاب ، اي القانون.
ولكن منذ القرن السابع عشر الى التاسع عشر وضعت كتب افرنجية زاحمت القانون في نفوذه ، وان كان تأثيره لم ينقطع تماما ...[١]انتهى.
والخلاصة : ان اوربا قد ظلت قرونا عديدة وكتب الشيخ الرئيس مرجعها الوحيد في الدراسة الطبية والفلسفية[٢]. وكان ابن سينا يلقب في اوربا بملك الاطباء ، وظل كتابه يدرس الى سنة ١٦٥٠ م في جامعة لوون في بلجيكا ، ومنبلييه في فرنسا[٣]..
ويقول فيليب حتى عن كتاب « الملكي » لعلي بن العباس : انه الكتاب الوحيد الذي نقله الصليبيون الى اللغة اللاتينية. وقد ظل كتابا مدرسيا في الشرق والغرب الى ان حل محله الكتاب الذي وضعه ابن سينا ، وهذا اشبه بموسوعة طبية »[٤].
[١]راجع : معجم ادباء الاطباء ج ١ ص ١١٦.
[٢]المصدر السابق ج ١ ص ١١٥.
[٣]تاريخ طب در ايران ج ٢ ص ٥٦٩.
[٤]موجز تاريخ الشرق الادنى ص ١٩٣ وراجع : تاريخ التمدن الاسلامي المجلد الثاني ص ١٩٩.
ويذكر كوستاف لوبون : ان كتاب الملكي قد ترجم سنة ١١٢٧ وطبع في سنة ١٥٢٣ م[١].
كما ان كتاب الحاوي للرازي قد ترجم الى اللاتينية ، وطبع مرارا « يستعمل ككتاب مدرسي في المعاهد الطبية الاوربية ، ان علم الرازي وفضله على العلوم الطبية يرفعان من قدره ، ويجعلانه يحتل مرتبة بين عظماء المفكرين الخلاقين في اوربا الوسيطة .. »[٢].
وعلى كل حال .. فان كتب الرازي قد بقيت مدة طويلة جزءاً من الكتب الدراسية حتى القرن السابع عشر. وكذلك كتب ابن سينا ، ويوجد بها فرمان لمدرسة دار الفنون مؤرخ في سنة ١٦١٧ ميلادية[٣].
ولم يقتصر الامر على كتاب الحاوي من مصنفات الرازي ؛ بل ان اكثر مصنفاته قد ترجمت الى اللاتينية وطبعت مرارا ابتداء من سنة ١٥٠٩ ميلادية[٤].
اما كوستاف لوبون فقد اجمل ما تقدم بقوله : « لقد ترجمت كتب ابن سينا الى مختلف لغات الدنيا ، وبقيت حوالي ستة قرون تعتبر اصول ومباني الطب ، كما ان مدارس الطب ، وخصوصا دار الفنون في فرنسا وايطاليا كانت تقتصر على تدريس كتبه ، ولم يمض خمسون سنة ، على خروج كتبه من الدراسة في فرنسا ..
ولايقصر عن ذلك اهتمام الاروبيين بكتب الرازي ترجمة وتدريسا. وهناك كتب ابن رشد الطبية التي طبعت مرارا في اوربا ، كذلك كتاب علي بن عباس ...
واكثر من ذلك ، فان كل الجراحين الذين جاؤا بعد القرن الرابع عشر للميلاد قد اعتمدوا ـ كما يقول هالر ـ على كتب الزهراوي الاندلسي ( المعروف
[١]تمدن اسلام وعرب ص ٦١١.
[٢]راجع : موجز تاريخ الشرق الادنى ص ١٩٣.
[٣]راجع : تمدن اسلام وعرب ص ٦١٠.
[٤]المصدر السابق ...